بين الباش والسيّد: من الزعيم إلى الطوطم

شهيد نكدالسبت 2026/09/26
19.jpg
يتحول القائد الشهيد إلى طوطم (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

أيام قليلة تفصل بين ذكريي اغتيال بشير الجميّل وحسن نصرالله، وسنوات طويلة تفصل بين الرجلين ومشروعيهما. تقارب الأيام يكشف تشابهاً معكوساً: مشروعان وُلدا من جهتين متقابلتين، وحدّدا العدو والحليف بصورتين متناقضتين، وانطلق كلٌّ منهما، بطريقته، من أسئلة الجماعة والخوف والقوّة والدولة. وتباعد السنين يكشف أنّه بالرغم من تبدّل الحروب والوجوه والتحالفات، ما زال لبنان يدور حول الأسئلة نفسها: من يحمي الجماعة؟ من يحمي لبنان؟ ماذا نفعل حين تعجز الدولة؟ وإلى أيّ حدّ يمكن الاستعانة بالخارج قبل أن يصير الخارج جزءاً من الداخل؟

 

حصانة الشهادة

لكن ما يجمع الرجلين ليس فقط أيلول والاغتيال، بل الطريقة التي نتعامل فيها مع إرثهما والتي تتجسّد بما يُمكن تسميته "بحصانة الشهادة". فعلى عكس ما يوحي به الاغتيال من أن حياة الزعيم قد انتهت، يُمكن أن تبدأ بعده حياة جديدة خالدة ملؤها الاحتمالات والافتراضات: "ماذا لو حكم بشير؟" "ماذا لو كان السيّد لا يزال موجودًا"؟ تتوقّف تجربته عند لحظة معيّنة ويتحرّر من اختبار الزّمن ومن أي مساءلة ومن إمكانية تحميله نتائج قرارات وخيارات وتسويات لم يعد موجودًا لاتخاذها أو مراجعتها، فيدخل الافتراض مكان الوقائع، والوقائع تُصبح بلا قيمة. وفي مقابل انبعاث الزعيم في لبنان يكون موت ضحايا تفجير مرفأ بيروت مثلًا ومفقودي ومخفيّي الحرب (وكلّ الحروب) موتًا حقيقيًا ونهائيًا. وتلعب اللغة دورًا في صناعة هذه الحصانة، فوصف الزعيم بـ"الشهيد" ليس إضافة صفة إلى إسمه فقط، بل هو عملية ارتقاء من مرتبة سياسية، إلى مرتبة أخرى. فالسياسي هو إنسان يُخطئ ويُصيب، ومساءلته ممكنة؛ أمّا الشهيد فيدخل حيّز القداسة ما يجعل إخضاعه للمقاييس أمرًا شديد الصعوبة. وهكذا يرتقي الزعيم من كونه شخصية تاريخية قابلة للنقد إلى رمز يتجاوز الشخص نفسه، فيتحوّل الشهيد إلى طوطم.  

 

الطوطم السياسي

الحديث عن بشير الجميل أو حسن نصرالله ليس حديثًا عن شخصين عاديين، فقد تحوّل كلّ منها لدى جمهوره، إلى طوطم (رمز تتماهى معه الجماعة، وتُسقط عليه هويّتها وذاكرتها وقيمتها، فيُصبح المساس به كأنّه مساس بالجماعة نفسها). وأمام الطوطم السياسي تتعقّد الأمور، فالزعيم لم يعد صاحب قرارات يُمكن الاخذ والردّ فيها، بل تحوّل إلى خزّان للذاكرة الجماعية، وأي مساس به هو مساس بمنظومة معقّدة من الخوف والانتماء والتضحيات والروايات. والطوطم يعقّد أيضًا العلاقة بين الجماعات التي تدخل الحوار مُحمّلة لا بخزّان الذاكرة فقط، بل بخزّان آخر من الاحتمالات المستقبلية المُتخيّلة حول ما كان يُمكن لزعيمها أن يفعله لو بقي حيًّا. هنا لا يعود الحوار بين جماعتين نقاشًا في الوقائع، بل يُصبح صدامًا بين ذاكرتين واحتمالين ورمزين، وكلّما ارتفع منسوب القداسة انخفضت إمكانية الخروج من هذا الإطار.

ولعلّ الحديث عن بشير الجميل وحسن نصرالله في مقال واحد قد يكون موضوعًا يمكن الاعتراض عليه؛ فكلّ جماعة ترى أن ذكر طوطمها إلى جانب الآخر ينتقص من قيمته ورمزيّته، وهو الوطني والآخر الخائن، هو صاحب القضية والآخر صاحب مشروع خارجي. 

الرجلان لم يعودا تجربتين سياسيتين قابلتين للتفكيك، بل هما جوابان نهائيان. وهنا تكمن مشكلة نمط واسع من الزعامة اللبنانية بشكل عام؛ فهي لا تسعى لتحرير جماعتها من الحاجة إليها، بل تعمل على جعل هذه الحاجة شرطًا لبقائها السياسي. فالزعيم الذي يبني مؤسسة يفترض أن يجعل نفسه، مع الوقت، أقل ضرورة. والذي يبني دولة يفترض أن يجعل جماعته أقل حاجة إلى زعيم. والذي يبني مواطنة يفترض أن يترك وراءه أفراداً قادرين على المطالبة بحقوقهم من الدولة، لا على انتظار شخص قوي يتوسط بينهم وبينها.

أما الطوطم، فيحتاج إلى العكس تماماً: يحتاج أن يبقى حاضراً.

 

إرث أم قيد؟

ولذلك لا تستعيد الجماعة زعيمها فقط، بل تعيد إنتاجه باستمرار. كل جيل يصنع بشيره أو نصرالله الخاص به، ويضع في صورته شيئاً من أسئلة زمنه. الواقعة التاريخية تبقى واحدة، لكن معناها يتبدّل بحسب الحاضر، وهو ما يجعل الذاكرة السياسية مورداً حياً يمكن أن يؤثر في السلوك والصراع السياسي بعد عقود من الحدث نفسه.

وهكذا يكون الزعيم في حياته كما في مماته إشكالية: حضوره الطاغي يجعل الجماعة تتمحور حوله؛ وغيابه يسمح لها بأن تصنع منه الشخصية التي تحتاج إليها، من دون أن يعود قادراً على الاعتراض.

وهنا تصبح المسألة أبعد من بشير الجميّل وحسن نصرالله كشخصين. السؤال يصبح عن الجماعتين، وعن الإرث الذي تركه كل منهما فيهما. فالطوطم هو ابن القبيلة التي تحتاج اليه من أجل رؤية نفسها، وتجميع ذاكرتها وخوفها وانتصاراتها ومظلوميتها. أمّا مشروع الدولة فهو مسار معاكس، حيث ينتقل الانتماء من القبيلة إلى مواطنة تحميها مؤسسات وحقوق وواجبات وقواعد مشتركة. وهنا يأخذ الحديث عن بشير الجميل وحسن نصرالله منحى آخر، عن الإرث السياسي وبما أصبح عليه الذين ساروا خلفهم. طبعًا، السؤال هنا ليس بسيطًا ولا يفترض مساواة التجربتين، لكن هل أصبحت علاقة الجماعات ببعضها أقلّ خوفًا وأكثر قابلية لبناء مساحة سياسية مشتركة؟ 

 

لهذا قد يكون الوفاء الحقيقي لبشير الجميّل أو حسن نصرالله، أو لأي زعيم لبناني، ليس في إبقائه حاضراً إلى الأبد، ولا في استدعاء صورته كلّما دخلت الجماعة في أزمة، بل في أن تصبح الجماعة التي تركها خلفه أقل حاجة إليه. أن تنتقل من حماية الزعيم إلى حماية المؤسسة، ومن الخوف إلى الثقة، ومن الذاكرة المغلقة إلى القدرة على العيش مع ذاكرة الآخرين.

فالإرث السياسي لا يُقاس فقط بعدد الذين ما زالوا يرفعون صورة الزعيم، بل بما إذا كان قد ترك خلفه جماعة أكثر قدرة على الوقوف من دونه. وإذا بقي حضوره شرطاً للشعور بالأمان، وبقيت صورته ضرورية في كل مناسبة، وبقيت الجماعة عاجزة عن تخيّل نفسها خارج ظلّه، يكون حضوره قد أصبح ثقيلًا وعبئًا. فالرمز الذي لا يسمح لجماعته بأن تتجاوزه، يتحوّل من إرث إلى قيد. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث