لا يزال التصعيد في الجنوب على أشدّه، في وقت تتراجع فيه فرص إحداث خرق سياسي سريع في المسار التفاوضي. فبعد سلسلة غارات طاولت مرتفعات إقليم التفاح، وقصف مدفعي متواصل استهدف أطراف شقرا والمنصوري وبرعشيت وياطر ومناطق أخرى، تقدّمت قوة إسرائيلية، اليوم، إلى الجهة الجنوبية من أطراف بلدة دير ميماس في قضاء مرجعيون، وتحديدًا في اتجاه كروم الزيتون، حيث أفادت معلومات ببقائها متمركزة في المكان.
وعلى وقع هذا التحرّك، دعت بلدية دير ميماس الأهالي إلى عدم التوجّه إلى الحقول وبساتين الزيتون "لدواعٍ أمنية"، طالبةً الالتزام بالتوجيه حتى 28 أيلول، على أن يصدر تبليغ جديد تبعًا للظروف. وتزامن البيان مع معلومات عن تقدّم القوة الإسرائيلية إلى المنطقة الجنوبية من البلدة وتمركزها في اتجاه كروم الزيتون.
وفي حادثة أخرى، أفادت معلومات بأن الجيش الإسرائيلي أبلغ لجنة "الميكانيزم" عن رصده مسلحين قرب بركة "نقية شقرا"، مهدّدًا باستهدافهم، قبل أن يتبيّن أنهم صيادون، فجرى إبعادهم عن المكان. كما أفادت معلومات صحافية بعد ظهر اليوم بإصابة راعي ماشية برصاص إسرائيلي قرب منطقة الحمام عند أطراف الخيام، فيما كانت فرق الإسعاف تنتظر موافقة عبر "الميكانيزم" لنقله إلى المستشفى.
هذه الوقائع لا تبدو معزولة عن المشهد الأوسع في الجنوب. فالقصف والتوغلات وعمليات التمشيط تتزامن مع جمود تفاوضي واضح، فيما تقول مصادر دبلوماسية إن فرص عقد جولة مفاوضات جديدة قبل الانتخابات الإسرائيلية تبقى محدودة، وإن حصولها لا يعني بالضرورة استعداد تل أبيب لتقديم خطوة باتجاه لبنان أو البدء بتنفيذ ما اتُّفق عليه في "اتفاق الإطار". والانتخابات الإسرائيلية مقرّرة في 27 تشرين الأول المقبل، بعد حلّ الكنيست وتحديد الموعد رسميًا.
"مرحلة جديدة" في الجنوب
ويزداد القلق اللبناني مع ما أعلنته "القناة 12" الإسرائيلية عن استعداد الجيش الإسرائيلي للدخول في "مرحلة جديدة" من القتال في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة، بعد قوله إنه استكمل عمليات تدمير بنى تحتية لـ"حزب الله" ضمن المنطقة التي تسميها إسرائيل "الخط الأصفر".
ولا يعني هذا الانتقال، وفق الرواية الإسرائيلية، انتهاء العمليات، بل إعادة تنظيم انتشار القوات وبناء مواقع جديدة وتعديل شكل الوجود العسكري. وهو ما يثير مخاوف لبنانية من أن تتحوّل الإجراءات التي تصفها إسرائيل بالموقتة إلى ترتيبات أمنية ثابتة تسبق أي تسوية سياسية وتفرض نفسها عليها لاحقًا.
ويأتي ذلك بينما لا تتوقف الضربات الميدانية. فقد توغّلت قوة إسرائيلية باتجاه منطقة السدانة في محيط كفرشوبا، حيث طوّقت مزرعة يوجد فيها رعاة ماشية، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة. وفي الخيام، أُحرقت منازل في منطقة الجلاحية، فيما نُفذت تفجيرات في دير سريان وزوطر الشرقية والمنصوري، إضافة إلى سلسلة غارات وقصف مدفعي طالت مناطق واسعة من الجنوب.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ 8 تشرين الأول 2023 ارتفعت إلى 8953 قتيلًا و30,649 جريحًا. وكانت الحصيلة منذ 2 آذار وحتى 25 أيلول وحدهما قد بلغت 4386 قتيلًا و12,413 جريحًا، وفق مركز عمليات طوارئ الصحة.
ويأتي التصعيد أيضًا عشية إطلالة للأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم في مناسبة الذكرى السنوية الثانية لمقتل الأمينين العامين السابقين للحزب حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، في وقت يتصاعد فيه السجال الداخلي حول السلاح ومسار التفاوض ومستقبل الجنوب.
سلام: القرار للدولة وحدها
في المقابل، حاول رئيس الحكومة نواف سلام من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة تثبيت سقف سياسي واضح للموقف اللبناني.
وقال إن مسؤولية الدولة هي استعادة القرار الوطني والسيادة الكاملة، بحيث "لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية". كما شدّد على أن لبنان وجد نفسه أمام حرب لم يخترها، وأن اتساع الصراع الإقليمي لا يبرّر تحويل البلاد إلى ساحة لمفاوضات الآخرين.
وأكد سلام أن "لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية"، مضيفًا أن مستقبل البلاد لا يجوز أن يُقرّر بالنيابة عنها أو أن يصبح أمنها ثمنًا لتسويات تُعقد في غيابها.
وفي الوقت نفسه، ثبّت سلام الشق الآخر من المعادلة، مطالبًا بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، وتثبيت وقف إطلاق النار، والإفراج عن الأسرى، وعودة السكان إلى قراهم وإعادة إعمارها.
ووضع هذين المسارين، انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، في إطار واحد يقوم على "التبادلية والمرحلية"، معتبرًا أن نجاح أي اتفاق لا يُقاس بالنوايا المعلنة، بل بالتنفيذ الفعلي للالتزامات ضمن جدول زمني واضح وآلية تحقق.
"اليونيفيل" ومخاطر الفراغ
ولم يغِب ملف "اليونيفيل" عن كلمة سلام، خصوصًا مع اقتراب مرحلة إنهاء عمليات القوة الدولية وبدء انسحابها التدريجي.
وحذّر رئيس الحكومة من أن انسحاب "اليونيفيل" من دون اتفاق مسبق على قوة دولية بديلة قد يُحدث فراغًا في الجنوب، داعيًا إلى صيغة تضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتتكامل مع متطلبات تنفيذ "الإطار الثلاثي".
لكن الموقف الأميركي الذي عبّر عنه السفير عيسى يذهب إلى صيغة أكثر حسمًا. إذ قال إن تسليم "حزب الله" سلاحه يفتح الباب أمام السلام، وإن استمرار الاحتفاظ به يؤدي إلى ضياع الفرص، مضيفًا أنه إذا نُزع سلاح الحزب وانسحبت إسرائيل "فلن تكون هناك حاجة إلى اليونيفيل".
كما قال عيسى إنه حرص على حضور كلمة سلام والاستماع إليها، معتبرًا أن مقاربة رئيس الحكومة "تتماشى مع المسار الأميركيّ".
وهنا يظهر بوضوح التباين بين الحاجتين اللبنانية والأميركية: بيروت تريد ضمان استمرار وجود دولي يمنع الفراغ خلال المرحلة الانتقالية، فيما تربط واشنطن مستقبل هذا الوجود بمآل ملف سلاح "حزب الله" والانسحاب الإسرائيلي.
دعم دولي وانتقال إلى السعودية
وبحسب مصادر دبلوماسية في نيويورك، لاقت كلمة سلام تفهّمًا لدى عدد من المسؤولين والوفود، خصوصًا في ما يتعلّق بربط مسؤوليات لبنان الداخلية بالتزامات المجتمع الدولي تجاه السيادة والانسحاب الإسرائيلي.
وعقب الكلمة، التقى سلام وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، ومستشار وزير الخارجية السعودي للشأن اللبناني الأمير يزيد بن محمد بن فهد بن فرحان.
وبحث اللقاء العلاقات الثنائية بين لبنان والمملكة وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية.
وتكتسب المحطة السعودية أهميتها في سياق أوسع من الاتصالات التي أجراها سلام في نيويورك لحشد دعم عربي ودولي للموقف اللبناني، ولا سيّما في ملف السيادة ودعم مؤسسات الدولة والجيش ومسار التعافي وإعادة الإعمار.
واشنطن المحطة المقبلة
ومع انتهاء محطة نيويورك، ينتقل مركز الاهتمام إلى واشنطن.
فمن المقرر أن يلتقي سلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فيما يعقد وزير الخارجية يوسف رجّي لقاءً في البيت الأبيض مع نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام قبل الاجتماع مع روبيو.
وهذه الاجتماعات تأتي فيما لم يُحسم موعد جولة روما، وبينما يستمر الجيش الإسرائيلي في تعديل وقائعه على الأرض. ولذلك، يدخل الوفد اللبناني واشنطن وفي جعبته مطلب يتجاوز إعلان الدعم السياسي: معرفة ما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة للانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض مسار تنفيذي متبادل، يبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع استكمال الدولة اللبنانية التزاماتها.
حتى ذلك الحين، يبقى الجنوب في المساحة الأخطر: بين مفاوضات متأخرة وميدان يتحرك يوميًا، وبين خطاب لبناني يطالب باستعادة القرار وبين إسرائيل تواصل صناعة الوقائع قبل أن تصل التسوية إليها.




