من نيويورك إلى الجنوب.. السيادة اللبنانية في سباق مع الميدان

مانشيت - المدنالجمعة 2026/09/25
الجنوب (Getty)
لبنان الرسمي يخوض معركة شرسة في مواجهة الضغوط الإسرائيلية ومساعي تثبيت السيادة. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلق لبنان مواقف حازمة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحدّد رئيس الحكومة نواف سلام ثلاثة تحدّيات مصيرية تواجه لبنان: "أن يستعيد ثقة شعبه بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت وما خلّفاه من مآسٍ وجراح، وأن يستعيد قراره الوطني، بحيث لا تكون سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلّحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية، وأن يستعيد كامل أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، ويبسط سيادته على كامل ترابه الوطني بقواه الذاتية تنفيذًا لاتفاق الطائف، واحترامًا صادقًا للقرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولعلّ أهمها القرار 1701، الذي يبقى إلى اليوم مرجعًا أساسيًا ناظمًا للعلاقة بين لبنان وإسرائيل". وقال: "السيادة التي نتمسّك بها لا تتجزّأ. فهي تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها وحدها، وعلى هذين المبدأين، وعلى قاعدتَي التبادلية والمرحلية، يقوم الإطار الثلاثي الذي تمّ التوصّل إليه في المفاوضات". وأضاف سلام: "لا أحد يتحدّث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية". وتابع: "صحيح أن لبنان يتأثّر بما يجري في محيطه، لكن ذلك لا يعني أننا نقبل بأن يعود ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم. فمستقبل لبنان لا يُقرَّر بالنيابة عنه، ولا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمنًا لتسويات تُعقد في غيابه". وأكد أن "نجاح أي اتفاق لا يُقاس بالنوايا المعلنة، بل بتنفيذ الالتزامات. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو استكمال ترجمة هذا الإطار إلى خطوات عملية، ضمن جدول زمني واضح، وآلية تحقق تضمن التنفيذ. وما يهمّنا التشديد عليه، اليوم وهنا، هو ضرورة العمل على تجنّب الفراغ الذي قد يحدثه انسحاب قوات اليونيفيل لو تمّ من دون الاتفاق على قوة دولية جديدة تحلّ مكانها، وتضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتتكامل في دورها مع متطلبات تنفيذ الإطار الثلاثي".

إذًا، لبنان الرسمي يخوض معركة شرسة في مواجهة الضغوط الإسرائيلية ومساعي تثبيت السيادة. وفيما يقود رئيس الحكومة حراكه الدبلوماسي المكثف من نيويورك، يُنتظر أن يقوم بزيارة ذات مغزى لواشنطن، حيث يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وكان سلام أبلغ أمس بوضوح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن لبنان يرفض أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو رسائل متبادلة، موجّهًا دعوة إلى طهران لفتح صفحة جديدة قائمة على مبدأ "من دولة إلى دولة"، واحترام السيادة، وترشيح سفير جديد لدى بيروت. وفي الموازاة، برز اليوم طرح إيراني مفاجئ كشف عنه وزير الخارجية عباس عراقجي، وهو مبادرة من سبعة أيام تنص على إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال القتالية، بما فيها جبهة لبنان، مقابل الإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة بقيمة تقارب 12 مليار دولار، ورفع العقوبات عن صادرات النفط وإنهاء الحصار، وصولًا إلى استئناف مفاوضات بشأن البرنامج النووي. وهذا الطرح يعيد إدراج لبنان داخل مساحة التفاوض الإقليمي نفسها التي يحاول سلام، في خطابه ولقاءاته، تأكيد أن القرار اللبناني يجب ألّا يكون جزءًا منها.

وأمّا في الجنوب، فعكست التسريبات الإسرائيلية اليوم حراكًا مثيرًا للقلق على مستقبل المنطقة داخل ما يسمّى "الخط الأصفر". فقد أعلن الجيش الإسرائيلي، وفق "القناة 12"، أنه سيقلّص حجم قواته بعد استكمال تدمير بنى تحتية ومجمّعات قال إنها تابعة لـ"حزب الله" في تلال علي الطاهر والمنصوري. لكن هذا التقليص لا يعني الانسحاب، بل الانتقال إلى انتشار جديد، مع إنشاء مواقع عسكرية إضافية على امتداد "الخط الأصفر"، بما تقول إسرائيل إنه يمنحها عمقًا دفاعيًا وحرية عمل في جنوب لبنان. وتؤكد هذه التحركات عدم وجود مؤشرات، وفق الرواية الإسرائيلية نفسها، إلى إخلاء هذه المواقع أو تسليمها إلى الجيش اللبناني، بل على العكس، إلى محاولة تثبيت وقائع أمنية قبل أيّ تسوية سياسية.

وأورد التقرير الإسرائيلي، نقلًا عن مصادر عسكرية لبنانية، أن "حزب الله" يواجه ما وصفته بـ"مشكلة استراتيجية" بعد انكشاف طرق وممرات جبلية وتدمير أنفاق كان يستخدمها للوصول إلى الخطوط الأمامية، وأنه أعاد نقل أسلحة ومخازن وبعض كوادره إلى مناطق أكثر تحصينًا في إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي. وهذه تبقى مزاعم منسوبة إلى المصادر التي استند إليها التقرير الإسرائيلي، من دون تأكيد مستقل لها. لكن توقيت نشرها يفتح بدوره سؤالًا حول استخدامها لتوفير غطاء سياسي وإعلامي لتحرّكات عسكرية إسرائيلية إضافية في الجنوب.

 

خطاب السيادة وامتحان التنفيذ

لا تكمن أهمية خطاب سلام في أنه أعاد إعلان مواقف سبق للحكومة أن تبنّتها، بل في جمعه للمرة الأولى، بهذه الصراحة، بين ثلاثة مسارات في معادلة واحدة: انسحاب إسرائيل، حصر السلاح بيد الدولة، ومنع تحويل لبنان إلى جزء من تسويات إقليمية تُدار من خارجه.

بهذا المعنى، لم يطرح سلام انسحاب إسرائيل في مقابل حصرية السلاح باعتبار أحدهما بديلًا من الآخر، بل ربطهما بمبدأ "التبادلية والمرحلية". وهذه النقطة هي جوهر المقاربة اللبنانية في المرحلة المقبلة: أن تُقابل الخطوات التي تنفّذها الدولة في الداخل بخطوات إسرائيلية متزامنة، وأن لا يتحوّل المطلوب من لبنان إلى مسار مفتوح من الالتزامات، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلًا إلى أجل غير محدّد.

لكن المشكلة أن الميدان يتحرّك أسرع من المسار الدبلوماسي. ففي الوقت الذي يطالب فيه لبنان بجدول زمني وآلية تحقق لتنفيذ "الإطار الثلاثي"، تعمل إسرائيل على إعادة توزيع قواتها وبناء شبكة مواقع جديدة جنوبًا. وهذا تحديدًا ما يجعل تسمية هذه التطورات "تقليصًا للقوات" مضلّلة إذا قُرئت بمعزل عن طبيعة الانتشار البديل. فالمعيار بالنسبة إلى لبنان ليس عدد الجنود الإسرائيليين، بل موقعهم، وطبيعة وجودهم، وقدرتهم على التحرك داخل الأراضي اللبنانية.

 

واشنطن: من إعلان المبادئ إلى الضمانات

من هنا، تصبح محطة واشنطن أكثر من استكمال للجولة الأميركية. فاللقاء مع ماركو روبيو سيكون مناسبة لوضع الموقف الأميركي أمام اختبار عملي: هل ستتعامل واشنطن مع التبادلية التي يطالب بها لبنان باعتبارها قاعدة فعلية للتنفيذ، أم ستبقى الأولوية الأميركية مركّزة على ما يجب أن تنجزه بيروت في ملف السلاح قبل الضغط على إسرائيل للانسحاب؟

وكانت رئاسة الحكومة قد أعلنت أن لقاء روبيو يتصدّر سلسلة اجتماعات سلام في واشنطن، بعد انتهاء مشاركته في الجمعية العامة. كما سبق لرئيس الحكومة أن شدّد أمام مسؤولين أميركيين على أن هدف المسار التفاوضي هو انسحاب إسرائيل، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وعليه، فإن المسألة بالنسبة إلى بيروت لم تعد الحصول على إعلان دعم إضافي للجيش أو للقرار 1701، بل تحويل المواقف الدولية إلى ضمانات تنفيذية. وهذا ما قصده سلام حين نقل النقاش من "النوايا" إلى "الالتزامات"، فنجاح الاتفاق بالنسبة إليه يتطلّب توقيتًا، وآلية تحقق، وخطوات متبادلة لا وعودًا مفتوحة.

 

إيران ولبنان: اختبار "دولة إلى دولة"

وفي المقابل، حمل لقاء بزشكيان رسالة لا تقلّ أهمية. فحين يقول سلام للرئيس الإيراني إن لبنان لا يريد أن يكون ساحة للصراعات أو لتبادل الرسائل، ثم يطالب بعلاقة "دولة إلى دولة"، فهو يعيد تعريف القناة التي تريد بيروت أن تُدار عبرها العلاقة مع طهران.

لكن الخطة الإيرانية الجديدة تبيّن صعوبة فصل الساحة اللبنانية عن التفاوض الإقليمي. فإدراج وقف الأعمال القتالية في لبنان ضمن حزمة تشمل مضيق هرمز والأصول المجمّدة والعقوبات النفطية والمفاوضات النووية يعني، عمليًا، أن لبنان ما زال حاضرًا ضمن الملفات المتداخلة في أيّ تفاوض أميركي، إيراني محتمل.

وهنا يظهر التناقض الذي يحاول سلام معالجته: الدولة تقول إن "لا أحد يفاوض عن لبنان"، فيما الواقع الإقليمي يجعل الجبهة اللبنانية تظهر في طروحات تفاوضية لا تصوغها بيروت ولا تشارك مباشرة في إعدادها.

 

الجنوب: صراع على ما قبل التسوية

يبقى الميدان، في النهاية، الاختبار الأكثر قسوة. فالإسرائيلي لا ينتظر اكتمال الهندسة السياسية لمرحلة ما بعد الحرب، بل يحاول تحسين شروطه قبلها. وما يجري خلف "الخط الأصفر" يعكس هذا الاتجاه: تدمير بنى، تغيير انتشار، إنشاء مواقع جديدة، والإبقاء على حرية العمل العسكري.

وهنا يصبح الفراغ المحتمل بعد "اليونيفيل" أكثر حساسية. فسلام لم يطالب فقط باستمرار حضور دولي رمزي، بل بقوة تؤمّن المراقبة والإبلاغ والتواصل وتتكامل مع تنفيذ "الإطار الثلاثي". وهذا يعني أن بيروت تتعامل مع مرحلة ما بعد "اليونيفيل" باعتبارها جزءًا من التسوية الأمنية، لا مجرد تبديل لاسم القوة الدولية.

ويتقاطع ذلك مع موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي شدّد اليوم على أن إسرائيل ليست استثناءً من قواعد القانون الدولي الإنساني، فيما أعاد التأكيد، في موقف آخر، أن ثقة اللبنانيين بالمؤسسة العسكرية تمثّل عنصرًا أساسيًا في قدرة الدولة على أداء دورها.

وهكذا، يدخل لبنان مرحلة تُختبر فيها ثلاثة خطوط دفعة واحدة: قدرة الدولة على انتزاع انسحاب إسرائيلي حقيقي، قدرتها على تثبيت حصرية القرار في الداخل، وقدرتها على منع إدراجها مجددًا ضمن صفقات إقليمية أكبر منها. وبين نيويورك وواشنطن وطهران و"الخط الأصفر"، لا تبدو المشكلة في نقص المبادرات أو المواقف، بل في قدرة الدولة على تحويلها إلى وقائع قبل أن تسبقها الوقائع التي يرسمها الآخرون على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث