سلام يلتقي بن فرحان بنيويورك.. والتصعيد مستمر جنوبًا

المدن - سياسةالجمعة 2026/09/25
Image-1790362296.Jpeg
تفجير اسرائيلي في زوطر الشرقية(وسائل تواصل)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ختام يوم لبناني حافل في نيويورك، التقى رئيس الحكومة نواف سلام وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في محطة جديدة ضمن الحراك الدبلوماسي الذي تقوده بيروت على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما كان التصعيد الإسرائيلي يتواصل في جنوب لبنان من دون انقطاع. ويأتي اللقاء السعودي بعد سلسلة اجتماعات عقدها سلام مع مسؤولين إقليميين ودوليين، وبعد كلمة رفع فيها سقف الموقف اللبناني بشأن حصرية السلاح، وانسحاب إسرائيل، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات أو ورقة تفاوض في أيدي الآخرين.

Image-1790369715.Jpeg

ولم تُعلن، حتى الساعة، تفاصيل موسّعة عن مضمون لقاء سلام وبن فرحان، إلا أن توقيته يضعه في قلب المساعي اللبنانية لحشد دعم عربي ودولي قبل انتقال رئيس الحكومة إلى واشنطن ولقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. فبيروت تحاول تثبيت معادلة تقوم على مسارين متوازيين: انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها من جهة، وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بمؤسساتها من جهة ثانية.

وفيما كانت اللقاءات الدبلوماسية تتوالى في نيويورك، كان الجنوب يشهد جولة واسعة من القصف الإسرائيلي. وسُجّل قصف مدفعي على حداثا وحرش عيتا الجبل ووادي السلوقي وزوطر الشرقية والمنصوري ووادي زبقين، إلى جانب غارة على القنطرة، وتفجيرين نفّذهما الجيش الإسرائيلي في صربين والمنصوري، فضلًا عن عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة وتحركات للآليات الإسرائيلية في أكثر من محور. كما سُجّل قصف بقذائف فوسفورية على زوطر الشرقية، في مشهد يعكس اتساع الضغط الميداني بالتوازي مع الحركة السياسية.

 

إسرائيل تعلن "مرحلة جديدة"

ولا يبدو التصعيد الميداني منفصلًا عن الترتيبات التي بدأت إسرائيل بالكشف عنها لمرحلة جديدة من عملياتها في جنوب لبنان.

فبحسب تقرير نقلته "القناة 12" الإسرائيلية، يستعد الجيش الإسرائيلي لإعادة تنظيم انتشاره على طول ما يسمّيه "الخط الأصفر"، بعد إعلانه استكمال تدمير بنى تحتية قال إنها تابعة لـ"حزب الله" في تلال علي الطاهر ومنطقة المنصوري.

ووفق الرواية الإسرائيلية، أنهى الجيش عملية تمشيط واسعة في مرتفعات علي الطاهر وتدمير مجمّع تحت الأرض، كما اختتم عملية على مستوى لواء في منطقة المنصوري، قال إنها انتهت بتدمير مجمّع آخر تابع للحزب. ويعتبر الجيش الإسرائيلي، بحسب التقرير، أن المرحلة المتعلقة بتدمير بنى الحزب داخل نطاق "الخط الأصفر" قد استُكملت.

لكن تقليص عدد القوات الذي تتحدث عنه إسرائيل لا يعني انسحابًا من الأراضي التي تتحرك فيها. فالتقرير نفسه يشير إلى إعادة توزيع القوات وإنشاء خط جديد من المواقع العسكرية، مع نشر وسائل وقوات إضافية، بما تقول إسرائيل إنه يوفّر "عمقًا دفاعيًا" وحريّة أكبر للتحرك في جنوب لبنان ومواصلة العمليات العسكرية.

وهذه النقطة تحديدًا تثير القلق اللبناني. فما يُعرض إسرائيليًا باعتباره إعادة تنظيم للقوات يمكن أن يتحوّل عمليًا إلى تثبيت شبكة مواقع جديدة، بما يخلق وقائع ميدانية تسبق أي اتفاق سياسي وتدخل لاحقًا في صلب التفاوض حول الانسحاب والترتيبات الأمنية.

 

ماذا وراء التسريبات الإسرائيلية؟

وفي السياق نفسه، أورد التقرير الإسرائيلي معلومات منسوبة إلى مصادر عسكرية لبنانية، تحدّثت عن إعادة "حزب الله" نقل صواريخ دقيقة ومنظومات دفاع وأسلحة وذخائر إلى مواقع تقع غرب "الخط الأصفر"، وعن نقل مخازن وبعض الكوادر إلى مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي.

كما زعمت المصادر أن الحزب يواجه "مشكلة استراتيجية" بعد انكشاف ممراته الجبلية وتدمير عدد من الأنفاق والمواقع التي كان يستخدمها للوصول إلى خطوط المواجهة، ما جعل تنفيذ عمليات في بعض المناطق أكثر تعقيدًا. وتبقى هذه المعلومات مزاعم منسوبة إلى المصادر التي استند إليها التقرير الإسرائيلي، من دون تأكيد مستقل لها.

غير أن توقيت ضخ هذه المعطيات لا يقلّ أهمية عن مضمونها. فهي تتزامن مع حديث إسرائيلي عن "مرحلة جديدة" في الجنوب، ما يطرح سؤالًا حول إمكان توظيفها لتبرير استمرار العمليات أو توسيع نطاقها، خصوصًا في المناطق التي تقول إسرائيل إن الحزب نقل إليها قدراته بعد الضربات التي تلقّاها في الخطوط الأمامية.

 

نتنياهو يعيد "البيجر" إلى المنبر الأممي

وتزامن الإعلان عن التحول العسكري في الجنوب مع خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي أعاد خلاله استحضار عملية تفجير أجهزة "البيجر" في لبنان.

ورفع نتنياهو جهازًا مشابهًا لتلك الأجهزة من على المنبر الأممي، في رسالة مباشرة إلى "حزب الله"، مستعيدًا العملية التي استهدفت أجهزة اتصال في أيلول 2024، ومستخدمًا إياها لإبراز ما تعتبره إسرائيل واحدًا من نجاحاتها الأمنية ضد الحزب.

وجاء الخطاب وسط احتجاج دبلوماسي واضح، إذ غادر عشرات المندوبين القاعة مع بدء كلمة نتنياهو، وفق "رويترز"، في مشهد عكس حجم الاعتراض الدولي على السياسات الإسرائيلية، فيما دافع رئيس الحكومة الإسرائيلية عن العمليات التي تنفّذها بلاده في المنطقة.

ولا ينفصل استحضار عملية "البيجر" عن الخطاب العسكري تجاه لبنان. فتل أبيب تريد تقديم ما يجري في الجنوب باعتباره استمرارًا لمسار بدأ باستهداف قيادة الحزب وشبكاته وقدراته، وانتقل اليوم إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الحدود وفي العمق اللبناني.

 

سلام إلى طهران: "دولة إلى دولة"

وفي مقابل هذا الضغط الإسرائيلي، حاول سلام في نيويورك تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية في علاقاتها الإقليمية، وكانت أكثر رسائله وضوحًا خلال اجتماعه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

فاللقاء، الذي عُقد بحضور وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي ونظيره الإيراني عباس عراقجي، لم يقتصر على المجاملات الدبلوماسية. وأبلغ سلام بزشكيان أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره واقتصاده جراء الأزمات والصراعات، وأنه "لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل".

ودعا سلام إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين بيروت وطهران، تقوم على مبدأ "من دولة إلى دولة"، واحترام سيادة البلدين واستقلالهما وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب تطوير المصالح المشتركة.

كما دعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها لدى لبنان، في خطوة تحمل دلالة إضافية على رغبة بيروت في إعادة وضع العلاقة ضمن قنواتها الرسمية والدبلوماسية.

وفي الملف الداخلي، وضع سلام أمام بزشكيان أولويتين متوازيتين: انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، والمضي في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها.

 

"لا أحد يفاوض عن لبنان"

ولم تبقَ الرسالة محصورة في الاجتماع الإيراني. ففي لقائه مع رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، كرّر سلام أن لبنان لا يريد أن يتحوّل إلى ساحة للصراعات الإقليمية أو لتبادل الرسائل، وشدّد على أن الدولة اللبنانية وحدها تتحدث وتتفاوض باسم البلاد.

ورحّب بالمساعي الباكستانية لخفض التصعيد في المنطقة، معتبرًا أن أي تهدئة إقليمية يجب أن تنعكس على لبنان، مع مواصلة الضغط من أجل انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها ودعم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وفي المقابل، أكد شريف أن خفض التصعيد في لبنان يشكّل أولوية لباكستان، وأن بلاده حرصت على إدراج لبنان ضمن مساعيها الإقليمية للتهدئة، مجددًا دعم سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه وجهود الحكومة لبسط سلطتها وفق الدستور.

وهكذا تتكرّر العبارة نفسها في أكثر من محطة من جولة سلام: لا تفاوض عن لبنان من خارجه، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.

 

من الأمم المتحدة إلى الرياض وواشنطن

وجاء لقاء سلام مع بن فرحان بعد ساعات من كلمة رئيس الحكومة أمام الجمعية العامة، التي قدّم فيها صيغة متكاملة للموقف اللبناني.

فقد حدّد ثلاثة تحدّيات أمام الدولة: استعادة ثقة اللبنانيين بعد الانهيار المالي وانفجار المرفأ، واستعادة القرار الوطني بحيث لا سلطة فوق سلطة الدولة ولا سلاح أو قرار حرب وسلم خارج مؤسساتها، واستعادة كامل الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط السيادة عليها وفق اتفاق الطائف والقرار 1701.

وشدّد على أن السيادة "لا تتجزّأ"، أي إن انسحاب إسرائيل لا ينفصل عن بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. كما ربط "الإطار الثلاثي" الذي تم التوصل إليه في المفاوضات بقاعدتَي التبادلية والمرحلية، داعيًا إلى تحويله إلى إجراءات عملية ضمن جدول زمني وآلية تحقق واضحة.

وفي ملف "اليونيفيل"، حذّر سلام من حصول فراغ بعد انتهاء مهمة القوة الدولية، داعيًا إلى الاتفاق على قوة دولية جديدة تحافظ على مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، وتتكامل مع تنفيذ الترتيبات الأمنية المقبلة.

وهذه العناوين نفسها يُنتظر أن ترافقه إلى واشنطن، حيث ستكون محادثاته مع روبيو محطة حاسمة لاستطلاع حدود الموقف الأميركي من مستقبل المفاوضات، والانسحاب الإسرائيلي، والترتيبات الدولية في الجنوب.

 

الميدان يسبق السياسة؟

يبقى أن الحراك من نيويورك، سواء مع السعودية أو إيران أو باكستان، يتحرك تحت ضغط سباق واضح مع الوقائع على الأرض.

فلبنان يحاول بناء شبكة دعم سياسية لمعادلة تقوم على استعادة الدولة كامل قرارها وسيادتها، بينما تعلن إسرائيل، في الوقت نفسه، إعادة تنظيم انتشارها وإنشاء مواقع جديدة والإبقاء على حرية الحركة العسكرية في الجنوب.

وبالتالي، لا تتعلّق المشكلة فقط باستمرار الغارات والقصف، بل بما إذا كانت هذه المرحلة ستنتج واقعًا أمنيًا جديدًا يصبح لاحقًا جزءًا من شروط أي تسوية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث