لم يمرّ حضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي إلى جانب رئيس الحكومة نواف سلام في جولته الأميركيّة كصورةٍ شكليّة. فبعد أسابيع من السّجال السّياسيّ حول موقع وزارة الخارجيّة في صناعة السّياسة الخارجيّة، واتهامات بتقليص دور الوزير وإبعاده عن بعض الزيارات والملفات الحسّاسة، أعادت مشاهد نيويورك رجّي إلى واجهة معظم لقاءات سلام الدبلوماسيّة، فاتحةً الباب أمام سؤال يتجاوز شكل الوفد اللّبنانيّ: هل عادت الأمور إلى نصابها المؤسّسي، أم أن ما يحصل محاولة لامتصاص خلاف أخذ يتوسّع داخل الحكومة وحولها؟
ووفق مصدر وزاري لـِ "المدن"، فإن مواكبة رجّي لسلام "فعل بروتوكولي طبيعي جدًا"، ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل، إذ إن طبيعة الجولة، ولا سيّما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة واللقاءات الثنائيّة ذات الطابع الدبلوماسيّ، تجعل وجود وزير الخارجيّة أمرًا بديهيًا، بل "في أضعف الإيمان"، على حدّ تعبير المصدر.
والوقائع الرسميّة تدعم هذه القراءة. فقد شارك رجّي مع سلام في افتتاح أعمال الجمعية العامة، وحضر إلى جانبه سلسلة اجتماعات، بينها اللقاء مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والرئيس السوري أحمد الشرع، في ملفات تتراوح بين الجنوب و"اليونيفيل" والعلاقات العربيّة والسّوريّة.
من السجال إلى الصورة المشتركة
لكنّ مصادر أخرى تحدّثت إلى "المدن" تقرأ المشهد بصورة مختلفة. فبحسب هذه المصادر، لا يمكن فصل الحضور المكثّف لرجّي عن التوتّر الذي سبق الجولة، ولا عن الاعتراضات الّتي أطلقها رئيس حزب "القوات اللّبنانيّة" سمير جعجع على ما اعتبره تهميشًا لوزير الخارجيّة وتقليصًا لدور وزارته. وكان جعجع قد سأل علنًا، في السّادس من أيلول، كيف يمكن الحديث عن "دولة مؤسّسات" فيما لا يرافق وزير الخارجيّة رئيس الجمهوريّة أو رئيس الحكومة في عدد من الزيارات الخارجيّة، معتبرًا أن الوزير المعني أصلًا بالعلاقات الخارجيّة لا يجوز إبعاده عن هذا النوع من المحطات.
وردّ سلام يومها مباشرة، مؤكدًا أن مجلس الوزراء هو الذي يضع السّياسة الخارجيّة للدولة، وأن الوزير يتولّى تطبيقها ضمن صلاحيات وزارته، نافيًا وجود أيّ انتقاص من دور رجّي أو استبعاد له، ومشدّدًا على وجود "تنسيق وتعاون دائمين" بينهما. كما أوضح أن تشكيل الوفود الرسمية يتقرّر وفق طبيعة كل زيارة وجدول أعمالها.
إلّا أن هذا الردّ لم يُنهِ السجال. فالمسألة عادت إلى التداول سياسيًا وإعلاميًا، كما برزت خلال النقاشات النيابية الأخيرة أسئلة حول موقع وزارة الخارجية في الملفات التفاوضية والدبلوماسية، ما جعل القضية تتجاوز الحساسية الشخصية بين رئيس حكومة ووزير إلى نقاش أوسع حول آلية إدارة السياسة الخارجية.
سلام يلمّ حكومته؟
من هنا، تذهب مصادر "المدن" إلى أن سلام ربما اختار في جولته الحالية تفادي فتح جبهة داخلية إضافية في لحظة سياسية لا تسمح بالكثير من الترف.
فالحكومة تواجه أصلًا ملفات شديدة التعقيد، من المفاوضات مع إسرائيل ومستقبل "اليونيفيل"، إلى العلاقة مع سوريا وإيران، والإصلاحات المالية والأزمة الاجتماعية. وإلى ذلك، تتعرّض لضغوط من قوى مشاركة فيها أو داعمة لها، بعضها أظهر في جلسة المناقشة النيابية الأخيرة استعدادًا لرفع سقف الانتقاد من دون الذهاب إلى إسقاط الحكومة.
وبهذه القراءة، يصبح إظهار رجّي في موقعه الطبيعي إلى جانب رئيس الحكومة وسيلة لتخفيف التوتّر مع "القوات اللبنانية"، لا انقلابًا في توزيع الصلاحيات. أي إن سلام لا يتنازل عن موقفه الدستوري بأن السياسة الخارجية يرسمها مجلس الوزراء، لكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى معركة جانبية حول من يجلس في الصورة ومن يغيب عنها.
مع ذلك، سيكون من المتسرّع اعتبار الجولة إعلان مصالحة كاملة. فمصادر صحافية كانت قد أشارت قبل انطلاق زيارة نيويورك إلى أن الاعتراض داخل "القوات" لم يكن مقتصرًا على مشاركة رجّي الشكلية، بل شمل مستوى اطلاعه على جدول لقاءات رئيس الحكومة ومشاركته في صناعة القرار المرتبط بها.
لذلكَ، قد يكون وجود رجّي اليوم بروتوكوليًا في الشكل، لكنه ليس خاليًا من الدلالة السّياسيّة. فبعدما تحوّل تغييب الوزير إلى مادّة للسجال العلني، صار حضوره نفسه رسالة، سواء قصد سلام إرسالها أم لا. وفي حكومة تقوم على توازنات دقيقة، تصبح التفاصيل البروتوكولية أحيانًا جزءًا من إدارة السياسة نفسها. وما يبدو من الخارج ترتيبًا طبيعيًا لوفد رسمي، يمكن أن يكون في الداخل محاولة لإعادة ضبط الإيقاع، وتهدئة حليف معترض، ومنع خلاف على وزارة الخارجية من التحوّل إلى أزمة أوسع داخل حكومة لديها، ببساطة، ما يكفي من الأزمات أصلًا.




