موجة غارات وقصف جنوباً.. وانتظار لكلمة لبنان في نيويورك

المدن - سياسةالخميس 2026/09/24
Image-1790254082.Jpeg
مشهد من بلدة الناقورة المحتلة والتي لا تزال عرضة للعدوان الإسرائيلي المتواصل. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

بين الحراك السياسي اللبناني في نيويورك والتصعيد المتواصل في الجنوب، برزت خلال الساعات الأخيرة صورة مزدوجة للمشهد اللبناني، تجمع بين محاولات تثبيت موقف رسمي يقوم على حصرية تمثيل الدولة ورفض تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات الإقليمية، وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والمناطق الجنوبية.

وفي نيويورك، شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقاءاته مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف على أن الدولة اللبنانية وحدها تتحدث وتفاوض باسم لبنان، وعلى ضرورة احترام سيادته وعدم التدخل في شؤونه، بالتوازي مع المطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل ووقف اعتداءاتها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وفي المقابل، لوّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجهاز "البيجر" خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً إن إسرائيل "ضربت حزب الله اللبناني بشدة".

ميدانياً، تواصل التصعيد الإسرائيلي على أكثر من محور جنوبي، من غارة مسيّرة استهدفت أطراف كفرشوبا، إلى قصف مدفعي طال منطقة العريش - حداثا والجلاحية في الخيام وزوطر الشرقية، فيما شهدت المنصوري قصفاً من دبابة ميركافا وعمليتَي تفجير نفذتهما القوات الإسرائيلية داخل البلدة.

وفي هذا السياق، شكّلت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة لكيل زعماء العالم التهم بحقّ إسرائيل وإدانة عدوانها المستمر على غزة وجنوب لبنان. وإلى رؤساء دول وزعماء عرب، انضمّت بريطانيا وفرنسا والبرازيل والأمم المتحدة إلى الانتقادات، واتُّهمت إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" و"تطهير عرقي" وفرض "فصل عنصري"، إلى أوصاف مثل "قاتلة" و"شاذّة" و"عنصرية"، بسبب ممارساتها في فلسطين واعتداءاتها على سوريا ولبنان.

وفي الوقت الذي كانت تُدان فيه إسرائيل من على أعلى منبر أممي، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي العدوان في جنوب لبنان عبر تفجيرات وغارات وقصف، بعضه جرى بـ"قذائف فوسفورية محرّمة دوليًا"، ما أسفر عن أضرار مادية لحقت بمدرسة وعدّة منازل، وانقطاع الكهرباء في قضائي حاصبيا ومرجعيون.

وفي نيويورك، تواصل الحراك الدبلوماسي، حيث لم تسفر الاتصالات عن أيّ اتجاهات حاسمة بخصوص القوة البديلة لـ"اليونيفيل" في جنوب لبنان، فيما لا يبدو أن الجانب الأميركي اقتنع بأيّ اقتراح يكفل ملء فراغ "اليونيفيل" أو يمدّد لها.

وتستمر اجتماعات نيويورك وواشنطن محورًا للاهتمام اللبناني، وسط ترقّب للقاء الذي سيجمع رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 28 أيلول الحالي في واشنطن، والذي يُفترض أن يحدّد مستقبل المفاوضات و"اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل، خصوصًا أن روبيو يُعتبر العرّاب التنفيذي الأميركي المباشر لملف المفاوضات.

 

كلمة سلام في الأمم المتحدة

ويلقي سلام يوم غد كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن يضمّنها مطالبة لبنان بتمكينه من الحفاظ على وجود قوة دولية في الجنوب، مع عرض استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم الالتزام بالقرار 1701، والتأكيد في المقابل على تمسّك الدولة ببسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية.

وتأتي الكلمة في لحظة يحاول فيها لبنان تثبيت معادلة دبلوماسية واضحة: لا فراغ دوليًا في الجنوب، ولا تراجع عن مسار تعزيز سلطة الدولة والجيش، في مقابل مطالبة المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته في الضغط على إسرائيل للالتزام بالتفاهمات والقرارات الدولية.

وكان سلام قد التقى، على هامش اجتماعات نيويورك، الرئيس السوري أحمد الشرع، في محطة تُضاف إلى سلسلة لقاءاته السياسية والدبلوماسية، بالتوازي مع تركيزه على ملف إعادة الإعمار والتعافي في الجنوب.

Image-1790232337.Jpeg

وشدّد سلام على أن "ما نحتاج إليه اليوم هو أن يقف شركاؤنا إلى جانب الدولة اللبنانية، وأن ننتقل معًا من الاستجابة للحاجات الطارئة إلى دعم العودة والتعافي وإعادة الإعمار، بما يمكّن أهل الجنوب من العودة والبقاء واستعادة حياتهم، ويعزّز حضور الدولة ومؤسّساتها في المناطق المتضرّرة".

وأضاف: "إننا بحاجة إلى أدوات تمويل أكثر مرونة، تصل في الوقت المناسب، وتساعد على تثبيت عودة الأهالي، واستعادة الخدمات وسبل العيش، ودعم المؤسّسات التي ستتحمّل مسؤولية قيادة التعافي وإعادة الإعمار".

 

وجاء كلام سلام خلال ترؤسه، إلى جانب المفوّضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا، ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو، اجتماعًا رفيع المستوى بعنوان "ما بعد الأزمات"، عُقد في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة مشتركة من لبنان والاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتركّز الاجتماع، الذي شهد إطلاق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العالمي "Moving Beyond Crisis"، على تطوير مقاربة دولية أكثر فاعلية في التعامل مع الأزمات الممتدّة، انطلاقًا من تجربة لبنان في مواجهة الحرب في الجنوب.

كما تناول البحث سبل تعزيز دور الدولة ومؤسّساتها في قيادة الاستجابة والتعافي، وتوجيه الدعم الدولي بما يعزّز قدراتها بدلًا من إنشاء منظومات موازية لها، إضافة إلى توفير أدوات تمويل أكثر مرونة تسمح بالانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار من دون انقطاع.

 

عون يحذّر من الفراغ

وفي هذا السياق، أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط، الأدميرال إدوارد ألغرين، أن لبنان "يرحّب بأيّ قوات بديلة لقوات اليونيفيل، إذا ما تعذّر التمديد لها، لمتابعة تنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة اللبنانية على الأراضي الجنوبية حتى الحدود المعترف بها دوليًا".

وحذّر عون من أن "عدم التمديد لليونيفيل وعدم تشكيل قوة دولية بديلة سوف يُحدث فراغًا لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصًا إذا ما استمر الاحتلال الإسرائيلي للقرى والبلدات الجنوبية كما هو الوضع الآن".

وأشار إلى أن إسرائيل تمتنع، بحسب الموقف اللبناني، عن تطبيق "اتفاق الإطار" الذي تمّ التوصّل إليه في المفاوضات اللبنانية، الأميركية، الإسرائيلية في واشنطن، ولا تلتزم وقف النار والامتناع عن تدمير المنازل وجرفها، أو معالجة النقاط المختلف عليها على "الخط الأزرق"، وإعادة الأسرى اللبنانيين.

وبحسب عون، فإن هذه الممارسات تُبقي التوتّر قائمًا في الجنوب، على الرغم من الجهود اللبنانية لوضع مندرجات الاتفاق موضع التنفيذ.

 

بين واشنطن والجنوب

وعلى هذه الخلفية، يكتسب لقاء سلام بروبيو في واشنطن أهمية استثنائية، إذ من المتوقّع أن يتجاوز البحث مستقبل "اليونيفيل" إلى مسار المفاوضات نفسه، وكيفية الانتقال بـ"اتفاق الإطار" من تفاهم سياسي إلى خطوات تنفيذية.

فالمشكلة اللبنانية لم تعد في غياب الاتفاقات وحده، بل في الفجوة بين توقيعها وتطبيقها. وفيما تقول الدولة اللبنانية إنها تعمل على تنفيذ التزاماتها وتعزيز حضور الجيش وبسط سلطتها، تعتبر أن إسرائيل لا تزال تتعامل مع الاتفاق بمنطق انتقائي، وتواصل عملياتها العسكرية من دون ترجمة موازية للالتزامات المطلوبة منها.

وهذا ما يجعل واشنطن المحطة الأكثر حساسية في الجولة المقبلة لسلام، باعتبار أن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل، وهي في الوقت نفسه راعية المسار التفاوضي.

 

هيكل: الجيش لن ينكسر

وفي سياق موازٍ، تفقّد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل فوج المغاوير في ثكنة غسان رمان في روميه، المتن، مطّلعًا على جاهزية الفوج.

وخلال لقائه الضباط والعسكريين، أكّد هيكل أن أبرز أسباب قوة الجيش في مواجهة التحدّيات الكبرى، وفي طليعتها استمرار الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي، تتمثّل في "تماسك العسكريين وصمودهم، وقوة انتمائهم إلى المؤسّسة، وولائهم لها".

وأشار إلى أن محاولات ضرب معنويات الجيش عبر الشائعات والافتراءات "محكومة بالفشل"، ولن تؤثّر في إرادة العسكريين.

وتكتسب مواقف قائد الجيش دلالة سياسية وأمنية مضاعفة في هذه المرحلة، إذ إنّ كلّ التصوّرات المطروحة لما بعد "اليونيفيل" تنطلق عمليًا من توسّع دور الجيش اللبناني ومسؤوليته في الجنوب. وبالتالي، يصبح دعم المؤسسة العسكرية وتأمين احتياجاتها جزءًا أساسيًا من أيّ صيغة تُطرح للمرحلة المقبلة.

وبين التصعيد الإسرائيلي المستمر، ومحاولات تثبيت وجود دولي جديد، واستعداد الجيش لتحمّل مسؤوليات أوسع، يدخل لبنان مرحلة تفاوضية دقيقة لن تُقاس نتائجها بحجم الدعم الكلامي الذي يحصل عليه في نيويورك، بل بقدرته على تحويله إلى ضمانات وترتيبات واضحة على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث