تبدو المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية عالقة عند تقاطع أكثر من استحقاق خارجي. فبعد إرجاء البحث فيها إلى ما بعد السابع والعشرين من تشرين الأول؛ أي موعد الانتخابات الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى ما ستفرزه الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وإلى مسار التفاهم المحتمل بين واشنطن وطهران. وفي هذه الأثناء، تتراجع فرص تحقيق خرق دبلوماسي قريب، فيما يزداد إلحاح سؤال آخر: من سيواكب الجيش اللبناني في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل؟ تقول مصادر دبلوماسية عربية لـِ "المدن" إن التفاهمات المطروحة مجمّدة في المرحلة الراهنة، بانتظار اتضاح نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية ومآل الاتفاق الأميركي–الإيراني. لكنها تستبعد، في الوقت نفسه، وجود توجّه نحو تصعيد إقليمي. وبهذا المعنى، لا يبدو الجمود مقدّمةً حتميةً لمواجهة جديدة، بقدر ما يعكس انتظار الأطراف المعنية تبدّل موازين التفاوض أو تثبيتها.
هذا الانتظار ينسحب أيضاً على مؤتمر دعم الجيش اللبناني. فبحسب مصادر عسكرية، قد يتأخر تحريك هذا المسار إلى ما بعد المواعيد الانتخابية نفسها، وهذا ما يجعل الملفات اللبنانية، من التفاوض إلى دعم المؤسسة العسكرية، مرتبطة إلى حد بعيد بالتوقيتين الأميركي والإسرائيلي.
مؤتمر دعم الجيش: الحاجة الملحّة والنتائج المؤجلة
تلفت مصادر عسكرية لـِ "المدن" إلى أنها لا تتوقع ظهور نتائج ملموسة لمؤتمر دعم الجيش في المدى القريب. وتربط ذلك بجمود المسار السياسي، وبالدور الأميركي المؤثر في أي قرار يتعلق بدعم الجيش أو بالملف اللبناني عموماً. فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى معدات وإمكانات إضافية لتنفيذ المهام المطلوبة منها، لكن تحويل الوعود إلى دعم فعلي يظل، وفق هذه القراءة، رهناً بقرار سياسي لم تنضج ظروفه بعد.
وتذهب مصادر دبلوماسية عربية إلى أن فرنسا سعت، من خلال المؤتمر وبمشاركة أردنية وفّرت له غطاءً عربياً، إلى تأكيد حضورها في الملف اللبناني. غير أن هذا الحضور، بحسب المصادر، لا يعني بالضرورة أن المؤتمر سيُنتج سريعاً التزامات عملية بحجم حاجات الجيش.
وتشير المعلومات إلى أن السفير الأميركي ميشال عيسى تابع تفاصيل الاجتماعات وما يجري في باريس وأوروبا، للاطلاع على الأهداف الأوروبية وتكوين صورة أوضح عن المسار المطروح. وفي المقابل، تتابع قيادة الجيش هذه الاتصالات عن كثب، وتحافظ على قنوات التواصل سعياً إلى تحصيل ما يمكن من دعم للمؤسسة. ويواكب الملف مدير التخطيط في الجيش اللبناني، العميد جورج الصقر، الذي يمتلك خبرة في إدارة ملفات الدعم واحتياجات الجيش.
وتكمن أهمية المؤتمر، بالنسبة إلى الجيش، في السؤال عما إذا كانت مداولاته ستُترجم إلى قدرات قابلة للاستخدام على الأرض. فالمهام المنتظرة من المؤسسة العسكرية في الجنوب لا تتعلق بالانتشار وحده؛ إذ تتطلب تجهيزات وموارد تتيح لها تثبيت حضورها ومواصلة عملها في ظروف أمنية وسياسية معقدة.
ما بعد اليونيفيل: من يملأ الفراغ، ومن يقبل به؟
إذا كان مؤتمر الدعم يبحث في قدرة الجيش، فإن النقاش حول مرحلة ما بعد اليونيفيل يتصل بالبيئة التي سيعمل فيها. وبحسب الأجواء الفرنسية، ثمة توجّه إلى البحث في إرسال قوات فرنسية وإيطالية للمساعدة في ملء الفراغ المحتمل في الجنوب، من دون الحلول محل الجيش اللبناني أو التدخل في مهامه. كما تبدي دول أخرى اهتماماً بالمشاركة في هذا المسار.
لكن شكل القوة المحتملة ودورها لم يُحسما بعد. فوفق مصادر في الإليزيه، لم يقدّم الجانب اللبناني حتى الآن تصوراً واضحاً لمرحلة ما بعد اليونيفيل. وتتجاوز المسألة، في نظر مصادر متابعة، رغبة لبنان في حضور دولي مساعد: إذ يبقى موقف إسرائيل من هوية القوة التي ستنتشر في الجنوب ودورها عاملاً حاسماً في أي ترتيب مقبل.
وتبرز هنا عقدتان ارتبطتا بالمفاوضات: الجهة التي ستتسلم المواقع أو الأراضي التي قد تنسحب منها إسرائيل مستقبلاً، والجهة التي ستعمل مع الجيش اللبناني ضمن آلية التحقق من الترتيبات المتفق عليها. وتنقل مصادر غربية أن الجانب الإسرائيلي لا يبدي ارتياحاً لوجود دولة أخرى في الجنوب ضمن هذا الدور، ما يزيد صعوبة الوصول إلى صيغة تحظى بقبول الأطراف المعنية.
في الميدان، تستمر التفجيرات وبعض الغارات الإسرائيلية، فيما يبدو الوضع العام محكوماً بالجمود السياسي نفسه. وتقول مصادر عسكرية إن توسيع دور الجيش في حصر السلاح بيد الدولة في الجنوب، وفي التفتيش والتحقق، يبقى معلّقاً إلى حد كبير بانتظار قرار سياسي واضح ووقف الغارات والتفجيرات الإسرائيلية. وهكذا، يرتبط البحث في القوة التي قد تواكب الجيش بسؤال أوسع عن الشروط التي تتيح له أداء المهام المطلوبة منه.
في المقابل، تقول مصادر في حزب الله إنها غير قلقة من التطورات الحالية ما دامت إيران صامدة، وتتحدث عن تحركات تجري بعيداً من العلن. غير أن هذه القراءة لا تبدّد الغموض المحيط بالمرحلة المقبلة، ولا تقدّم جواباً واضحاً عن شكل الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب.
اتفاق الإطار بين الجمود وإمكان العودة إليه
تؤكد مصادر دبلوماسية غربية أن المفاوضات معلّقة إلى ما بعد الانتخابات. أما اتفاق الإطار فتتباين القراءات بشأن مستقبله: هناك من يرى أنه فقد زخمه قبل أن يتحول إلى نتائج ملموسة، فيما يُرجّح آخرون أن يعود الجانب الأميركي إليه بوصفه مرجعية أو نقطة انطلاق في المرحلة المقبلة من التفاوض، وربما يسعى إلى حمل الجانب الإسرائيلي على التعامل معه على هذا الأساس. وفكرة المناطق النموذجية لن تغيب عن المشهد على رغم معارضة رئيس مجلس النواب نبيه بري لهذه الفكرة. غير أن الجانبين الاميركي والاسرائيلي يتعاملون مع لبنان وفقا لمبدأ "الخطوة مقابل الخطوة" باعتبار أن لا ثقة بصيغة "الشمول" التي غالبا ما تعتمدها الجهة اللبنانية لكسب الوقت أو إيجاد مخارج ترضي كلّ الأطراف.
بالنسبة إلى السلطة اللبنانية، يبقى التمسك بأي إطار تفاوضي قائماً ما دام يمكن أن يفتح باب التقدم، ولو بخطوة محدودة. فغياب مرجعية مشتركة قد يعيد النقاش في كل جولة إلى بدايته، بينما يتيح الحفاظ على ما سبق بحثه البناء عليه إذا تبدّلت الظروف السياسية.
غير أن الخلاف لا يقتصر على شكل المفاوضات. إذ ترى مصادر سياسية رفيعة أن رئيس الجمهورية يعتبر عدم تعاون حزب الله معه عائقاً أمام أي مسار تفاوضي. وتقول المصادر إن الجانبين الأميركي والإسرائيلي يربطان إحراز تقدم بملف سلاح الحزب، ولا سيما في الجنوب، ويعتبران أن خطوات في هذا الاتجاه قد تعزز الثقة بالدولة اللبنانية وقدرتها على تنفيذ أي تفاهم.
في المقابل، لا يبدي حزب الله، وفق المعطيات المتداولة، استعداداً لتقديم خطوة في هذا الملف قبل اتضاح ما سيجري في إيران وانعكاساته على لبنان والمنطقة. بذلك، ينتظر كل طرف تطوراً قد يحسّن موقعه قبل الانتقال إلى قرار أكثر حسماً، فيما تبقى الملفات اللبنانية مترابطة: مستقبل المفاوضات، ودعم الجيش، وترتيبات ما بعد اليونيفيل، وحصر السلاح بيد الدولة.
حتى ذلك الحين، لا يحمل تأجيل المفاوضات جواباً عن السؤال الأكثر إلحاحاً في الجنوب. فالانتخابات قد تحدد توقيت استئناف الاتصالات، لكن نجاح أي مسار لاحق سيتوقف على قدرة الأطراف على الاتفاق بشأن من ينتشر على الأرض، ومن يتحقق من تنفيذ التفاهمات، وما يحتاجه الجيش اللبناني ليؤدي دوره فعلياً.




