تتزايد في لبنان المخاوف من دخول البلاد مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والاجتماعي، لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية وحدها، بل تتحول الأزمات الاقتصادية والمعيشية إلى أدوات في صراع النفوذ. وفي هذا السياق، تتداول أوساط سياسية وإعلامية سيناريو يفترض سعي حزب الله وحلفائه إلى توظيف الغضب الشعبي للضغط على الحكومة، وإرباك السلطة التنفيذية، وتعطيل مسار استعادة الدولة قرارها السياسي والأمني. غير أن التعامل الجدي مع هذا السيناريو يقتضي التمييز بين المعلومات المثبتة والتقديرات السياسية؛ إذ لا تكفي الاتهامات العامة لإثبات وجود خطة مركزية، بل يجب الاستناد إلى مؤشرات واضحة تتعلق بالتمويل والتنظيم والخطاب والأهداف المعلنة للتحركات.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الظروف الموضوعية في لبنان أصبحت ملائمة لاستغلال الشارع. فالمواطن الذي فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية، وعانى انهيار الخدمات وضياع الودائع وتراجع الضمانات الاجتماعية، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحريض كي يعبّر عن غضبه. وتكمن الخطورة في أن تنتقل الاحتجاجات من كونها حقاً ديمقراطياً مشروعاً إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى، أو لفرض إرادة سياسية على الحكومة خارج المؤسسات الدستورية.
من الأزمة الاقتصادية إلى الأداة السياسية
لا تبدأ محاولة توظيف الاحتقان الشعبي من اختراع معاناة غير موجودة؛ فالمعاناة حقيقية، وأسبابها أعمق من قدرة أي خطاب دعائي على صناعتها. لقد تراكم الانهيار اللبناني منذ سنوات نتيجة نموذج مالي غير قابل للاستمرار، وسياسات نقدية مضطربة، وفساد بنيوي، وهدر عام، ونظام محاصصة عطّل المحاسبة، وامتناع القوى النافذة عن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. كما أدت الصراعات الإقليمية والحروب المتكررة والعزلة الخارجية إلى زيادة الأعباء وتعقيد فرص التعافي.
ورغم توقع البنك الدولي تراجع التضخم إلى مستويات أدنى خلال عام 2026، فإن ذلك لا يعني استعادة المواطنين خسائرهم أو عودة الاقتصاد إلى وضع طبيعي. فانخفاض معدل ارتفاع الأسعار يختلف عن انخفاض الأسعار نفسها، والاستقرار النقدي النسبي لا يعيد الودائع المحتجزة، ولا يعالج الفقر والبطالة وتراجع التعليم والاستشفاء. لذلك يبقى المجتمع اللبناني قابلاً للاشتعال عند كل زيادة في الضرائب أو المحروقات أو الرسوم، وعند كل عجز في دفع رواتب القطاع العام أو تمويل الخدمات الأساسية.
تقوم منهجية الاستثمار السياسي في الأزمة على التقاط هذا الوجع الحقيقي، ثم إعادة تصنيفه بحيث تصبح الحكومة الحالية مسؤولة وحدها عن انهيار تراكم على مدى عقود. يجري اختزال الأزمة في إجراءات آنية، وفصلها عن الاقتصاد الموازي والتهريب والفساد والمحاصصة وتعطيل القضاء والقرارات العسكرية التي اتُّخذت خارج سلطة الدولة. وهكذا تتحول المطالب المعيشية المحقة إلى غطاء لصراع سياسي، لا يكون هدفه تحسين حياة المواطنين، بقدر ما يكون هدفه إنهاك الحكومة وإضعاف قدرتها على اتخاذ القرار.
وقد تشمل هذه المنهجية الدفع نحو إضرابات متزامنة، وتشجيع التحركات النقابية، وإغلاق الطرق والمرافق العامة، ومحاصرة المؤسسات الرسمية، مع الحرص على إبقاء الجهة السياسية المنظمة في الخلفية. فالتحرك يكون أكثر تأثيراً حين يبدو عفوياً وعابراً للطوائف، وحين يشارك فيه موظفون ومتقاعدون وأساتذة وسائقون ومودعون لا ينتمون بالضرورة إلى البيئة الحزبية التي تستثمر حركتهم.
الشرعية المعيشية والأهداف السياسية
تكمن فعالية هذا النوع من التحركات في صعوبة الاعتراض على شعاراته. فمن يستطيع رفض المطالبة برواتب عادلة، أو استعادة الودائع، أو تحسين الكهرباء والاستشفاء والتعليم؟ غير أن عدالة الشعار لا تثبت بالضرورة نزاهة الجهة التي توظفه، كما أن مشاركة مواطنين صادقين في احتجاج ما لا تعني أن جميع أهداف القوى المحركة له معلنة أمامهم.
لذلك، يجب تقييم أي تحرك من خلال مساره ووسائله ونتائجه. هل يطالب بإصلاح المؤسسات أم بإسقاطها؟ هل يقدم برنامجاً مالياً قابلاً للتطبيق، أم يكتفي بتعميم الغضب؟ هل يحمي المرافق العامة، أم يسعى إلى شلها؟ هل يحمّل المسؤولية لجميع الأطراف التي شاركت في إدارة الانهيار، أم ينتقي خصماً واحداً؟ وهل يحترم حرية المواطنين في المشاركة والامتناع، أم يستخدم الضغط الاجتماعي والترهيب وقطع الطرق لفرض حضور جماهيري؟
ويصبح الشك مشروعاً عندما تترافق التحركات مع خطاب يرفض الإصلاحات التي تفرض الشفافية والمحاسبة، أو مع محاولة لمنع إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحديد المسؤوليات عن الفجوة المالية. وقد أقر لبنان تعديلات على قانون السرية المصرفية وقانوناً لإعادة هيكلة المصارف، لكن مسألة توزيع الخسائر وحماية حقوق المودعين بقيت من أعقد الملفات وأكثرها قابلية للتسييس.
بين الاحتجاج المشروع والتجييش الموجّه
لا يجوز، في المقابل، استخدام الخوف من التوظيف الحزبي ذريعة لقمع الاعتراضات الشعبية أو تخوين المحتجين. فالحق في التظاهر والإضراب والتعبير مكوّن أساسي في أي نظام ديمقراطي، والدولة التي تطلب من مواطنيها الصبر مطالبة بإظهار الجدية والعدالة والشفافية. كما أن الدفاع عن المؤسسات لا يعني حماية المسؤولين من المساءلة؛ فالمؤسسة التي تفقد ثقة الناس بسبب فسادها وعجزها تصبح أكثر قابلية للاختراق والاستغلال.
وقد أظهرت تحركات سابقة أن علاقة حزب الله وحركة أمل بالشارع ليست أحادية الاتجاه دائماً. ففي أبريل/ نيسان 2026 دعَا أنصارهما إلى وقف مظاهرات بعد أيام من الاحتجاجات وسط تحذيرات من الجيش، وهو ما يفرض الحذر من تحويل أي توقع سياسي إلى حقيقة ثابتة قبل توفر الأدلة.
معيار التمييز الحقيقي ليس هوية المحتجين وحدها، بل طبيعة الفعل السياسي. الحراك الإصلاحي يضغط على الحكومة كي تعمل، بينما يسعى الحراك الانقلابي إلى جعل عملها مستحيلاً. الأول يطالب بقضاء مستقل وموازنة شفافة وإدارة كفوءة واستعادة الأموال المنهوبة؛ أما الثاني فيدفع نحو الفراغ، ثم يستخدم الفراغ دليلاً على فشل الدولة وضرورة العودة إلى سلطات الأمر الواقع.
خنق الحكومة أم خنق الوطن؟
قد يعتقد منظمو التصعيد أن محاصرة الحكومة ستدفعها إلى التراجع عن قراراتها أو تمنعها من معالجة الملفات السيادية الحساسة. لكن انهيار السلطة التنفيذية لن يصيب خصوم حزب الله وحدهم؛ بل سيضرب الدولة والمجتمع والبيئة الحاضنة للحزب أيضاً. فتعطيل الإدارات يعني توقف الرواتب والمعاملات والاستشفاء والتعليم، وإغلاق الطرق يعاقب العمال والمرضى وأصحاب المؤسسات الصغيرة قبل أن يعاقب الوزراء، وتخريب الثقة بالدولة يسرّع هجرة الكفاءات ويبدد فرص الاستثمار وإعادة الإعمار.
كذلك فإن استخدام الفئات الأكثر فقراً وقوداً لمواجهة سياسية يشكل مفارقة أخلاقية فادحة. فهذه الفئات تحملت الجزء الأكبر من خسائر السياسات السابقة، ثم تُستدعى اليوم لحماية منظومة لم تقدم لها اقتصاداً منتجاً أو ضماناً اجتماعياً مستداماً. وعندما تنتهي المواجهة، يعود الفقراء إلى أحيائهم المتضررة، بينما تتفاوض القيادات على حصصها ومواقعها.
إن أي محاولة لإسقاط الحكومة عبر الشارع ستعمق أيضاً عزلة لبنان العربية والدولية، خصوصاً إذا ارتبطت برفض حصر السلاح والقرار العسكري بمؤسسات الدولة. وقد أصبحت المساعدات وإعادة الإعمار والتعاون المالي مشروطة بدرجات متفاوتة بوجود سلطة قادرة على تنفيذ الإصلاحات وضبط الحدود وبسط السيادة. لذلك لا يمكن فصل معركة الإنقاذ الاقتصادي عن معركة بناء الدولة.
مسؤولية الحكومة والقوى السيادية
لا يكفي أن تحذر الحكومة من المؤامرات أو تطلب من الناس الالتفاف حولها. عليها أن تسحب الذرائع من أيدي الراغبين في استثمار الأزمة، وذلك عبر خطة اجتماعية عاجلة تحمي الشرائح الأكثر تضرراً، وتصحح الأجور بصورة مدروسة، وتمنع تمويل الإنفاق بالعجز والتضخم، وتوضح للرأي العام كيفية توزيع الخسائر المالية.
كما يتعين عليها فتح حوار شفاف مع النقابات والموظفين والمودعين، ونشر الأرقام والقرارات قبل تحول الشائعات إلى حقائق سياسية. فالغموض يغذي التعبئة، بينما تمنح الشفافية المواطنين قدرة أفضل على التمييز بين الإصلاح المؤلم والسياسة العقابية. وعلى القضاء والأجهزة المختصة التحقيق في أي تمويل غير مشروع أو تحريض على العنف، من دون المساس بحق التظاهر السلمي أو الانتقائية في تطبيق القانون.
أما القوى التي ترفع شعار السيادة، فعليها ألا تختزل الأزمة كلها بسلاح حزب الله، مهما كانت مركزية هذه القضية. فالدفاع عن الدولة يفقد صدقيته إذا ترافق مع حماية الفساد أو المصارف أو الاحتكارات أو شبكات المحاصصة. السيادة لا تكتمل بحصر السلاح فحسب، بل تحتاج كذلك إلى قضاء مستقل وإدارة نزيهة واقتصاد عادل ومساءلة تشمل الجميع.
الوعي الوطني خط الدفاع الأول
يحتاج لبنان اليوم إلى حماية حقين متلازمين: حق المواطنين في الاعتراض على الظلم، وحق الدولة في الاستمرار وأداء وظائفها. التحدي الوطني يتمثل في منع السلطة من قمع الشارع باسم الاستقرار، ومنع الأحزاب من اختطاف الشارع باسم المعيشة.
الدولة ليست الحكومة وحدها، ولا يمكن الدفاع عنها بتحصين المسؤولين ضد النقد. إنها الإطار المشترك الذي يضمن ألا تستبدل المؤسسات بقوة السلاح، وألا تتحول حقوق المواطنين إلى أوراق تفاوض في يد التنظيمات. لذلك يكون قطع الطريق على الفتنة من خلال إصلاح الدولة وتقويتها، لا من خلال مطالبة الجائع بالصمت.
الأزمة الاجتماعية حقيقية، والاحتجاج حق، والمساءلة ضرورة. لكن تحويل الفقر إلى ذخيرة، والنقابات إلى واجهات، والمؤسسات إلى رهائن، لن ينقذ لبنان. ومن يحاول خنق الحكومة بإغلاق الدولة قد يكتشف، بعد فوات الأوان، أنه لم يخنق خصومه، بل خنق وطناً بأكمله.




