لم ينتظر الجنوب نتائج الحراك الدبلوماسي الدائر في نيويورك. فبعد ليلٍ شهد تفجيرًا كبيرًا في الخيام وغارات وتفجيرات وتحركات عسكرية على امتداد أكثر من محور، تجدّد الأربعاء القصف الإسرائيلي على النبطية الفوقا وزوطر الشرقية، وسُجّلت غارة على الخيام، في استمرار لضغط ميداني يتزامن مع محاولة لبنان الرسمي تثبيت حضوره في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والدفع نحو صيغة دولية تمنع الفراغ في الجنوب بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل".
وفي الميدان، بقي محور زوطر الشرقية، دير سريان، الطيبة تحت المتابعة مع تسجيل تحركات للآليات والدبابات الإسرائيلية، فيما كانت القوات الإسرائيلية قد ألقت قنابل فسفورية على أطراف زوطر الشرقية، بالتزامن مع وصول أربع دبابات محمولة على مقطورات كبيرة ترافقها آليات عسكرية إلى مثلث القصير، علمان، دير سريان. كما طاول القصف المدفعي وادي السلوقي وأطراف برعشيت، فيما رُفعت أعلام إسرائيلية عند المدخل الشمالي لبلدة الخيام.
ولا يبدو هذا النشاط الميداني منفصلًا عن الصورة السياسية الأوسع في الجنوب. فاستمرار الغارات والتفجيرات والتحركات البرية، بالتزامن مع البحث الدولي في شكل الوجود الأمني المقبل، يضع لبنان أمام سباق بين تثبيت قواعد سياسية للمرحلة التالية، وبين وقائع تتغيّر على الأرض قبل الوصول إلى هذه الصيغة.
حتى زوطر الشرقية، التي تتكرّر في خريطة العمليات العسكرية، دخلت الأربعاء إلى مسار قضائي في فرنسا. فقد رفع رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني دعوى قضائية يتّهم فيها الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة من أرض تعود إلى عائلته في البلدة. وبحسب محاميه، قُدّمت الدعوى بتهم تتصل بالسرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات، على اعتبار أن الأفعال المدّعى بها قد تندرج ضمن جرائم الحرب، وهي توصيفات ستبقى بطبيعتها رهن المسار القضائي.
بين الجنوب ونيويورك
على الضفة الأخرى، يسعى لبنان إلى استثمار وجوده في نيويورك لإعادة ترتيب ملف الجنوب على ثلاثة مستويات مترابطة: وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، دعم الجيش اللبناني وقدرته على الانتشار، ومنع أيّ فراغ دولي بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل".
وشارك رئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة، في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي انطلقت في 22 أيلول وتستمرّ حتى 28 منه، مع توقّف في 27 أيلول.
وفي حصيلة لقاءاته الأولى، وضع سلام أمام محاوريه سلّة واحدة تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وتمرّ بدعم الجيش، ولا تنتهي عند استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء "اليونيفيل"، بل تمتدّ إلى مسار بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، وإعادة الإعمار والتعافي والإصلاحات.
هذا الربط ليس تفصيلًا. فالطرح اللبناني لم يعد يتعامل مع الوجود الدولي المقبل باعتباره مجرّد بديل عددي لقوات "اليونيفيل"، بل بوصفه جزءًا من هندسة أمنية يفترض أن تترافق مع تعزيز قدرة الجيش اللبناني وتوسيع مسؤوليته في الجنوب.
وفي اجتماعه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، شدّد سلام على ضرورة استمرار وجود دولي تحت مظلّة الأمم المتحدة، يتولّى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، ويساعد في الحفاظ على الاستقرار ودعم بسط سلطة الدولة. وكرّر المقاربة نفسها في اجتماعه مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، مركّزًا على ضرورة تفادي الفراغ ودعم الجيش في ظلّ اتساع مسؤولياته.
التمديد يتراجع والبدائل تتقدّم
في المقابل، تراجعت خلال الساعات الماضية إمكانية التمديد لـ"اليونيفيل" ستة أشهر إضافية، فيما تؤكد مصادر متابعة أن لا طرحًا متكاملًا بهذا المعنى حتى الآن. وهذا ما يدفع النقاش أكثر فأكثر باتجاه شكل الوجود الدولي الذي يمكن أن يلي انتهاء المهمّة الحالية بدل الاكتفاء بمحاولة إطالة عمرها.
وكان مجلس الأمن قد قرّر في العام 2025 إنهاء عمليات "اليونيفيل" مع نهاية 2026، فيما بدأت الأمم المتحدة ولبنان ودول معنية مناقشة الخيارات المتاحة لتنفيذ القرار 1701 بعد خروج القوة الحالية.
القرار اللبناني، في المقابل، يبدو محسومًا في نقطة واحدة على الأقل: لا فراغ في الجنوب. أمّا شكل البديل، وتركيبته، وصلاحياته، ومرجعيته، وحجم ارتباطه بالأمم المتحدة، فلا تزال جميعها موضع بحث بين اقتراحات متعددة تحتاج إلى غطاء سياسي وأممي ودولي.
ومن هنا تكتسب الحركة الفرنسية أهميتها. فباريس دفعت في الأسابيع الماضية باتجاه وضع الجيش اللبناني في قلب ترتيبات المرحلة المقبلة. وفي 17 أيلول، افتتح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس جوزاف عون، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، اجتماعًا لخبراء عسكريين رفيعي المستوى خُصّص لدعم القوات المسلحة اللبنانية، التي وصفتها الرئاسة الفرنسية بأنها ركيزة أساسية لسيادة الدولة وقدرتها على ممارسة احتكار السلاح.
وفي نيويورك، جدّد ماكرون التأكيد على دعم سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعلى ضرورة أن تكون هي الجهة التي تتولّى معالجة ملف السلاح، فيما تعمل فرنسا مع إيطاليا وشركاء آخرين على بلورة ترتيبات للمرحلة التالية لـ"اليونيفيل". بالتوازي، أعلنت باريس استعدادها للتحرّك نحو مؤتمر دولي لدعم الجيش وتعزيز قدراته.
"السلام لا يزال متعذّرًا"
على الأرض، تقدّم "اليونيفيل" نفسها صورة أكثر حذرًا للمشهد. ففي مناسبة اليوم الدولي للسلام، قال رئيس بعثتها وقائدها العام اللواء ديوداتو أبانيارا إن السلام في جنوب لبنان "لا يزال متعذّرًا"، وإن قوات حفظ السلام تستطيع الحدّ من مخاطر سوء الفهم والتصعيد والحفاظ على قنوات الاتصال، لكنها لا تستطيع الحلول محل القرارات السياسية المطلوبة لإنهاء النزاع بصورة دائمة.
وأعاد أبانيارا التأكيد أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق الاستقرار الدائم، مشدّدًا على أهمية استمرار التعاون بين الجيش اللبناني والقوة الدولية خلال المرحلة الحالية.
هذه الرسالة تكتسب معنى إضافيًا في ضوء النقاش حول البديل. فالمشكلة لا تكمن فقط في اسم القوة المقبلة أو عدد عناصرها، بل في وظيفتها السياسية والأمنية وقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ومواكبة الجيش، وتوفير آلية دولية لمراقبة التطورات وتقليص احتمالات الانزلاق إلى تصعيد أوسع.
إيران وأميركا: نافذة بلا ضمانات
إقليميًا، أضيف عامل جديد إلى المشهد اللبناني مع استئناف التواصل المباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في نيويورك، في أول محادثات من هذا النوع منذ أشهر. وفتح اللقاء نافذة لاحتمال تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، وهو تطوّر تتابعه بيروت بالنظر إلى ارتباط أيّ تحوّل في العلاقة الأميركية، الإيرانية بموازين المنطقة وملفاتها المفتوحة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدّث بدوره عن استمرار المحادثات، وقال إنه يعتقد بإمكان التوصّل إلى تسوية في مرحلة ما، معتبرًا أن العلاقة بين الطرفين "تتطوّر"، مع تمسّكه بالموقف الأميركي الرافض لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا. لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أشار في اليوم التالي إلى أن الوصول إلى اتفاق يحتاج إلى جهد شاق، ما يضع التفاؤل السياسي في إطار مسار لم تُحسم نتائجه بعد.
لبنانيًا، لا تكمن أهمية هذا المسار في التصريحات بحدّ ذاتها، بل في ما إذا كانت المفاوضات ستنتج تفاهمات تنعكس على ساحات النفوذ والتوتر من اليمن إلى لبنان. وحتى ذلك الحين، يبقى الجنوب محكومًا بوقائعه الخاصة، حيث لا يظهر حتى الآن انعكاس مباشر للمناخ التفاوضي الإقليمي على مستوى العمليات العسكرية.
دعم قطري ورسائل فرنسية
وفي موازاة ذلك، استُخدم منبر الجمعية العامة لإعادة تثبيت مواقف عربية ودولية حيال لبنان. فأكّد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها، منتقدًا استمرار الانتهاكات الإسرائيلية والتعامل مع لبنان بما وصفه بمنطق الوصاية.
وتتقاطع هذه المواقف، رغم اختلاف خلفياتها، عند نقطتين أساسيتين تعمل الدبلوماسية اللبنانية على تثبيتهما خلال الأسبوع الحالي: تقوية مؤسسات الدولة، وتوفير مظلّة خارجية تمنع أن يتحوّل انتهاء مهمّة "اليونيفيل" إلى فراغ أمني وسياسي في الجنوب.
سلام إلى المنبر ثم واشنطن
ويستكمل رئيس الحكومة جولته بإلقاء كلمة لبنان أمام الجمعية العامة يوم الجمعة، على أن ينتقل بعدها إلى واشنطن لعقد سلسلة لقاءات، في مقدّمها اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إضافة إلى مسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكانت رئاسة الحكومة قد أعلنت برنامج الجولة الأميركية قبل مغادرة سلام بيروت.
وعليه، لا تبدو زيارة نيويورك بالنسبة إلى لبنان محطة بروتوكولية مرتبطة بالجمعية العامة بقدر ما تشكّل محاولة لحشد غطاء سياسي حول مرحلة شديدة الحساسية في الجنوب. لكنّ الفارق بين مساري نيويورك والجنوب يبقى واضحًا: الدبلوماسية تحتاج إلى تفاهمات وقرارات وترتيبات، فيما يستطيع الميدان أن ينتج واقعًا جديدًا في ساعات.
ولهذا، فإن الاختبار الفعلي للحراك اللبناني لن يكون في حجم بيانات الدعم وحدها، بل في قدرته على ترجمة هذا الدعم إلى صيغة قابلة للتنفيذ بعد "اليونيفيل"، وتعزيز الجيش، وربط أيّ ترتيبات أمنية بالتزامات واضحة من الأطراف المعنية. وحتى تتّضح معالم هذه الصيغة، يستمرّ لبنان في التفاوض على اليوم التالي، فيما الجنوب يعيش يومه الحالي تحت النار.




