مؤشرات خطرة جنوباً: توغّل إسرائيلي متسارع ومتعدّد المحاور

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/09/23
سلام قمة نيويورك
تبدو الحركة اللبنانية في نيويورك أقرب إلى محاولة بناء شبكة أمان قبل الوصول إلى لحظة انتهاء مهمة "اليونيفيل". (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة سباق محموم بين مسارين متوازيين في لبنان: مسار سياسي يقوده لبنان الرسمي لحشد غطاء دولي يمنع الفراغ الأمني ويكبح التصعيد، ومسار ميداني تُصرّ فيه إسرائيل على خوض استراتيجية التوسّع عبر تحرّكات مؤلّلة مكثّفة وغارات وتفجيرات وقصف مدفعي. وأظهرت الخريطة الميدانية الأخيرة في أقضية صور والنبطية ومرجعيون وبنت جبيل، ولا سيّما المنصوري وزوطر الشرقية والخيام ومثلث القصير، علمان، دير سريان، توجّهًا إسرائيليًا واضحًا لتوسيع الرقعة الجغرافية للخط الأصفر. وجاء الدفع بدبابات "الميركافا" والآليات الثقيلة، بالتزامن مع استخدام القنابل الفوسفورية وتجريف المساحات الزراعية، كما يظهر في زوطر، إلى جانب رفع الأعلام في الخيام، كمسعى لإقامة واقع أمني جديد يُفرض في أيّ اتفاقات مستقبلية. وبهذا السلوك تتجاوز إسرائيل القرارات الدولية، وفي مقدّمها القرار 1701.

في المقابل، يتحرّك لبنان الرسمي عبر رئيس الحكومة نواف سلام والوفد الدبلوماسي في نيويورك لتعطيل هذا الجموح الإسرائيلي. وتتركّز الجهود اللبنانية حول نقطتين أساسيتين: تأكيد رفض لبنان خروج القوات الدولية من الجنوب، قبل تأمين صيغة بديلة ضامنة، والتمسّك ببسط سلطة الدولة وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، مع تعزيز قدراته العسكرية بدعم دولي، وهو ما تجلّى في موقف فرنسا التي أعلنت صراحة استعدادها لتنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش.

وعلى رغم المناخات التي أشاعت بعض الانفراج عقب اللقاءات الأميركية - الإيرانية في نيويورك، فالميدان الجنوبي يعكس تناقضًا كبيرًا، حيث التصعيد الإسرائيلي المستمر يبعث برسالة مفادها أن تل أبيب غير معنية بالتوافقات السياسية ما لم تُترجم مكاسب أمنية ملموسة. ويبدو واضحًا للبنان أن الحفاظ على الاستقرار المستقبلي يمرّ عبر التمكين الفعلي للجيش اللبناني. والتحدّي الأبرز في الأسابيع المقبلة سيكون إيجاد بديل لليونيفيل يمتلك آليات ملزمة لإسرائيل.

إذًا، يمرّ الجنوب بسباق صعب بين الدبلوماسية اللبنانية المأزومة وجموح التمدّد الإسرائيلي. وفيما يحاول لبنان الرسمي توفير حماية دولية متكاملة للجنوب، تثبت التطورات اليومية أن تل أبيب تسابق الوقت لفرض قواعد اللعبة الجديدة على الأرض، ما يجعل أيّ اتفاق سياسي مقبل مرتهنًا بقدرة المجتمع الدولي على لجم الجموح الإسرائيلي وإعادة الاعتبار للقرارات الدولية السارية المفعول، وفي مقدّمها القرار 1701.

 

الجنوب: ترسيم بالنار قبل أيّ ترسيم سياسي

ما جرى خلال الساعات الأخيرة في الجنوب يكتسب، في هذا السياق، دلالة تتجاوز عدد الغارات أو التفجيرات. فمن المنصوري في قضاء صور إلى زوطر الشرقية في قضاء النبطية، وصولًا إلى الخيام ودير سريان، يتّسع نطاق التحرّك الإسرائيلي بصورة تجعل العمليات موزّعة على أكثر من محور في الوقت نفسه. وسُجّل الأربعاء قصف فسفوري على زوطر الشرقية، فيما استمرّت التفجيرات والتحرّكات العسكرية والجرافات في عدد من البلدات، ونُفّذ تفجير ضخم في الخيام امتدت أضراره إلى جديدة مرجعيون والقليعة، وطاولت منازل ومدرسة في المنطقة المقابلة.

هذه الخريطة ليست تفصيلًا عسكريًا منفصلًا عن السياسة. فالتحرّك على نقاط متباعدة، واستخدام الآليات الثقيلة، وتجريف الأراضي ونسف المباني، يسمحان لإسرائيل عمليًا بإعادة تشكيل الجغرافيا التي ستدخل بها إلى أيّ جولة تفاوضية مقبلة. أي إنّ التفاوض لا يجري فقط في نيويورك أو واشنطن أو أيّ عاصمة قد تستضيف المفاوضات لاحقًا، بل يجري، بصيغة أخرى، بالجرافة والدبابة والتفجير.

وهنا تبرز خطورة ما يُسمّى "الخط الأصفر". فالمشكلة بالنسبة إلى لبنان ليست في خطّ ثابت يمكن التعامل معه بوصفه أمرًا ميدانيًا موقتًا، بل في أن يتحوّل هذا الخط تدريجيًا إلى مساحة قابلة للتمدّد، ثم إلى منطقة أمنية مفروضة بحكم الأمر الواقع. وإذا استمرّ هذا المسار، يصبح النقاش لاحقًا حول الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بما حقّقته إسرائيل ميدانيًا، بدل أن ينطلق من الحدود المعترف بها والالتزامات المنصوص عليها في القرار 1701.

 

معركة أخرى لمنع الفراغ

أمام هذا الواقع، تبدو الحركة اللبنانية في نيويورك أقرب إلى محاولة بناء شبكة أمان قبل الوصول إلى لحظة انتهاء مهمّة "اليونيفيل". فبيروت لم تعد تناقش وجود القوة الدولية باعتباره ملفًا تقنيًا، بل باعتباره جزءًا من معادلة الردع السياسي في الجنوب.

رئيس الجمهورية جوزاف عون ثبّت هذه المقاربة بوضوح الأربعاء، حين أبلغ كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط، الأميرال إدوارد ألغرين، أن لبنان يرحّب بقوات دولية بديلة من "اليونيفيل" إذا تعذّر التمديد لها، على أن تساهم في مواصلة تنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش في بسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دوليًا. وحذّر عون من أن غياب "اليونيفيل" وغياب البديل في الوقت نفسه سيخلقان فراغًا لا يخدم الأمن والاستقرار، خصوصًا مع استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق جنوبية.

وهذا الموقف ليس تفصيلًا في اللغة الرسمية. فلبنان انتقل عمليًا من مرحلة المطالبة ببقاء "اليونيفيل" حصرًا، إلى بناء موقف احتياطي يقول إن الأولوية هي استمرار الوظيفة الدولية، أي المراقبة، والتواصل، وتثبيت القرار 1701، ومساندة انتشار الجيش، سواء حملت القوة المقبلة اسم "اليونيفيل" أو اتخذت صيغة مختلفة.

حتى الحديث عن تمديد مرحلي للقوة الدولية لا يزال محاطًا بتضارب واضح. ففيما تحدّثت تقارير صحافية عن حلّ وسطي قد يقوم على تمديد إضافي لستة أشهر، نقلت "المدن" عن مصادر مختلفة أن احتمال هذا التمديد تراجع وأنه لا يوجد حتى الآن طرح متكامل بهذا المعنى. الثابت، بعيدًا من بازار المهل والأشهر، هو أن لبنان الرسمي لا يريد الوصول إلى اليوم التالي لـ"اليونيفيل" من دون مظلّة جاهزة.

 

سلام يحمل مواصفات البديل إلى نيويورك

لهذا السبب، يركّز رئيس الحكومة نواف سلام في لقاءاته الدولية على مهمّة الوجود الدولي المقبل أكثر من شكله. ففي لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، شدّد على ضرورة استمرار وجود دولي تحت مظلّة الأمم المتحدة، يتولّى وظائف المراقبة والإفادة والتواصل، ويساهم في دعم بسط سلطة الدولة. وكرّر في لقائه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ضرورة تفادي أيّ فراغ، مع تعزيز قدرات الجيش في ظلّ اتساع مسؤولياته وحاجته إلى عديد وإمكانات إضافية.

بهذا المعنى، لا يبحث لبنان عن استبدال جنود بجنود فحسب. المطلوب، وفق المقاربة التي يحملها الوفد اللبناني، هو الاحتفاظ بآلية دولية قادرة على أن تكون شاهدًا ووسيط اتصال وأداة لتخفيف احتمالات الاحتكاك، بالتوازي مع انتقال العبء التنفيذي تدريجيًا إلى الجيش اللبناني.

وهنا تكمن العقدة الأساسية. فكلّما تقدّم مشروع حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، ازدادت حاجة الجيش إلى القدرة على الانتشار وتثبيت المواقع وتأمين مناطق واسعة ومدمّرة، لا إلى تسلّمها نظريًا فقط. ولذلك تحوّل دعم الجيش من بند مساعد في التسوية إلى أحد شروطها العملية.

 

باريس: الجيش قبل هندسة اليوم التالي

وتتحرّك فرنسا من هذه الزاوية تحديدًا. ففي الاجتماع الذي استضافته باريس في 17 أيلول ضمن "مسار العقبة"، بمشاركة عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك الأردني عبدالله الثاني، جرى إطلاق اجتماع لخبراء عسكريين رفيعي المستوى لحشد الدعم للقوات المسلّحة اللبنانية وتحديد احتياجاتها. وكان ماكرون قد أعلن سابقًا أن باريس تعمل مع السلطات اللبنانية وشركائها على صيغة لما بعد "اليونيفيل"، إلى جانب حشد دعم دولي للجيش.

الدلالة هنا أن المقاربة الدولية الناشئة تتّجه، على الأقل في المواقف المعلنة، إلى وضع الجيش في مركز هندسة المرحلة المقبلة. أي إنّ البديل المحتمل من "اليونيفيل" لا يُراد له نظريًا أن يحلّ مكان الدولة، بل أن يؤمّن لها البيئة والغطاء والمساندة التي تسمح للجيش بأن يصبح القوة الأساسية جنوبًا.

غير أن هذه المعادلة تبقى ناقصة ما لم يقابل الالتزامات المطلوبة من الجانب اللبناني التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب ووقف العمليات العسكرية. وهذه، تحديدًا، هي الفجوة التي يحاول لبنان طرحها دوليًا: لا يمكن بناء حصرية فعلية لسلطة الدولة في منطقة تبقى حدود السيطرة فيها قابلة للتغيير بالقوة.

 

من يربح الوقت؟

هكذا يبدو السباق في الجنوب أكثر وضوحًا. إسرائيل تعمل على الأرض وفق إيقاع سريع، فيما يتحرّك لبنان ضمن إيقاع دبلوماسي بطبيعته أكثر بطئًا. الأولى تستطيع تغيير مشهد قرية خلال ساعات بالجرافات والتفجيرات، فيما يحتاج لبنان إلى تفاهمات دولية، وصيغ قانونية، وتمويل، وقواعد اشتباك، ودول مستعدة للمشاركة في أيّ قوة مقبلة.

لذلك، ليست العقدة اليوم في العثور على اسم جديد لـ"اليونيفيل"، بل في تحديد وظيفة البديل وضمان قدرته على أداء مهمّته. أيّ صيغة لا تستطيع منع تحوّل الوقائع العسكرية الموقتة إلى حدود أمنية دائمة ستعني عمليًا انتقال الفراغ من المستوى الدولي إلى الأرض نفسها.

ومن هنا، يصبح نجاح المسار اللبناني مرتبطًا بثلاثة عناصر مترابطة: جيش قادر ومموّل، حضور دولي يمتلك غطاءً سياسيًا واضحًا، وآلية تجعل تطبيق الالتزامات متبادلًا بدل أن يتحوّل إلى لائحة مطالب من طرف واحد. وبينما تعمل بيروت على تركيب هذه العناصر في نيويورك وباريس وواشنطن، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا آتيًا من الجنوب نفسه: هل تنجح الدبلوماسية في تثبيت قواعد المرحلة المقبلة قبل أن تنتهي إسرائيل من رسمها ميدانيًا؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث