من "خطوة خاطئة" إلى قبول مشروط بنتائجها، أعاد الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط رسم حدود موقفه من "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل، رابطًا الاعتراض على صيغة الاتفاق لا بمبدأ التفاوض نفسه، بل بمدى قدرته على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. وفي موازاة هذا التبدّل في النبرة، دعا "حزب الله" إلى فتح حوار مع الدولة انطلاقًا من حجم الدمار الذي لحق بالجنوب، محذّرًا من غياب مؤشّرات جدّية إلى تهدئة إقليمية قريبة، ومن صعوبة إبقاء لبنان خارج ارتدادات الصراع.
وفي مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور"، قال جنبلاط إنه سبق أن انتقد "اتفاق الإطار" بسبب عدم تضمينه اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي أشار إلى ورودها في اتفاق الطائف والقرار 1701، لكنه أوضح أنه "لا مشكلة" لديه مع الاتفاق إذا كان سيؤدي إلى تحرير كامل الأراضي اللبنانية. ويأتي هذا الموقف بعد أشهر من انتقادات أكثر حدّة وجّهها إلى الصيغة، إذ سبق أن وصفها بأنها "خطوة خاطئة" للدولة اللبنانية، وقال في تموز الماضي إنها لا تتضمّن ضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي.
وبذلك، لا يتراجع جنبلاط عن اعتراضاته على مضمون الاتفاق بقدر ما ينقل النقاش من تقييم النصّ إلى اختبار نتيجته، أي الانسحاب. وهو موقف يضعه في منطقة وسط بين رفض الاتفاق من أساسه، وبين اعتباره مسارًا مقبولًا بصيغته الحالية، خصوصًا أنه ذكّر بأنه كان من أوائل الداعين إلى اعتماد التفاوض وسيلةً لتحرير الأرض.
الحوار مع الحزب: الدمار يفرض المراجعة
وفي ملف "حزب الله"، نفى جنبلاط وجود حوار قائم بينه وبين الحزب، لكنه اعتبر أن حجم الدمار الذي أصاب عشرات القرى الجنوبية ينبغي أن يدفع الحزب إلى حوار مع السلطة اللبنانية يهدف إلى تقليص الخسائر ومنع المزيد منها.
وقال إن الحوار بات "ممكنًا وضروريًا"، سواء بالنسبة إلى الحزب أو إلى الدولة اللبنانية، مشيرًا إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يدعو بدوره إلى هذا المسار. وبحسب المقابلة، يرى جنبلاط أن الواقع الذي خلّفته الحرب في الجنوب يجب أن يتحوّل إلى نقطة انطلاق لمقاربة سياسية داخلية، بدل إبقاء الملفات الأمنية والعسكرية منفصلة عن النقاش بين الدولة والحزب.
وهنا، يميّز جنبلاط بين الحوار وبين تبنّي خيارات الحزب. فقد جدّد اعتراضه على انخراط إيران، وبالتالي "حزب الله"، في الحرب الإقليمية عامَي 2023 و2026، معتبرًا أن لبنان دفع جزءًا من كلفة هذا المسار، فيما تبدو فرص التهدئة الإقليمية، في تقديره، محدودة حتى الآن.
لا تهدئة في الأفق
إقليميًا، قدّم جنبلاط قراءة متشائمة نسبيًا للمرحلة المقبلة، قائلاً إنه لا يرى مؤشّرات إلى خفض قريب للتصعيد، ومحذّرًا من صعوبة إبقاء لبنان بمنأى عن التوتّر المحيط به. وهي خلاصة أوردتها "لوريان لوجور" في تقديم المقابلة، مشيرة إلى أن جنبلاط يبدي قلقًا من انعكاسات المشهد الإقليمي على لبنان.
وفي هذا السياق، أشار إلى إجراءات أميركية مرتبطة بإيران وإلى استمرار الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، معتبرًا أن احتمال ممارسة واشنطن ضغوطًا على الحكومة الإسرائيلية لا يزال قائمًا، من دون أن يجزم بإمكان تحقّقه أو بنتائجه.
وربط جنبلاط جانبًا كبيرًا من مسار المرحلة المقبلة بالقرارات التي سيتّخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إشارة إلى أن قدرة لبنان على عزل نفسه عن المشهد الإقليمي تبقى محدودة ما دام التصعيد يتجاوز حدوده وحساباته الداخلية.
لكنّ هذه القراءة لا تقوده إلى رفض مسار التفاوض اللبناني. على العكس، يبدو أنه يفصل بين اعتراضه على بعض عناصر الصيغة التفاوضية وبين الحاجة إلى استخدامها، إذا كان ذلك يؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وهذا تحديدًا ما يمنح موقفه الجديد دلالته السياسية، بعد اعتراضاته السابقة على "اتفاق الإطار".
الحكومة لا تحتمي بالدعم الخارجي
أما داخليًا، فرفض جنبلاط التعامل مع الدعم الدولي والإقليمي للحكومة باعتباره ضمانة كافية لنجاحها، ناقلًا النقاش سريعًا إلى مستوى الخدمات والأداء الداخلي، وفي مقدّمها الكهرباء والقطاع العام.
ودعا الحكومة إلى التعامل بجدّية مع أزمة الكهرباء، مستعينًا بالمقارنة مع مدينة حلب السورية، حيث قال إن التغذية باتت متوافرة على مدار الساعة، فيما لم يتمكّن لبنان من تحقيق ذلك بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية.
ورأى أن النقطة الإيجابية في أداء الحكومة الحالية تكمن في أنها لم تنفق مليارات الدولارات على دعم قطاع الكهرباء بالطريقة التي حصلت، بحسب توصيفه، في مراحل سابقة، لكنه شدّد على أن الامتناع عن الهدر لا يشكّل بحدّ ذاته سياسة كهربائية، وأن المطلوب يبقى التوصّل إلى معالجة فعلية للقطاع.
كما دعا إلى مقاربة ملف رواتب القطاع العام بعقلانية، محذّرًا من زيادات غير مدروسة قد تتحوّل إلى عامل تضخّمي جديد. وهنا يضع جنبلاط الحكومة أمام معادلة مختلفة عن تلك المرتبطة بالدعم الخارجي: الشرعية السياسية الدولية قد تمنح السلطة هامش حركة، لكنها لا تعوّض غياب الإنجاز في الملفات المعيشية.
سوريا من بوابة الاقتصاد والطاقة
وفي الشقّ الاقتصادي، دعا جنبلاط لبنان إلى البحث عن موقع داخل خريطة الطاقة والتجارة الجديدة التي تتشكّل بين سوريا والدول العربية، بدل الاكتفاء بمراقبة التحوّلات الجارية من الخارج.
وتزامن كلامه مع انعقاد "المنتدى اللبناني السوري للاستثمار" في بيروت، بمشاركة مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين من البلدين، حيث تركزت المناقشات على فرص التعاون في قطاعات الإعمار والنقل والصناعة والطاقة، وعلى تحويل القرب الجغرافي بين البلدين إلى شراكات اقتصادية قابلة للتنفيذ.
ودعا جنبلاط إلى الاستفادة من التجربة السورية في قطاع الكهرباء، وإلى العمل لكي يشكّل لبنان مركزًا لعبور النفط العراقي، معتبرًا أن هناك فرصًا واسعة أمام المستثمرين اللبنانيين في سوريا.
لكنّه ربط أيّ انفتاح اقتصادي بضرورة أن تكون المشاريع جدّية وقابلة للتنفيذ، وأن يلتزم الأطراف بما يتعهّدون به، في موقف يعكس انتقال النقاش اللبناني، السوري تدريجيًا من الملفات السياسية والأمنية التقليدية إلى المصالح الاقتصادية والطاقة والنقل.
جنبلاط يعيد التموضع بين الملفات
وتأتي مواقف جنبلاط بعد أيام على لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون، وفي مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات داخلية وإقليمية: مفاوضات الجنوب ومصير "اتفاق الإطار"، النقاش حول سلاح "حزب الله" وعلاقته بالدولة، ومحاولات إعادة بناء روابط اقتصادية مع سوريا في ظل التحوّلات التي تشهدها المنطقة. وكانت "لوريان لوجور" قد أشارت إلى أن المقابلة جاءت بعد أيام من لقائه عون، فيما وضع جنبلاط مسألة الحوار مع الحزب في صلب رؤيته للمرحلة المقبلة.
وفي هذه الملفات جميعها، لا يقدّم جنبلاط صيغة واحدة بقدر ما يعتمد براغماتية مشروطة بالنتائج: "اتفاق الإطار" يصبح قابلًا للقبول إذا حرّر الأرض، الحوار مع الحزب يصبح ضروريًا إذا خفّض كلفة المواجهة، والانفتاح على سوريا يصبح فرصة إذا تحوّل إلى مشاريع وطاقة وتجارة.




