ثمّة منزلق ينقاد إليه لبنان. ففيما تسيطر إسرائيل على المزيد من النقاط الاستراتيجية في الجنوب وتوسّع "الخط الأصفر"، هي تنفّذ حصارًا موازيًا على المستويين السياسي والدبلوماسي، مستفيدة من سكوت ضمني أميركي، لتكريس ما تحقّق على الأرض. وهذا ما يظهر في نيويورك، حيث يواجه لبنان ضغوطًا عاتية لفرض "اتفاق الإطار" بديلًا من القرار 1701، مع ما يعكسه ذلك على طبيعة المهام التي يُفترض أن تؤدّيها أيّ قوّة ستخلف "اليونيفيل". وتفيد تقارير سياسية لبنانية بأنّ الوفد الرسمي يتمسّك باعتبار "اتفاق الإطار" آليّة تفاوضية لا بديلًا من المرجعية الدولية التي يؤمّنها القرار 1701.
وفيما يُرتقب أن ينتقل رئيس الحكومة نواف سلام من نيويورك إلى واشنطن للقاء وزير خارجيتها ماركو روبيو، جاءت رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم إلى الرئيس جوزاف عون بمثابة حرص على ضمان علاقة وطيدة مع لبنان الرسمي. وهذه الرسالة جاءت في شكل ردّ متأخّر على زيارة عون للبيت الأبيض في تموز، وجاء فيها: "كان شرفًا لي أن أرحّب بكم في البيت الأبيض في زيارة تاريخية بكلّ معنى الكلمة، هي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن. وفيما يشهد الشرق الأوسط صراعًا، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابةً عن لبنان وشعبه". وأكّدت رئاسة الجمهورية أنّ الرسالة تعود إلى زيارة عون لواشنطن في 21 تموز، فيما يتوجّه سلام إلى واشنطن بعد مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة، على أن يلتقي روبيو وعددًا من المسؤولين الدوليين.
في هذا الخضمّ، يوحي المشهد الجنوبي بوجود هندسة ميدانية متسارعة تُمارسها إسرائيل، مستفيدة من التراخي الدولي. ويمثّل التوغّل المتكرّر لآلياتها العسكرية في بلدة المنصوري، بالتوازي مع القصف المكثّف على مجدل زون ووادي زبقين، محاولة ملموسة للوصول إلى المشارف الساحلية. فالسيطرة النارية على المنصوري تعني وضع مدينة صور ومحيطها المأهول تحت المدى المباشر للسيطرة العسكرية، وتجريد العاصمة الثانية للجنوب من عمقها الأمني. كما تكشف المخاوف الميدانية في القطاعين الأوسط والشرقي عن مسعى حثيث لإكمال سيناريو تلّة علي الطاهر، حيث يتركّز القصف والتفجير في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وقرى إقليم التفاح والشقيف. وتهدف إسرائيل إلى عزل هذا القوس وتفتيته تمهيدًا لفرض حصار ناري على مدينة النبطية، فيما يأتي إحراق حقول الزيتون بقنابل الفوسفور في موسم القطاف، وتدمير أعمدة الاتصال والبنى التحتية في دير ميماس وتخوم كفرشوبا، في إطار استراتيجية "الأرض المحروقة"، لتفريغ الشريط الحدودي بالكامل وتجريده من سبل الحياة، تمهيدًا لرسم خطوط تماس جديدة بالقوّة. وقد سجّلت مصادر لبنانية في الساعات الماضية قصفًا وتفجيرات في المنصوري ومجدل زون، وغارات على وادي زبقين، إضافة إلى إحراق بساتين وحقول في محيط مجدل زون وبيوت السياد بقذائف فوسفورية، وتحرّكات عسكرية إسرائيلية في عدد من قرى الجنوب.
ويأتي تحذير قائد "اليونيفيل" ديوداتو أبانيارا في شأن وقوع أكثر من نصف مواقع القوّات الدولية ضمن مناطق باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، ليعلن عمليًّا حجم المعضلة التي تواجه هذه القوّات مع الاقتراب من موعد بدء انسحابها في نهاية العام، وطرح صيغ بديلة لمرحلة ما بعد "اليونيفيل". وكان مجلس الأمن قد قرّر، بموجب القرار 2790، تمديد الولاية للمرّة الأخيرة حتى 31 كانون الأوّل 2026، ثمّ بدء عملية الانسحاب المنظّم. وأقرّ أبانيارا بأنّ تسليم بعض المواقع إلى الجيش اللبناني قد يكون "صعبًا جدًّا"، في ظلّ وقوع أكثر من نصفها داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
ولذلك، يخوض لبنان معركتين ضدّ إسرائيل، على الأرض وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكنها مواجهة غير متكافئة. فالخرائط تُكتب بالنار في المنصوري و"الخط الأصفر"، قبل أن تُعرض في أروقة التفاوض. وما لم يتمكّن لبنان من فرملة التمدّد الناري في اتجاهَي صور والنبطية، ستظلّ المعركة الدبلوماسية خاضعة لتمادي الشروط الإسرائيلية.
"الخط الأصفر": من إجراء عسكري إلى ورقة تفاوض
المشكلة بالنسبة إلى لبنان لم تعد محصورة في استمرار الاحتلال أو حجم المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، بل في احتمال تحوّل الوضع الميداني نفسه إلى نقطة انطلاق لأيّ تسوية لاحقة. منذ توقيع "اتفاق الإطار" الثلاثي برعاية أميركية في واشنطن في 26 حزيران، بات الانسحاب الإسرائيلي مرتبطًا بمسار مرحلي يتضمّن انتشار الجيش اللبناني وتقدّم ملف حصرية السلاح والترتيبات الأمنية وآليات التحقّق. وتقول إسرائيل إنّ بقاءها في ما تسمّيه "المنطقة الأمنية" مرتبط بزوال التهديد الذي يمثّله حزب الله، فيما يتمسّك لبنان بأنّ الهدف من التفاوض هو استكمال الانسحاب وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة الوقائع التي تُفرض جنوبًا. فكلّ توغّل جديد، وكلّ قرية تُفرّغ من سكّانها، وكلّ موقع تُثبّت فيه إسرائيل وجودًا عسكريًا، يضيف عنصرًا إلى الخريطة التي سيجلس المفاوض اللبناني لاحقًا لمناقشتها. المسألة، بهذا المعنى، ليست فقط مقدار الأرض التي تحتلّها إسرائيل اليوم، بل نقطة البداية التي ستعتمدها المفاوضات غدًا.
وتجربة تلّة علي الطاهر تقدّم النموذج الأكثر وضوحًا. فقد أعلنت إسرائيل، بعد أسابيع من القصف والتفجيرات، فرض "سيطرة عملياتية" على المرتفع وتدمير شبكة أنفاق فيه، وقال الجيش الإسرائيلي إنّه مستعدّ لتنفيذ عمليات مماثلة في مناطق أخرى. وبذلك انتقلت المعركة من مواجهة موقع عسكري محدّد إلى محاولة فرض نموذج قابل للتكرار: ضغط ناري كثيف، تدمير البنية الموجودة، تثبيت واقع عسكري، ثمّ إدخال هذا الواقع في الحسابات السياسية.
معركة أخرى على مرجعية الجنوب
في نيويورك، تدور المواجهة بطريقة أكثر هدوءًا، لكنّ نتائجها قد لا تكون أقلّ تأثيرًا. فالقرار 1701 يؤمّن للبنان مرجعية صادرة عن مجلس الأمن تربط الأمن جنوبًا بالسيادة اللبنانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وانتشار الجيش، ووجود قوّة دولية تتمتّع بآليات مراقبة ورفع تقارير إلى الأمم المتحدة. أمّا "اتفاق الإطار"، فيقوم على مفاوضات مباشرة وغير مباشرة وآليات تنفيذ وضمانات أميركية، ويضع الترتيبات الأمنية ونزع السلاح والانسحاب ضمن مسار تفاوضي متدرّج.
من هنا، لا يتعلّق الخلاف بتسمية قانونية. من يحدّد المرجعية يحدّد، إلى حدّ بعيد، قواعد المرحلة المقبلة. فإذا ظلّ القرار 1701 هو المظلّة، تبقى الأمم المتحدة جزءًا مباشرًا من نظام المراقبة والتنفيذ. أمّا إذا أصبحت صيغة الإطار هي المرجعية الفعلية الوحيدة، فإنّ مركز الثقل ينتقل أكثر إلى الوساطة الأميركية والترتيبات الثنائية والثلاثية.
وهذا هو أيضًا جوهر النقاش الدائر حول خليفة "اليونيفيل". فالخيارات التي نوقشت في باريس شملت وجودًا دوليًا أو أوروبيًا جديدًا يركّز على التدريب والمراقبة ودعم الجيش، فيما يشدّد الموقف اللبناني على منع حصول فراغ أمني بعد انتهاء مهمّة القوّات الدولية.
رسالة ترامب: دعم الدولة لا يعني تبدّل الشروط
وسط هذه الصورة، تحمل رسالة ترامب إلى عون دلالة سياسية مزدوجة. فمن جهة، تؤكّد أنّ واشنطن تستثمر في العلاقة مع رئاسة الجمهورية والدولة اللبنانية، وتمنح عون غطاءً سياسيًا واضحًا في مرحلة شديدة الحساسية. لكنّها، من جهة ثانية، لا تتضمّن أيّ إشارة إلى تغيير المقاربة الأميركية حيال "اتفاق الإطار" أو الوجود الإسرائيلي في الجنوب.
وهنا تبرز أهميّة لقاء سلام مع روبيو. فالرهان اللبناني لا يقتصر على الحصول على دعم أميركي للجيش، بل على منع تحوّل الدعم السياسي للدولة إلى تغطية لمسار تبقى فيه إسرائيل صاحبة اليد العليا ميدانيًا، فيما يُطلب من بيروت تنفيذ التزاماتها قبل الحصول على الانسحاب الكامل.
بعبارة أخرى، تحاول الدولة أن تثبّت معادلة متوازية: حصرية السلاح وانتشار الجيش في مقابل الانسحاب الإسرائيلي، لا أن يتحوّل الشقّ الأوّل إلى شرط مسبق مفتوح زمنيًا بينما يصبح الانسحاب نتيجة مؤجّلة إلى أجل غير محدّد.
إسرائيل تعيد عرض تفوّقها الاستخباري
بالتوازي مع الضغط العسكري، برز خلال الأيام الماضية مسار إسرائيلي آخر في الإعلام. ففي الذكرى الثانية لتفجير أجهزة "البيجر"، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية روايات جديدة عن تصنيع الأجهزة المفخّخة وآلية إدخالها إلى حزب الله، مقدّمة العملية بوصفها نموذجًا للاختراق الطويل الأمد لمنظومات الحزب. كما أعادت قناة "كان" فتح ملف الملاح الإسرائيلي رون آراد، بعد أربعين عامًا تقريبًا على أسره في لبنان، ونشرت شهادات لضباط سابقين في الموساد عن مسار البحث عنه والفرضيات المرتبطة بمصيره.
ولا تتّصل القضيتان مباشرة بالمفاوضات الجارية، لكنّ تزامن إبرازهما مع العمليات في الجنوب يعكس حضور العامل الاستخباري في الخطاب الأمني الإسرائيلي الحالي: إسرائيل لا تعرض فقط قدرتها على احتلال الأرض أو قصفها، بل تستعيد أيضًا نماذج الاختراق والعمل الاستخباري الطويل لتأكيد قدرتها على الوصول إلى خصومها وملاحقة ملفاتها لسنوات.
سباق بين الخريطة والدبلوماسية
بهذا المعنى، لا ينتظر الجنوب نهاية المفاوضات كي تتحدّد صورته الجديدة. صورته تُعاد صياغتها يوميًا، بالتوغّل والتفجير والإخلاء وتغيير خطوط السيطرة، بينما يحاول لبنان في نيويورك وواشنطن منع تحوّل هذه الوقائع إلى حدود سياسية مكتملة.
وهذه هي العقدة التي سترافق سلام في لقاءاته الأميركية. فالمشكلة لم تعد في إيجاد صيغة تفاوضية فحسب، إذ إنّ الصيغة موجودة منذ حزيران، بل في تحديد أيّ منطق يحكم تنفيذها: هل يقود التفاوض إلى تفكيك الوقائع العسكرية وإعادة الجيش اللبناني إلى الحدود، أم تصبح الوقائع العسكرية هي التي ترسم سقف التفاوض؟
بين الاحتمالين، يضيق الوقت أمام لبنان. فمع اقتراب نهاية ولاية "اليونيفيل"، واتساع رقعة السيطرة الإسرائيلية، واستمرار الخلاف الداخلي على حصرية السلاح، تتكوّن مرحلة جديدة في الجنوب قبل أن تُحسم قواعدها رسميًا. وفي هذه المرحلة تحديدًا، يصبح الصراع على "المرجعية" صراعًا على الخريطة نفسها: مَن يرسمها أولًا، ومَن يملك القدرة على تعديلها لاحقًا.




