تَحُلُّ الدَّولة في المجتمع بقدر ما تتحوّل من سُلطةٍ قائمةٍ فوقه إلى شرعيّةٍ فاعلةٍ في داخله. تحلُّ في القانون حين يسري على الجميع، وفي المؤسَّسات حين تنتظم بها السُّلطة، وفي المواطنة حين تتقدّم على الولاءات الخاصّة، وفي المجال العامّ حين تصبح الدَّولة المرجعيّة الطبيعيّة للحقوق والواجبات والقرار. من هنا يمكن استحضار باروخ سبينوزا، لا لإسقاط منظومته الفلسفيّة على مفهوم الدَّولة إسقاطًا تعسّفيًّا، بل لاستعارة سؤال فلسفيّ بالغ الدلالة، ماذا يعني أن يكون الوجود حاضرًا في الأشياء لا خارجًا عنها، وكيف يمكن أن نفكّر، سياسيًّا، في دولةٍ تكون حاضرةً في مجتمعها لا مجرّد سلطةٍ مرفوعةٍ فوقه؟
إرتبطت فلسفة سبينوزا تاريخيًّا بالحُلوليّة، (Pantheism)، وبفكرة وحدة الوجود، وإن كانت فلسفته أكثر تعقيدًا من أن تختزلها تسميةٌ واحدة. فعبارته الشهيرة "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura)، تقود إلى تصوّر يقوم على وحدة الجوهر، حيث لا يكون الله علّةً متعاليةً منفصلةً عن العالم، ولا يكون العالم صادرًا عنه وفق منطق الفيض، (Emanation)، بل تكون الموجودات في الله ضمن منطق المحايثة، (Immanence). لذلك ينبغي التمييز بين الحُلوليّة والمحايثة من جهة، والفيض من جهة أخرى. فالفيض يفترض صدور الموجودات عن مبدأ أوّل وفق تراتبيّةٍ وجوديّة، فيما تكسر المحايثة السبينوزيّة ثنائيّة الداخل والخارج، والمتعالي والمحايث، لتجعل الوجود مفهومًا من داخل وحدة الجوهر نفسها.
تسمح هذه العدسة الفلسفيّة بالتفكير في الدَّولة بطريقة مختلفة. فالدَّولة التي تحتاج في كلّ لحظة إلى أن تعلن وجودها قد تكون أقلّ حضورًا من دولةٍ لا نكاد نشعر بها لأنّها باتت كامنةً في انتظام الحياة العامّة. قوّة الدَّولة هنا لا تُقاس فقط بحجم أجهزتها، ولا بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بقدرتها على ممارسة الإكراه المشروع، بل بمدى حُلول شرعيّتها في الاجتماع السياسي. عندما يصبح الاحتكام إلى القانون بديهيًّا، والمساواة أمام القضاء طبيعيّةً، والحصول على الحقوق مستقلًّا عن الوساطة، والوظيفة العامّة منفصلةً عن الولاء، والقرار الوطني صادرًا عن المؤسَّسات الدستوريّة وحدها، تكون الدَّولة قد انتقلت من كونها جهازًا إلى كونها نظامًا عامًّا للحياة المشتركة.
من هنا يمكن إعادة تعريف ما نسمّيه "هيبة الدَّولة". فالهيبة لا تتأسّس في الخوف بقدر ما تتأسّس في الاعتراف. الدَّولة المهابة فعلًا لا تحتاج إلى استعراض هيبتها كلّ صباح، لأنّ هيبتها تكون قد حلّت في انتظام المؤسَّسات وفي سلوك الأفراد والجماعات. تحلُّ في القاضي الذي يعرف أنّ حكمه لا يحتاج إلى إذنٍ سياسيّ، وفي الموظَّف الذي يطبّق القانون من دون سؤالٍ عن طائفة صاحب المعاملة أو زعيمه، وفي المواطن الذي يعرف أنّ حقّه يأتيه من صفته مواطنًا لا من قربه من مركز نفوذ. هكذا تصبح الهيبة حالةً مؤسَّسيّةً لا استعراضًا للسُّلطة، ويصبح حضور الدَّولة أكثر عمقًا كلّما قلّ احتياجها إلى الإعلان عن حضورها.
تلتقي هذه المقاربة أيضًا مع مفهوم القوّة عند سبينوزا، وخصوصًا مع دلالة (Potential) بوصفها قدرةً على الفعل والتحقّق والاستمرار. فالقوّة لا تختزل بالسيطرة على الآخر، بل تتجلّى في القدرة على إنتاج الفعل. وبالمعنى السياسي، لا تكون الدَّولة قويّةً لأنّها تستطيع أن تقمع مجتمعها، بل لأنّها تستطيع أن تنظّمه من دون سحقه، وأن تدير اختلافاته من دون تحويلها إلى صراعات وجوديّة، وأن تضمن حرّيّة أفراده من دون أن تتحوّل الحرّيّة إلى فوضى. قوّة الدَّولة هي قدرتها على جعل الشرعيّة فاعلة، لا مجرّد قدرتها على امتلاك أدوات القوّة.
وهنا تبدأ المفارقة بين حُلوليّة الدَّولة وتحلُّلها. فالمجال الذي تنسحب منه الدَّولة لا يبقى فارغًا. حين يغيب القانون تحضر الوساطة، وحين تضعف المؤسَّسة يتقدّم الزعيم، وحين تتراجع المواطنة تستعيد العصبيّات قدرتها على تحديد موقع الإنسان وحقوقه، وحين تعجز الدَّولة عن الحماية تنشأ منظومات حمايةٍ بديلة، وحين تفقد احتكار القرار العامّ تتكاثر مراكز القرار. تبدأ الدَّولة عندها بالتحلُّل، لا بالضرورة عبر انهيارٍ دراماتيكيّ وفوريّ، بل من خلال انتقال وظائفها وشرعيّتها بالتدريج إلى ما دونها أو ما فوقها أو ما يقع خارجها.
فالتحلُّل أخطر من السقوط. السقوط حدثٌ ظاهر يمكن تحديد لحظته، أمّا التحلُّل فمسارٌ قد يستمرّ سنواتٍ فيما تبقى واجهات الدَّولة قائمة. يبقى رئيسٌ وحكومةٌ وبرلمانٌ ووزاراتٌ وإداراتٌ ومحاكم، وتستمرّ الانتخابات والموازنات والمراسيم، لكنّ القرار الفعلي يكون موزّعًا، والسيادة مجتزأةً، والقانون انتقائيًّا، والحقوق متفاوتةً، والولاءات متعدّدة. عندها يبقى شكل الدَّولة فيما يتآكل جوهرها. وربّما تكون هذه أخطر حالات اللَّادولة.أن يستمرّ الشكل الدستوري فيما تتحلّل الوظيفة الدستوريّة التي تعطيه معناه.
تبدو الحالة اللبنانيّة، من هذه الزاوية، مختبرًا شديد الوضوح. فأزمة لبنان تتجاوز الفساد وسوء الإدارة والتعثّر الاقتصادي والانقسام الطائفي وازدواجيّة السلاح والقرار، على خطورة كلّ منها. إنّها تكشف عجزًا تاريخيًّا عن استكمال حُلول الدَّولة في الاجتماع اللبناني بوصفها المرجعيّة الجامعة. بقيت الطائفة في محطات كثيرة أقرب إلى الفرد من الدَّولة، والزعيم أقرب من المؤسَّسة، والوساطة أكثر فاعليّةً من الحقّ، والانتماء الأهلي أكثر قدرةً على توفير الحماية من المواطنة. وبقدر ما انسحبت الدَّولة من حياة الناس، تقدّمت البنى الموازية لملء الفراغ، ثم تحوّل وجود هذه البنى نفسه إلى أحد أسباب استمرار ضعف الدَّولة.
هكذا تتكوّن دائرة التحلُّل. الدَّولة الضعيفة تنتج الحاجة إلى البدائل، والبدائل حين تتجذّر تمنع الدَّولة من استعادة وظائفها. وحين توفّر الجماعة للمواطن أمنه وعمله وعلاجه وتعليمه وتمثيله السياسي، يصبح انتقاله إلى الدَّولة انتقالًا من شبكة حمايةٍ ملموسة إلى وعدٍ مجرّد. لذلك لا تُبنى الدَّولة بالمواعظ السياديّة وحدها، بل باستعادة قدرتها الفعليّة على إنتاج المصلحة العامّة. السيادة التي لا تتحوّل خدماتٍ وعدالةً وأمنًا وحقوقًا تبقى ناقصة، تمامًا كما أنّ الخدمات التي تُنتجها الجماعات خارج منطق الدَّولة تتحوّل، مهما كانت ضرورتها الاجتماعيّة، إلى أحد عناصر إعادة إنتاج اللَّادولة.
ويعيدنا سبينوزا هنا إلى العلاقة بين الخوف والعقل. فالخوف قادرٌ على إخضاع الإنسان، لكنّه عاجز عن بناء اجتماعٍ سياسيّ مستقرّ. وكلّما عاش الأفراد والجماعات في خوفٍ متبادل، ازدادت حاجتهم إلى حمايةٍ خاصّة، فيما تقوم الدَّولة على تحويل الحماية من امتيازٍ خاص إلى ضمانٍ عام. الانتقال من الخوف إلى الثِّقة، ومن العصبيّة إلى المواطنة، ومن طلب الحماية من الجماعة إلى ضمانة القانون، هو في جوهره انتقالٌ من مجتمع تتنازعه سلطات متعدّدة إلى دولةٍ تحلُّ شرعيّتها في مجاله العامّ.
هنا تبلغ المفارقة معناها الكامل. الدَّولة إمّا أن تحلَّ، وإمّا أن تتحلَّ. تحلُّ حين يصبح القانون أقوى من الأشخاص، والمؤسَّسة أبقى من شاغليها، والمواطنة أسبق من العصبيّة، والحقّ أقوى من الوساطة، والقرار العامّ واحدًا في مرجعيّته الدستوريّة. وتتحلّل حين تتوزّع هذه الوظائف على قوىً متنافسة، فيتحوّل المجتمع نفسه إلى مجموعة دولٍ صغيرة داخل دولةٍ تحتفظ باسمها وحدودها وعلمها.
حُلوليّة الدَّولة بهذا المعنى ليست استبدادها بالمجتمع، بل نقيض ذلك تمامًا. إنّها حضور الشرعيّة المشتركة الذي يسمح بالتعدّدية ويحميها، لأنّ التعدّدية من دون دولة تتحوّل عاجلًا أو آجلًا إلى تنازعٍ على القوّة، فيما التعدّدية داخل دولة المواطنة تصبح مصدر غنىً وحرّيّة. وهنا قد تكون الخلاصة السبينوزيّة السياسيّة الأشدّ إلحاحًا للبنان، الدَّولة لا تكتمل حين تعلو فوق مجتمعها، بل حين تحلُّ شرعيّتها في قلبه. وحين تعجز عن ذلك، لا يبقى المجتمع بلا سلطة؛ إنّما تتكاثر فيه السُّلطات، فيما تتحلّل الدَّولة.




