من دير ميماس إلى مجدل زون وبيت ياحون، واصل الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته في جنوب لبنان، بين توغّل بري وقصف مدفعي وتفجيرات وعمليات تمشيط، فيما امتدّ الاستهداف إلى الأراضي الزراعية، مع إحراق حقول زيتون وبساتين حمضيات في محيط مجدل زون وبيوت السياد بقنابل فوسفورية، وفق ما أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام". وفي أبرز التطورات الميدانية، توغّلت قوّة إسرائيلية مؤلّفة من ثلاث دبابات "ميركافا" في بلدة دير ميماس، وأغلقت مدخلها ومنعت حركة الدخول والخروج لبعض الوقت، قبل أن تفتّش عددًا من المنازل وتحطّم أعمدة هاتف على جانبي الطريق.
وتزامن التوغّل مع سلسلة تفجيرات إسرائيلية في مجدل زون، وعمليات تمشيط في محيط البلدة، فيما طال القصف المدفعي حرج عيتا الجبل وبيت ياحون، وسُجّل قصف باتجاه أطراف زوطر الشرقية من جهة ميفدون، إلى جانب تفجيرات متتالية في المنصوري وأطراف بيوت السياد. وكانت طائرات إسرائيلية قد شنّت ليلًا غارات على بلدات النبطية الفوقا وكفرتبنيت والقنطرة، في استمرار لمنسوب مرتفع من التوتّر على امتداد الجبهة الجنوبية.
وتكتسب عمليات إحراق الأراضي الزراعية حساسية إضافية مع تزامنها مع موسم قطاف الزيتون، إذ أفادت تقارير محلية بأن القوات الإسرائيلية أطلقت قنابل فوسفورية أدّت إلى اشتعال حقول الزيتون وبساتين الحمضيات في محيط مجدل زون وبيوت السياد. وتضيف هذه الممارسات ضغطًا مباشرًا على الأهالي ومصادر رزقهم، في مناطق تعاني أصلًا تداعيات القصف والنزوح وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية.
سلام إلى نيويورك وواشنطن
في موازاة التصعيد الميداني، ينتقل ثقل التحرّك اللبناني هذا الأسبوع إلى نيويورك، حيث يشارك رئيس الحكومة نواف سلام في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن ينتقل إلى واشنطن لعقد سلسلة لقاءات، في مقدّمها اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وكانت رئاسة مجلس الوزراء قد أعلنت أنّ سلام سيعقد، على هامش أعمال الجمعية العامة، لقاءات ثنائية مع عدد من قادة الدول والمسؤولين الدوليين، على أن تشمل محطّته في واشنطن أيضًا المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا.
ويحضر الملف الجنوبي في صدارة جدول الأعمال اللبناني، سواء من زاوية استمرار العمليات الإسرائيلية، أو من زاوية أكثر حساسية ترتبط بمصير الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء الولاية العملياتية لقوّة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، "اليونيفيل".
فمجلس الأمن مدّد، بموجب القرار 2790، ولاية "اليونيفيل" للمرّة الأخيرة حتى 31 كانون الأوّل 2026، على أن تتوقّف عملياتها عند هذا التاريخ، وتبدأ بعدها عملية انسحاب منظّمة وآمنة تمتدّ خلال عام، أي حتى نهاية 2027. كما طلب القرار البحث في خيارات تنفيذ القرار 1701 بعد رحيل القوّة، بما يشمل آليات مراقبة الخط الأزرق ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
سلام لشاهين: دعم الجيش وحصر السلاح أولوية
وفي هذا السّياق، استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في مقرّ بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، السيناتور الأميركية جين شاهين، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، بحضور سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوّض.
وبحث اللقاء في آخر التطورات في لبنان والمنطقة، إضافة إلى العلاقات اللبنانية، الأميركية، فيما نوّه سلام بمواقف شاهين الداعمة للبنان، ولا سيّما دعمها المستمر للجيش اللبناني.
وأكد سلام التزام الحكومة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها، ومواصلة مسار الإصلاحات، مشدّدًا على أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، إلى جانب حشد الدعم الدولي للبنان في مسارَي التعافي وإعادة الإعمار.
كما شدّد سلام على ضرورة تفادي أيّ فراغ قد ينشأ مع انتهاء مهمّة "اليونيفيل"، مؤكّدًا حاجة لبنان إلى استمرار وجود دولي في الجنوب يواكب المرحلة المقبلة.
من جهتها، أكدت شاهين أهمية مواصلة لبنان مسار حصر السلاح بيد الدولة، مشدّدة على ضرورة إقرار مجلس النواب قانون الفجوة المالية، والاستمرار في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة تمهيدًا للتوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
أكثر من نصف مواقع "اليونيفيل"
لكنّ عملية الانتقال إلى مرحلة ما بعد "اليونيفيل" لا تبدو تفصيلًا إداريًا أو تقنيًا. فقد حذّر قائد القوّة، الجنرال الإيطالي ديوداتو أبانيارا، من صعوبة تسليم بعض المواقع إلى الجيش اللبناني، موضحًا أنّ "أكثر من نصف" مواقع القوّة باتت تقع داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
وقال أبانيارا إنّ ضمان قدرة وكالات أممية أخرى والجيش اللبناني على تولّي المهمّات التي تضطلع بها "اليونيفيل" حاليًا، يشكّل عنصرًا أساسيًا قبل بدء عملية الانسحاب. كما أشار إلى أنّ انتقال بعض المواقع سيكون شديد الصعوبة في ضوء السيطرة الإسرائيلية القائمة على الأرض.
وهنا تحديدًا تتركّز المخاوف اللبنانية. فالمسألة لا تتعلّق فقط باسم القوّة التي قد تحلّ مكان "اليونيفيل"، بل بالمرجعية السياسية والأمنية التي ستنظّم وجودها، وصلاحياتها، وعلاقتها بالجيش اللبناني، وقدرتها على مراقبة الخط الأزرق والمناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها.
وتدور النقاشات حاليًا حول أكثر من صيغة، من بينها إمكان إنشاء حضور أوروبي بديل، أو الإبقاء على مظلّة أممية بصيغة جديدة، فيما لم يحصل حتى الآن توافق دولي نهائي على شكل المرحلة المقبلة. وتفيد المعطيات المتداولة سياسيًا بأنّ بيروت تسعى، في اتصالاتها، إلى منع حصول فراغ أمني ودولي في الجنوب، ولا سيّما في ظلّ وجود مواقع لـ"اليونيفيل" داخل مناطق خاضعة حاليًا للسيطرة الإسرائيلية.
وبذلك، يتحوّل ملف "ما بعد اليونيفيل" إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في لقاءات سلام في نيويورك وواشنطن، إذ يحاول لبنان تأمين مظلّة دولية تواكب انتشار الجيش وتحافظ على آليات المراقبة الدولية، بدل أن ينتهي انسحاب القوّة الأممية إلى فراغ تستفيد منه الوقائع العسكرية القائمة على الأرض.
الجنوب بين الميدان والتفاوض
وتكمن المفارقة في أنّ البحث الدبلوماسي في شكل المرحلة المقبلة يتزامن مع توسّع التحركات الإسرائيلية ميدانيًا. فبين التوغّل في دير ميماس، والتفجيرات في المنصوري ومجدل زون، والقصف في قرى بنت جبيل والنبطية، تصبح قدرة الجيش اللبناني أو أيّ قوّة دولية مقبلة على التحرّك مرتبطة أولًا بطبيعة الخريطة العسكرية التي ستتركها المرحلة الحالية.
وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال حول "المرجعية" أكثر من نقاش حول اسم القوّة البديلة. فالقرار 2790 نفسه طالب إسرائيل بسحب قواتها من الأراضي اللبنانية، بما فيها المواقع الخمسة التي كانت تحتلّها شمال الخط الأزرق عند صدوره، كما دعا السلطات اللبنانية إلى الانتشار فيها وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
غير أنّ التطورات اللاحقة وسّعت الفجوة بين النصوص الدولية والواقع الميداني، وهو ما يفسّر إصرار بيروت على إدراج مستقبل الجنوب والوجود الدولي ضمن اللقاءات السياسية رفيعة المستوى، بدل التعامل مع خروج "اليونيفيل" باعتباره مجرّد انتقال لوجستي.
بعلبك تدخل معركة الادعاءات
وفي البقاع، انتقلت المواجهة مع الخطاب الإسرائيلي إلى قلعة بعلبك، حيث زار وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين ووزير العمل محمد حيدر الموقع الأثري، بناءً على تكليف من مجلس الوزراء، في خطوة هدفت إلى الردّ على ادعاءات إسرائيلية بوجود أسلحة وتحصينات عسكرية في الموقع. وأكّدت وزارة الصحة أنّ الوزيرين جالا في القلعة وبين هياكلها في إطار هذه المهمّة.
وقال ناصر الدين إنّ الهدف من الزيارة هو التأكيد على الطابع التاريخي والحضاري للمدينة والقلعة، داعيًا اللبنانيين والزوار إلى زيارة بعلبك و"مشاهدة حياتها على طبيعتها"، ومعتبرًا أنّ تصوير المدينة بغير صورتها المدنية والحضارية يسيء إلى أهلها وإرثها.
من جهته، قال حيدر إنّ الجولة جاءت تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء، مضيفًا أنّ الهدف هو دحض الادعاءات الإسرائيلية بوجود أسلحة أو منشآت عسكرية داخل القلعة، ومشدّدًا على أنّ الموقع "منطقة مدنية بحتة" والحياة فيه تسير بصورة طبيعية.
وبين الجنوب وبعلبك ونيويورك، تتحرّك الدولة اللبنانية على أكثر من خطّ في الوقت نفسه: احتواء التصعيد الميداني، تثبيت حضور الجيش، منع فراغ دولي بعد "اليونيفيل"، والردّ على الادعاءات الإسرائيلية المرتبطة بمواقع مدنية وأثرية. لكنّ الامتحان الأصعب يبقى في الجنوب، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية بوتيرة أسرع من المساعي الدبلوماسية، فيما تصبح خريطة الأرض نفسها جزءًا أساسيًا من النقاش على شكل اليوم التالي.




