اتّسعت رقعة التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان ليل السبت، مع تجدّد الغارات على النبطية الفوقا، واستهداف كفرتبنيت ووادي السلوقي، بعد ساعات طويلة من القصف والتفجيرات وعمليات الهدم التي توزّعت على عدد من البلدات الجنوبيّة. وبذلك، انتقل المشهد من جولة غارات بدأت نهارًا، عقب إعلان الجيش الإسرائيلي إصابة جنديَّين بانفجار عبوة ناسفة، إلى موجة أوسع امتدّت حتى ساعات الليل، في وقتٍ تتكثّف فيه المساعي الدولية للبحث في مستقبل أمن الجنوب ودور الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل".
وفي آخر التطوّرات الميدانية، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين جديدتين على النبطية الفوقا، قبل أن تستهدف غارة أخرى بلدة كفرتبنيت، ثم وادي السلوقي. وكانت النبطية الفوقا قد تعرّضت، في وقت سابق من السبت، لسلسلة غارات، إذ أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" عن ثلاث غارات إسرائيلية على البلدة، مشيرةً إلى أنّ إحداها كادت تصيب مسعفين كانوا متوجّهين إلى المنطقة من دون تسجيل إصابات في صفوفهم.
وترافق ذلك مع استمرار القصف وعمليات الهدم والتفجير في بلدات حدودية، ولا سيّما المنصوري، حيث نُفّذت تفجيرات وأُحرقت وهُدمت منازل، إضافةً إلى قصف مدفعي طال مناطق أخرى في الجنوب. وكان قائد "اليونيفيل" الميجر جنرال ديوداتو أبانيارا قد أشار، السبت، إلى استمرار عمليات الهدم الإسرائيلية في المنصوري، معتبرًا أنّها تشكّل انتهاكًا لقرارات مجلس الأمن.
من العبوة إلى موجة الغارات
وجاء التصعيد بعد إعلان الجيش الإسرائيلي إصابة جنديَّين بجروح طفيفة، إثر انفجار عبوة ناسفة بآلية هندسية تابعة له في جنوب لبنان.
وفي الرواية الإسرائيليّة، قال الجيش إنّ العبوة زُرعت من قبل "حزب الله" داخل ما يسمّيه "المنطقة الأمنية" التي تنتشر فيها قواته في الأراضي اللبنانية، وأعلن، ردًّا على ذلك، مهاجمة عدد من المواقع في جنوب لبنان، بينها نقاط مراقبة وبنى قال إنّ الحزب استخدمها للتحضير لعمليات ضد القوات الإسرائيلية. ولم يقدّم الجيش الإسرائيلي، في بيانه، دليلًا مستقلًّا يمكن التحقّق منه على مسؤولية الحزب عن العبوة.
كما كرّر الجيش الإسرائيلي تأكيد استمرار انتشار قواته في ما يسمّيه "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، وهو توصيف إسرائيلي لمناطق داخل الأراضي اللبنانية تسيطر عليها قواته، في وقت يدعو فيه قرار مجلس الأمن 2790 إسرائيل إلى الانسحاب شمال الخط الأزرق ورفع "المناطق العازلة" التي أقامتها شماله.
وبذلك، لا تبدو جولة السبت منفصلةً عن المسار الميداني الذي تشهده المنطقة منذ أشهر. فالضربات الجوية والهدم والتفجيرات تترافق مع تثبيت إسرائيل وجودها العسكري في مناطق داخل لبنان، بينما تحاول الدولة اللبنانية توسيع انتشار الجيش واستعادة السيطرة الأمنية على الجنوب.
من النبطية إلى الشريط الحدودي
لكنّ دلالة التصعيد تتجاوز عدد الغارات أو المواقع المستهدفة. فما يجري يعكس اتّساع هامش التحرّك العسكري الإسرائيلي على الأرض، في وقتٍ لا تزال فيه الاتصالات السياسية والدبلوماسية تبحث عن صيغة تسمح بتثبيت الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز انتشار الجيش اللبناني وحصر الأمن والسلاح بيد الدولة.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا لأنّ التصعيد يأتي بعد أيام فقط من الاجتماع الذي استضافته باريس في 17 أيلول، وتركّز على دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وتحديد احتياجاتهما، وتنسيق المساعدات الدولية المخصّصة لتعزيز قدراتهما. وأكّدت الخارجية الفرنسية، قبيل الاجتماع، أنّ أهدافه تشمل تقييم الوضع الأمني في لبنان، وتحديد حاجات المؤسّسات العسكرية والأمنية، وتنسيق دعم الشركاء الدوليين.
وفي الوقت نفسه، تناولت اجتماعات باريس السيناريوهات المطروحة لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، في ظلّ المخاوف من أن يؤدّي انسحاب القوّة الدولية إلى فراغ أمني إضافي في الجنوب. وبحسب "رويترز"، شملت المناقشات احتمالات توفير دعم دولي أو أوروبي للجيش عبر التدريب والتجهيز والاستخبارات والمواكبة، من دون أن تكون الصيغة المطروحة بالضرورة نسخةً بديلة من "اليونيفيل".
غير أنّ التطوّرات الميدانية تضع هذا التصوّر أمام معضلة مباشرة: يُطلب من الجيش اللبناني أن يصبح القوّة الأساسية المسؤولة عن أمن الجنوب، فيما لا تزال قوات إسرائيلية تسيطر على مناطق داخل الأراضي اللبنانية، وتتحرّك فيها وفق قواعد تعتبرها إسرائيل جزءًا من "منطقة أمنية" تابعة لانتشارها العسكري.
احتكاك يكشف حدود الانتشار
وجاءت حادثة دير ميماس، الجمعة، لتجسّد هذه المعضلة بصورة أكثر مباشرة.
فبحسب قيادة الجيش اللبناني، أنشأت دورية عسكرية في 10 أيلول نقطة مراقبة مؤقّتة عند أطراف البلدة، بالتنسيق مع "مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان"، بهدف مواكبة الأهالي أثناء تفقّد أراضيهم الزراعية.
وفي 18 أيلول، اقتربت قوّة إسرائيلية من النقطة وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش اللبناني إلى تعزيزها، وأدّى إلى حالة استنفار بين الجانبين. وبعد اتصالات جرت عبر مجموعة التنسيق العسكري، غادرت القوّة الإسرائيلية المكان، قبل أن يعود عناصر الجيش اللبناني إلى مركزهم الأساسي في البلدة.
الحادثة لا تقتصر على خلاف حول نقطة عسكرية صغيرة. فهي تكشف إحدى العقد الأساسية التي ستواجه أي ترتيب جديد للجنوب: كيف يستطيع الجيش توسيع نطاق انتشاره وتولّي المهام التي يُفترض أن تنتقل إليه، إذا كانت بعض المناطق التي يُطلب منه الانتشار فيها واقعةً أصلًا تحت سيطرة القوات الإسرائيلية؟
وكان الجيش اللبناني نفسه قد قال، في بيان سابق هذا الشهر، إنّ استمرار الغارات وعمليات الهدم والتفجير الإسرائيليّة يعرقل جهوده الرامية إلى إرساء الاستقرار وتنفيذ مهماته. كما سبق أن أشار إلى أنّ هذه العمليات تعيق استكمال انتشاره وتمنع عودة السكان إلى عدد من البلدات الجنوبية.
مستشفى ميس الجبل وشروط العودة
ويأخذ هذا السؤال بعدًا آخر مع الضرر الذي يلحق بالبنية المدنية والخدماتية في القرى الجنوبية.
ففي ميس الجبل، أفادت تقارير بإضرام القوات الإسرائيلية النار في المستشفى الحكومي، بعدما كانت قد استخدمت المبنى خلال وجودها في المنطقة. ويكتسب استهداف المنشآت الطبية أهمية تتجاوز الخسارة المادية المباشرة، لأنّ المستشفى يشكّل جزءًا أساسيًا من البنية التي تحتاج إليها القرى الحدودية لاستعادة الحياة الطبيعية وتمكين السكان من العودة والاستقرار.
ومن هنا، لا يعود ملف العودة مرتبطًا فقط بوقف العمليات العسكرية أو إعادة بناء المنازل، بل بشبكة كاملة من المقوّمات، من المستشفيات والمدارس والمياه والطرقات، وصولًا إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار الأمني.
وفي المقابل، يستمر النقاش الدولي حول دعم الجيش باعتباره المؤسّسة التي يُفترض أن تتوسّع مسؤولياتها جنوبًا. وهنا تظهر فجوة أساسية بين المسارين، إذ إنّ تعزيز قدرات الجيش ماليًّا ولوجستيًّا لا يحسم وحده مسألة قدرته على الانتشار في مناطق لا تزال فيها قوات إسرائيلية، ولا يعالج تلقائيًّا واقع الدمار الذي يجعل عودة السكان مرتبطةً بتسوية أمنية أوسع.
"اليونيفيل": عدّ عكسي لمرحلة مختلفة
وفي خلفية هذه التطوّرات، بدأ العدّ العكسي الفعلي لمغادرة "اليونيفيل".
فقد قرّر مجلس الأمن، بموجب القرار 2790 الصادر عام 2025، تمديد ولاية القوّة للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026. وينصّ القرار على أن تتوقّف عمليات "اليونيفيل" في ذلك التاريخ، ثم تبدأ عملية انسحاب منظّمة وآمنة على مدى عام، أي حتى نهاية 2027، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، وبهدف انتقال المسؤولية الأمنية بصورة أساسية إلى الدولة اللبنانية.
وفي هذا السياق، قال قائد "اليونيفيل" ديوداتو أبانيارا إنّ الأولوية قبل بدء الانسحاب هي ضمان "انتقال سلس" للمهام إلى الجيش اللبناني ووكالات الأمم المتحدة الأخرى أو إلى أي صيغة دولية قد تنشأ لاحقًا.
وأشار إلى أنّ القوّة تعمل بالفعل مع فريق الأمم المتحدة في لبنان لضمان استمرار المساعدات الإنسانية وتبادل المعلومات مع الجيش بشأن المناطق الحسّاسة، لكنه أقرّ بأنّ عملية التسليم ستكون معقّدة، ولا سيّما أنّ أكثر من نصف مواقع "اليونيفيل"، بحسب قوله، تقع حاليًّا في مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
وهنا تحديدًا تتقاطع أزمة "اليونيفيل" مع الوقائع العسكرية الجارية. فالقوّة الدولية لا تؤدّي وظيفة مراقبة فحسب، بل تشكّل قناة اتصال ومواكبة ميدانية وغطاءً لحركة جهات إنسانية وأممية في مناطق شديدة الحساسية. وبالتالي، فإنّ خروجها لا يعني مجرّد تخفيض عديد دولي، بل إعادة تشكيل كاملة للترتيبات الأمنية جنوبًا.
أيّ جنوب بعد "اليونيفيل"؟
لهذا، فإنّ السؤال عن اليوم التالي لـ"اليونيفيل" يصبح أكثر تعقيدًا مع كلّ حادثة جديدة.
فالسيناريو الذي تعمل عليه بيروت وشركاؤها يقوم على تقوية الجيش وتوسيع انتشاره ليصبح الجهة الأمنية الأساسية في الجنوب. لكن نجاح هذا السيناريو يرتبط، عمليًّا، بعناصر أخرى لا يملك الجيش وحده حسمها، وفي مقدّمتها الانسحاب الإسرائيلي، ووضع المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، وترتيبات الحدود، ومستقبل السلاح خارج الدولة، وآليات المراقبة والتنسيق بعد خروج القوّة الدولية.
ومن هنا، لا تبدو حادثة دير ميماس منفصلةً عن غارات النبطية الفوقا أو عمليات الهدم في المنصوري، بل تتحرّك الوقائع جميعها داخل الأزمة نفسها، أزمة تحديد شكل السلطة الفعلية في جنوب لبنان.
وبينما تناقش العواصم الأوروبية والعربية كيفية تمكين الجيش، تواصل الوقائع العسكرية رسم حدود مختلفة على الأرض. وبينما ينصّ القرار الدولي على أن تصبح الدولة اللبنانية الموفّر الوحيد للأمن في الجنوب بعد انسحاب "اليونيفيل"، تبقى أجزاء من تلك المنطقة خاضعةً لوجود عسكري إسرائيلي، وهو ما يجعل مسألة "نقل المسؤوليات" مرتبطةً قبل كلّ شيء بمصير هذا الوجود.
مفاوضات تحت ضغط الوقائع
في هذا المناخ، تتقدّم ملفات الجنوب في الاتصالات اللبنانية مع واشنطن والعواصم المعنيّة، من مستقبل المفاوضات إلى الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، ومصير "اليونيفيل"، وطبيعة أي صيغة دولية قد تليها.
ولم يعد النقاش يتعلّق فقط بموعد جولة تفاوضية جديدة، بل بالشروط الميدانية التي يمكن أن تجعل أي اتفاق قابلًا للتطبيق. إذ إنّ الحديث عن انتشار الجيش واحتكار الدولة للأمن يفترض، بالتوازي، معالجة وجود القوات الإسرائيلية داخل لبنان، وتحديد آليات تمنع تحوّل نقاط الانتشار المتقابلة إلى احتكاكات متكرّرة من نوع ما شهدته دير ميماس.
وبهذا المعنى، جاءت تطوّرات السبت لتختصر المعضلة اللبنانية في الجنوب. ففي باريس، يدور البحث حول الجيش الذي يفترض أن يتسلّم مساحةً أوسع من المسؤوليات بعد "اليونيفيل"، وفي الميدان، يتعرّض هذا الجيش نفسه لقيود تفرضها خريطة السيطرة العسكرية القائمة، فيما تستمر الغارات والتفجيرات وعمليات الهدم في البلدات التي يُفترض أن يعود إليها السكان.
وبين المسارين، الدبلوماسي والميداني، يتقلّص هامش الوقت. فموعد انتهاء عمليات "اليونيفيل" بات محدّدًا، فيما لا تزال الأسئلة الأساسية حول الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، والضمانات الدولية، ومستقبل المواجهة مع "حزب الله"، من دون تسوية نهائية.
وهكذا، لا يطرح التصعيد الأخير سؤالًا عن جولة الغارات وحدها، بل عن شكل الجنوب الذي يتكوّن تحت ضغطها، وعن قدرة المسار السياسي على إنتاج ترتيبات تسبق انتهاء دور "اليونيفيل"، بدل أن تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام فراغ دولي وواقع عسكري سبق المفاوضات وفرض شروطه على الأرض.




