كتب مستشار رئيس الجمهورية جان عزيز في موقع "Just Security" مقالاً تحت عنوان: " لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صواب رواية حزب الله" نبه فيه إلى أن إنهاء سلاح حزب الله لا يمكن أن يتم بمعزل عن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتعزيز وجود الدولة اللبنانية، واعتبر أن أن استمرار الاحتلال والعمليات الإسرائيلية يعطي حزب الله مبررًا سياسيًا للاستمرار في التسلح، مشدداً على وجوب دعم الجيش اللبناني، وإعادة الإعمار، وتقوية مؤسسات الدولة، بما يسمح للبنان باستعادة دوره الأمني والسياسي ويضعف مبررات السلاح خارج الدولة. وفي ما يلي نص المقال:
بعد بالكاد ستة أسابيع على دخول لبنان وإسرائيل في أحد أهم الاتفاقات المبرمة بينهما منذ عقود، بدأ مسار الاتفاق يتعثر بالفعل. فقد انتهت أحدث جولة من المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة في روما من دون اتفاق على توسيع "المناطق التجريبية" التي يُفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية منها ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها. وتطالب إسرائيل بأن يثبت الجيش اللبناني فرض سيطرته الفعلية على المناطق التي سبق أن سُلّمت إليه، بالتوازي مع إحراز تقدم في نزع سلاح حزب الله، قبل أن تتخلى عن مزيد من الأراضي. أما الموقف اللبناني فيقوم على أن الجيش لا يستطيع الانتشار بشكل كامل في أراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها.
وهذا يتجاوز كونه خلافاً على ترتيب الخطوات. إنه تناقض يهدد المنطق السياسي للاتفاق برمّته.
كان من المفترض أن يتيح الإطار المتفق عليه انتقالاً تدريجياً في جنوب لبنان: تنسحب القوات الإسرائيلية، ويوسّع الجيش اللبناني نطاق سلطته، ويعود المدنيون إلى مناطقهم، وتبدأ عملية إعادة الإعمار، وتعالج الدولة مسألة استمرار وجود أسلحة خارج سيطرتها. وكان يُفترض أن تجعل كل خطوة من هذه العملية الخطوة التالية أكثر قابلية للتحقق.
لكن إسرائيل تتعامل بصورة متزايدة مع الانسحاب باعتباره أمراً يتعين على لبنان أن يستحقه أولاً عبر إثبات سيطرته على أراضٍ لا يملكها بالكامل بعد. وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية. فقد قُتل جنديان إسرائيليان هذا الأسبوع في انفجار أثناء وجودهما داخل لبنان، أعقب ذلك شن إسرائيل غارات في أنحاء الجنوب؛ وسجلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) 113 مقذوفاً إسرائيلياً في يوم واحد، وهو أعلى مستوى منذ 21 حزيران/يونيو.
وهذا تحديداً هو النوع من الديناميات التي كان الاتفاق يفترض أن يضع حداً لها.
ولهذا أيضاً كانت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز/يوليو مهمة. فلم تكن أهمية الزيارة في مراسمها، بل لأنها بدت وكأنها أرست الدعم السياسي الأميركي اللازم لجعل عملية الانتقال اللبنانية شديدة الصعوبة هذه ممكنة. وقد تعهّد الرئيس دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة ستساعد لبنان بصورة كبيرة، فيما سعى عون إلى استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وإلى ممارسة ضغوط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل.
اختبار التفاهم
واليوم، يخضع ذلك التفاهم للاختبار.
يريد لبنان أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن يتولى الجيش اللبناني المسؤوليات الأمنية التي ظلت لعقود موزعة بين الدولة والجيوش الأجنبية والتنظيمات المسلحة. كما يريد معالجة مسألة سلاح حزب الله من خلال مسار يؤدي في نهاية المطاف إلى استعادة الدولة احتكار القوة المسلحة.
لكن النية السياسية وحدها لا تكفي لتحقيق هذه النتيجة. فلا يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب بصورة مقنعة من المجتمعات المحلية دعم نزع السلاح، فيما تبقى القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وتستمر العمليات العسكرية من حولها.
ومن هنا يجب أن يبدأ النقاش حول إنهاء الدور العسكري لحزب الله.
فإنهاء هذا الدور لا يعني ببساطة جمع الأسلحة. ومن الناحية السياسية العملية، يعني ذلك إنهاء الوظيفة الحمائية التي طالما قيل إن هذه الأسلحة تؤديها. ففي لبنان، لطالما برّر حزب الله ترسانته جزئياً بحجة أن الدولة عاجزة عن حماية الأراضي اللبنانية من إسرائيل أو إرغام إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة.
ومن ثم، فإن أي مسار جدي لإنهاء الدور العسكري لحزب الله يجب أن يعالج هذه الحجة، لا أن يكتفي بإدانتها.
وهذا لا يمنح حزب الله حقاً غير محدد زمنياً في الاحتفاظ ببنية مسلحة خارج سلطة الدولة. بل يعترف بأمر أكثر أساسية: إذا كانت الدولة اللبنانية تريد استبدال منطق المقاومة المسلحة بمنطق الدولة، فعليها أن تثبت أن مؤسسات الدولة قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي يقول منطق المقاومة إن الأسلحة التي يملكها حزب الله وحدها قادرة على توفيرها.
وتصبح هذه المهمة أصعب بكثير عندما يُجعل الانسحاب مشروطاً مسبقاً بإجراءات لبنانية.
ويهدد ترتيب الخطوات الحالي، بالتالي، بخلق حلقة مفرغة تعزز نفسها بنفسها. تشير إسرائيل إلى سلاح حزب الله باعتباره سبباً للبقاء. ويشير حزب الله إلى استمرار الوجود الإسرائيلي باعتباره سبباً لاستمرار التسلح. وبين الطرفين، تقف دولة لبنانية يُطلب منها تفكيك أحد طرفي المعادلة من دون أن تُمنح الوسائل لإزالة الطرف الآخر.
إذا استمر هذا الوضع، فلن يؤدي الاتفاق إلى إضعاف رواية حزب الله عن المقاومة، بل سيزوده بأدلة جديدة تعززها.
على الدولة أن تحل محل ما هو أكثر من الأسلحة
لا يمكن لأي تقييم جدي لحزب الله أن يتعامل معه بوصفه مجرد مشكلة عسكرية خارجية تغذيها أطراف ثالثة.
فقد بُنيت قدراته على مدى عقود من خلال الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي الإيراني، ولا سيما من جانب الحرس الثوري الإسلامي. وقد ربطت هذه العلاقة الأمن اللبناني باستراتيجية ردع إقليمية صيغت إلى حد كبير خارج لبنان، وغالباً ما كانت لها عواقب مدمرة على البلاد.
لكن حزب الله أصبح أيضاً متجذراً داخل المجتمع اللبناني. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، طوّر مؤسسات سياسية وشبكات اجتماعية وأنظمة للرعاية والحماية داخل مجتمعات كانت الدولة فيها ضعيفة أو غائبة في كثير من الأحيان. وقد دعم كثير من اللبنانيين، ولا سيما داخل الطائفة الشيعية، الحزب لأسباب أيديولوجية، ولكن أيضاً لأن الحزب وفّر أشكالاً من الأمن والمساعدة عجزت المؤسسات العامة عن توفيرها. وبالتالي، فإن أي انتقال جدي بعيداً عن الدور المسلح لحزب الله يجب أن يمنح مؤيديه داخل المجتمع الشيعي الثقة بأن حمايتهم ومكانتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية لن تتراجع عندما يصبح سلاح الحزب جزءاً من مؤسسات الدولة.
وقد أقرّ الرئيس عون نفسه بهذا التعقيد. وهذا أحد الأسباب التي تجعل اختزال المسألة في أمر بتسليم السلاح أمراً غير قابل للتطبيق بصورة جدية.
ويحتاج لبنان، بدلاً من ذلك، إلى عملية شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وليس الهدف الحفاظ على الاستقلالية العسكرية لحزب الله تحت اسم آخر، بل ضمان أن يؤدي إنهاء هذه الاستقلالية إلى تعزيز الجمهورية، بدلاً من إنتاج دورة جديدة من عدم الاستقرار.
ويعني ذلك إيجاد الظروف التي تستطيع فيها مؤسسات الدولة فعلياً أن تحل محل الوظائف التي أدتها الهياكل الموازية.
فالمقاتل الذي يغادر تنظيماً مسلحاً يحتاج إلى مستقبل مدني موثوق. والمجتمعات التي اعتمدت على مؤسسات مرتبطة بحزب الله تحتاج إلى خدمات عامة فاعلة وإدارة محلية قادرة على العمل. والبلدات الجنوبية التي دمرتها الحروب مراراً تحتاج إلى إعادة إعمار وفرص عمل ونشاط اقتصادي. والمواطنون الذين يُطلب منهم أن يضعوا أمنهم حصراً في يد الدولة يحتاجون إلى رؤية قدرة الدولة على حمايتهم.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل باعتباره مطلباً دبلوماسياً منفصلاً عن إنهاء الدور العسكري لحزب الله. فهو أحد الشروط التي تجعل إنهاء هذا الدور قابلاً للتطبيق سياسياً.
التزام واشنطن يجب أن يتحول الآن إلى سياسة
ولهذا أيضاً، فإن الالتزامات التي قُطعت خلال زيارة الرئيس عون إلى واشنطن أصبحت اليوم أكثر أهمية من الزيارة نفسها.
لقد حدّد لبنان الاتجاه الذي يريد أن يسلكه. فهو يريد للجيش اللبناني أن يوسّع سلطة الدولة، ويريد إخضاع الأسلحة للمؤسسات الشرعية. لكنه يفتقر إلى بعض الشروط المادية والسياسية اللازمة لاستكمال هذا الانتقال.
ويمكن للولايات المتحدة أن تؤثر في الأمرين معاً.
وينبغي الآن أن يتحول تعهّد ترامب بدعم لبنان والجيش اللبناني إلى مساعدات عسكرية وتدريب ودعم مؤسسي مستدام، يتناسب مع حجم المهام الملقاة على عاتق الجيش. فمن المتوقع أن ينتشر الجيش اللبناني في أراضٍ متنازع عليها، وأن يفرض نظاماً أمنياً جديداً، وأن يسهل عودة المدنيين، وأن يتولى في نهاية المطاف مسؤوليات كانت في السابق منوطة بحزب الله. ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد إعلان الجيش الجهة الأمنية الشرعية وانتظار أن تتبع القدرة لهذا الإعلان تلقائياً.
كما لا يمكن فصل المسألة العسكرية عن إعادة الإعمار. فقد ألحقت سنوات الصراع أضراراً بالمنازل والطرق والشركات والبنى التحتية العامة، ولا سيما في جنوب لبنان. وتحاول البلديات خدمة السكان العائدين، فيما تعمل ضمن اقتصاد لا يزال يعاني تداعيات سنوات من الانهيار المالي. وإذا كان من المتوقع أن تصبح الدولة المصدر الأساسي للسلطة في هذه المجتمعات، فعلى المؤسسات التي يلتقي المواطنون بالدولة من خلالها أن تكون قادرة على العمل.
ويتطلب ذلك تمويل إعادة الإعمار، وبلديات قادرة على أداء مهامها، وإصلاحاً اقتصادياً، ومؤسسات عامة قادرة على تقديم الخدمات من دون دفع المواطنين مجدداً إلى أنظمة من التبعية الحزبية. وهذه ليست مسائل تنموية هامشية ملحقة باتفاق أمني، بل هي عوامل تحدد ما إذا كان انتقال السلطة من حركة مسلحة قادراً على الاستمرار.
ومن ثم، فإن الدعم الأميركي للجيش اللبناني ليس سوى أحد مكونات الالتزام الذي قطعته واشنطن في تموز/يوليو. أما المكوّن الثاني فهو سياسي.
ولا يجوز السماح لإسرائيل بتحويل الانسحاب إلى مكافأة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، مقابل أداء لبناني مطلوب. فالجيش اللبناني يحتاج إلى الوصول إلى الأراضي التي يُطلب منه السيطرة عليها، والحكومة اللبنانية تحتاج إلى أن تثبت لشعبها أن اختيار سلطة الدولة يؤدي فعلياً إلى ممارسة السيادة.
لقد ساهمت واشنطن في صياغة الاتفاق تحديداً لأن أياً من الطرفين لم يكن قادراً على حل مشكلة ترتيب الخطوات هذه بمفرده. ولا يمكن لدورها أن ينتهي بمجرد توقيع الإطار.
لا يمكن لاتفاق أن يصمد من دون المعاملة بالمثل. إن المأزق الحالي بالغ الخطورة بصورة خاصة لأن لبنان يحاول تنفيذ هذا الانتقال في خضم مواجهة أوسع تشمل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ولا تزال شديدة الاضطراب.
وقد طغت الصراعات الإقليمية مراراً على السياسة اللبنانية، وهي صراعات لا يملك لبنان سيطرة تذكر عليها. وكانت عملية التفاوض الحالية بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركية، مهمة تحديداً لأنها أتاحت سبيلاً محتملاً لعزل الأمن اللبناني عن هذا النمط، من خلال إعادة قرارات الحرب والسلام والدفاع عن الأراضي إلى الدولة.
إن استمرار الوجود الإسرائيلي لفترة طويلة سيدفع لبنان في الاتجاه المعاكس.
وسيتمكن منتقدو الاتفاق من القول إن بيروت وافقت على التزامات كبيرة، فيما احتفظت إسرائيل بالسيطرة على الأراضي وبحرية العمل العسكري. وسيقول حزب الله إن التفاوض فشل في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وإن وجوده المسلح لا يزال بالتالي ضرورياً للأمن اللبناني. وستكون لدى إيران كل الحوافز لتشجيع هذا الاستنتاج.
وعندها ستواجه واشنطن نتيجة تتعارض تقريباً بالكامل مع أهدافها المعلنة: اتفاق كان يفترض أن يعزز الدولة اللبنانية ويحد من الدور العسكري لحزب الله، سينتهي بدلاً من ذلك إلى إعادة إنتاج الظروف التي تستمد منها حجة حزب الله بشأن المقاومة المسلحة قوتها السياسية.
ويتطلب تجنب هذه النتيجة معاملة بالمثل على أرض الواقع، لا على الورق فحسب.
يحتاج لبنان إلى مؤسسات أقوى، وجيش قادر، وإصلاح اقتصادي، ومسار جدي ذي ملكية وطنية لمعالجة مسألة الأسلحة الخارجة عن سلطة الدولة بصورة نهائية. وتحتاج الولايات المتحدة إلى مواصلة دعمها لهذه المؤسسات واستخدام نفوذها للحفاظ على مسار الانسحاب الإسرائيلي. وتحتاج إسرائيل إلى التخلي عن الأراضي اللبنانية، بدلاً من استخدام استمرار احتلالها ورقة ضغط لفرض نتائج سياسية داخلية في لبنان.
هذه ليست مطالب متنافسة. بل هي الشروط التي يمكن للاتفاق في ظلها أن يعمل.
طريق نحو السلام قائم بالفعل
كما ينبغي ألا يُخلط مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل برفض السلام. ولا يزال لبنان جزءاً من موقف عربي لطالما طرح مساراً تفاوضياً نحو تسوية أوسع. فقد أرست مبادرة السلام العربية، التي أُقرت في بيروت عام 2002، مبدأ تطبيع العلاقات مع إسرائيل في سياق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
ولا تكمن أهمية المبادرة اليوم في الحنين إلى وثيقة دبلوماسية كُتبت قبل نحو ربع قرن، بل في أن السلام الدائم لا يزال يتطلب معالجة مسألة الاحتلال، بدلاً من إدارتها إلى أجل غير مسمى.
ولا يمكن فصل سلام لبنان وأمنه بالكامل عن تلك التسوية الأوسع. كما لا يمكن بناء لبنان ذي سيادة على أساس دورة دائمة يُستند فيها إلى العمل العسكري الإسرائيلي لتبرير استخدام أسلحة خارج سلطة الدولة، ثم يُستند إلى تلك الأسلحة نفسها لتبرير استمرار العمل العسكري الإسرائيلي.
لقد أتاح الاتفاق الذي وُقّع هذا الصيف فرصة نادرة للبدء في تفكيك هذه الحلقة. ولم تختفِ هذه الفرصة، لكن نجاح عملية الانتقال يتطلب أن يرى اللبنانيون أن الدولة قادرة على استعادة أراضيها عبر الدبلوماسية، وحمايتهم من خلال مؤسسات وطنية، وتقديم بديل أكثر استدامة من رواية الصراع الدائم التي يسعى حزب الله إلى إعادة بنائها.




