الحكومة والبرلمان: القطوع الثاني مرّ

زينب زعيترالخميس 2026/09/17
Image-1769681022
المرحلة الحالية لا تحتمل فراغًا حكوميًا جديدًا (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

اجتازت حكومة الرئيس نواف سلام القطوع النيابي بسلام، بعد انتهاء جلسة المناقشة التي استمرت على مدى يومين في البرلمان، من دون أن تتحول الانتقادات والملاحظات التي طُرحت داخل القاعة إلى مسار فعلي للمساءلة والمحاسبة أو إلى تهديد جدي لبقائها.

إذًا، "القطوع" مرّ. ونالت حكومة الرئيس نواف سلام ثقة مجلس النوّاب، مساء اليوم، في ختام جلسة مطوّلة لمناقشة أدائها، بعدما صوّت 68 نائبًا لمصلحتها، مقابل 12 نائبًا حجبوا عنها الثقة، فيما امتنع نائبان عن التصويت، لتخرج الحكومة من اختبارها النيابي محتفظةً بالأكثريّة.

حكومةٌ جرى تعويمها بدعم واضح من رئيس مجلس النواب نبيه بري. ولم يبدأ هذا المسار داخل القاعة، بل سبق انعقاد الجلسة. فأولى الإشارات جاءت من تحويل الجلسة من جلسة استجواب إلى جلسة مناقشة، بما أفرغها عمليًا من الجزء الأهم في مضمونها: المساءلة والمحاسبة، وحوّلها إلى مساحة أوسع لتسجيل المواقف والاعتراضات، من دون أن تكون مفتوحة على نتيجة سياسية حاسمة.

ولم تكن هذه الإشارة الوحيدة. فمؤشرات عدة خلال الجلسة عكست بدورها سقفًا سياسيًا واضحًا للتعاطي مع الحكومة، جاءت متناسقة مع فرضية أخرى حضرت أيضاً في الخلفية، عبر كلمة سر خارجية مفادها أن هذه الحكومة لا يجوز أن تسقط، وأنها ورئيسها محميّان سياسيًا. 

دخلت الحكومة إلى الجلسة، والجميع تقريبًا يعرف كيف سيكون سياقها وإلى أين يمكن أن تنتهي، فجاءت النتيجة على قدر التوقعات، بلا أي مسار فعلي يضعها أمام خطر السقوط، بل تعويم جديد يترك الأسئلة مفتوحة إلى استحقاق آخر.

 

بري مدافع 

وفي إدارة هذا المسار، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري حاضرًا بوضوح. حتى في بعض لحظات السجال، ظهر بري في موقع المدافع عن رئيس الحكومة، واضعًا حدودًا لما يمكن أن تذهب إليه المسؤولية السياسية التي يحاول بعض النواب تحميلها للحكومة. وأحد الأمثلة على ذلك ما حصل خلال مداخلة النائب فريد البستاني الذي تطرق إلى وفاة مختار دير القمر، الشاب الذي لم يتمكن من الوصول إلى مستشفى دير القمر. وخلال الجلسة، سأل رئيس مجلس النواب نبيه بري عن علاقة الحكومة بوفاة المختار، فردّ البستاني قائلاً: "مات الرجل، كيف شو خصّ رئيس الحكومة؟"

حتى حلفاء الحكومة دخلوا على خط الانتقاد، لكن ضمن سقف واضح: نحن مع الحكومة، لكن لا يمكننا في الوقت نفسه تجاهل الملاحظات عليها. وبعض النواب رسموا السقف السياسي للانتقاد، كالنائب علي حسن خليل الذي أكد أنّ السلم الداخلي خط أحمر "قد نختلف في السياسة، لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى قطيعة بين اللبنانيين أو تهديد للاستقرار، فلبنان لا يُبنى بانتصار مكوّن على آخر". بينما قال رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الذي سمى نفسه "رئيس المعارضة": "لا حاجة إلى التخيّلات ونظريات المؤامرة. نحن معارضة مسؤولة ونعرف ما يسمح به وضع البلد". وأردف قائلاً: "عم نطلب نحكي هون لحتى ما نحكي بالشارع".

 

كلمة سر خارجية 

ومن المؤشرات التي لا يمكن إغفالها أيضًا كلمة السر الخارجية التي كانت حاضرة دائمًا، وتمثلت بضرورة حماية هذه الحكومة وعدم إسقاطها. وأبرزها المفتاح السعودي، عبر الأمير يزيد بن فرحان، الذي لم يوقف دعمه للحكومة، وأدار ملفها مع مختلف الأفرقاء قبيل الجلسة، ووجه رسائل حاسمة حول بضرورة استقرار الحكومة واستمرارها، باعتبار أن المرحلة الحالية لا تحتمل فراغًا حكوميًا جديدًا. 

وعلى الهامش، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بري أتاح لرئيس الحكومة نواف سلام مساحة لعرض التحديات التي تواجه حكومته في بداية الجلسة، بدل أن تكون في موقع الدفاع المباشر عن أدائها. كما حُدّدت مداخلات النواب بخمس دقائق وأُلقيت من مقاعدهم، بما عكس سقفًا واضحًا لإدارة النقاش وحدوده. ورغم أن السيناريو العام للجلسة كان متوقعًا إلى حدّ كبير، فإن ما كسر شيئًا من رتابته كان النقاشات الحادة التي شهدتها القاعة، والمواجهات التي حصلت بين عدد من النواب، والتي أعطت الجلسة بعضًا من السخونة السياسية، من دون أن تغيّر في نهاية المطاف مسارها أو نتيجتها.

 

جلسة استجواب مرتقبة؟ 

وانتهت الجلسة باستعراضات سياسية لا أكثر. ولكن في المقابل، فإنّ ما حصل يمكن قراءته على أنه تعويم جديد للحكومة، لا إغلاق لملف المحاسبة. وهذا ما أكده عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب محمد خواجة في حديث مع "المدن" إذ أشار إلى أنّ عنوان الدعوة إلى الجلسة كان من البداية مناقشة وليس الاستجواب، مشيراً إلى أنّ بري سيصدر قريباً دعوة إلى جلسة استجواب للحكومة. 

ويشرح خواجة أن جلسة المناقشة جاءت بهذا الشكل لأن 74 نائبًا كانوا قد طلبوا الكلام، فيما تبقى الدعوة إلى جلسة الاستجواب وتحديد موعدها من صلاحية رئيس المجلس، ولكن لن تكون عملياً في المدى القريب.

أما في موضوع الثقة بالحكومة، فيقول خواجة إن الحكومة لها الثقة اليوم حكماً، فالسؤال بالنسبة إليه هو "من يريد أن يغامر بالبلد ويسقط حكومة؟ وكم من الوقت سنحتاج للعودة إلى تشكيل حكومة جديدة إذا دخلنا في حكومة تصريف أعمال، فيما البلد في حالة حرب مع إسرائيل وتحت ضغوط متعددة؟". ويؤكد أن وجود اعتراضات، حتى لو كانت كثيرة، لا يعني إسقاط الحكومة، وأن النواب سجّلوا اعتراضاتهم وملاحظاتهم، فيما ستُسجّل اليوم الملاحظات التي وُجّهت إلى الحكومة، على أن يستكمل العمل داخل اللجان النيابية.

وبحسب خواجة، فإن المطلوب لاحقًا من الوزارات المعنية ومن رئيس الحكومة الإجابة عن أسئلة النواب، على أن يعود النواب في اللجان المختصة لمساءلة الوزراء عمّا فعلوه وما أنجزوه. 

أما عن الحديث عن وجود "كلمة سر" خارجية لحماية الحكومة ومنع إسقاطها، فينفي خواجة ذلك، لافتاً إلى أنّ كلمة السر الوحيدة، هي "كيف نخلّص بلدنا". ويقرّ في الوقت نفسه بوجود الكثير من الملاحظات على عمل الحكومة. وفيما يتعلق بالشارع، يستبعد خواجة هذا الخيار، محذرًا من أن "اللعب بالشارع خطير"، ومشددًا على أن الأولوية اليوم هي الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن الملاحظات عُرضت، والاعتراضات سُجّلت، لكن المنطق يقول إن إسقاط الحكومة بهذه الطريقة غير مقبول، خصوصًا في الظروف التي يمر بها البلد، على حد قوله.

 

لا قدرة على المواجهة 

من جهته، قال النائب غسان حاصباني، ردًّا على سؤال حول كيفية خروج الحكومة من الجلسة، إنّها كانت "جلسة مناقشة طبيعية وفي إطار طبيعي"، معربًا عن أمله في أن تشهد المراحل المقبلة مزيدًا من النقاشات. وأكد في حديث مع "المدن" أنّ "الحكومة ليست اليوم في خطر على مستوى الثقة"، موضحًا أنّ ما حصل كان عمليًا "عملية استماع إلى الحكومة، وفي المقابل على الحكومة أن تستمع إلى هواجس النواب والناس في الملفات التي تهمّ البلد". وبحسب حاصباني "سعى بعض الأفرقاء إلى تسجيل أهداف في المسار السياسي، ولكن لا لأن نصل إلى اسقاط الحكومة"، لافتاً إلى أنّ "الجهة التي تنادي بفشل الحكومة وعدم إعطائها بالثقة لا تمتلك الحيثية الكافية لإسقاطها أصلاً، والذين ينتقدون هم أنفسهم الذين كانوا في موقع السلطة ولم يتمكنوا من تقديم أداء مبهر عندما كانوا في الحكم". 

وحول ما إذا كانت هناك كلمة سر خارجية لحماية الحكومة ورئيسها تحديدًا، قال حاصباني إنّه لا يعتقد بوجود أي كلمة سر خارجية، معتبرًا أنّ القوى المعارضة للحكومة لا تملك اليوم القدرة على مواجهتها في الشارع، ولا توجد أجواء لدى القوى السياسية تسمح بتحريك الشارع. وأضاف أنّه في حال حصول تحركات، فإنّها ستكون ذات طابع مطلبي ومن جانب بعض الناس.

وبحسب حاصباني فإنّ "ما يجعل الحكومة ثابتة هو الحاجة إلى الاستقرار اليوم بوجود هذه الحكومة، إضافة إلى الاعتراف الدولي بها والتعاطي الإيجابي معها. وأضاف أنّ لبنان "لا يملك أصلًا القدرة اليوم على تشكيل حكومة جديدة في حال سقطت الحكومة وأصبحت حكومة تصريف أعمال"، معتبرًا أنّ الوضع الحالي "دقيق ولا يحتمل أي تأخير". وفي ما يتعلق بإمكانية عقد جلسة استجواب للحكومة في المدى القريب، قال حاصباني إنّه "من الطبيعي أن تكون هناك جلسة استجواب"، موضحًا أنّ الأسئلة التي طُرحت خلال جلسة المناقشة قد تتحول لاحقًا إلى استجواب، وفق الآليات الدستورية الواجب اتباعها.

 

هكذا اجتازت حكومة سلام القطوع النيابي، رغم سيل الملاحظات والانتقادات. لكن ما أُجّل في جلسة المناقشة قد يعود إلى الواجهة في جلسة الاستجواب المقبلة، وحينها ستتداخل مجدداً المساءلة النيابية مع المسارات السياسية والظروف الآنية التي تحكم البلد لتحديد وجهة أي استحقاق.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث