لبنان بين قنابل واشنطن واختبار باريس وانفجار الداخل السياسي

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/09/16
Image-1768995828
تبدو الدولة اللبنانية أمام سباق حقيقي: أن تبني قدرتها قبل أن يُعاد بناء المشهد حولها من دونها. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتقاطع في المشهد اللبناني اليوم ملامح "إعادة هندسة" قاسية، متعددة الجوانب والاتجاهات، قد تبدو نافرة في الجنوب، لكنها ربما تطال بنية الدولة ومؤسساتها. ويجدر النظر بدقة إلى الصفقة الهائلة التي عقدتها واشنطن مع إسرائيل، والتي تتضمن كمية هائلة من القنابل الخارقة للتحصينات، والمرجح أن يكون لبنان أبرز مكان تستخدم فيها.

وتبلغ قيمة الصفقة 2.8 مليار دولار، وتضم 20 ألف رأس حربي من طراز "آي-2000" الخارق للتحصينات. وهذه الصفقة تستبطن تحولاً نوعياً في الرؤية الأميركية لإدارة الصراع. فتزويد تل أبيب بذخائر قادرة على إحداث حفر بعمق 50 قدمًا وقتل كل ما هو حي على مسافة ألف قدم، يعني منحها "ضوءاً أخضر غير معلن" لتدمير البنى التحتية والأنفاق في لبنان.

وفي هذا المناخ، تغدو رعاية واشنطن لاجتماع السفيرين ندى معوض ويحيئيل ليتر في واشنطن مجرد "عملية تجميلية"، أو تمهيداً لجولة المفاوضات المنتظرة في تشرين الأول، وربما يكون الحراك السياسي في هذه المرحلة جزءاً من عملية ملء الفراغ السياسي حتى الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل. فواشنطن تشتري الوقت الدبلوماسي بالسفيرين، بينما تبيع الفاعلية الميدانية لإسرائيل بالرؤوس الخارقة، ما يضع المفاوض اللبناني تحت مقصلة التفاوض تحت النار والتدمير الشامل.

 

وتتجه الأنظار إلى القمة الثلاثية في باريس، الرئيس جوزاف عون، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وملك الأردن عبد الله الثاني، والمؤتمر التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي يطرح إشكالية استراتيجية حادة. فالمعطيات تشير إلى أن المؤتمر لن يكون "مهرجاناً" لتقديم المساعدات، بل هو "محطة تأسيسية لاختبار النوايا". والمجتمع الدولي يربط حجم الدعم بقدرة واستعداد القيادة العسكرية لمباشرة خطة الانتشار، وحصر السلاح، وسد المنافذ والمعابر. ولذلك، يقف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام اختبار دقيق: التمسك بحصرية السلاح ومنع الصدام الداخلي في آن واحد. وخطورة هذا المسار تكمن في أن أي إبطاء في التنفيذ بداعي تجنب الفتنة قد يُفسره الغرب كضعفٍ يُسقط مظلة الدعم، بينما أي اندفاعة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام انقسامٍ يهدد البلد.

وفي اليوم الثاني لجلسة مناقشة الحكومة، كشفت المشادات الساخنة وتراشق الاتهامات بالكذب والتخوين عن حال "عجز سياسي كامل" تمنع القوى النيابية من إنتاج رؤية موحدة للإنقاذ. فقد أظهرت المداخلات أن اتفاق الإطار تحول إلى مادة للمزايدات السياسية. وتعكس المطالبات المتقاطعة حول الكهرباء والموازنة والتنمية حال تفكك داخلي، فيما تُشكل الوفاة الثانية لسجين خلال 24 ساعة، وإصرار أكثر من 400 سجين في رومية على الإضراب عن الطعام، الوجه الأشد قبحاً للانهيار. فتعطيل قانون العفو العام وخفض العقوبات الاستثنائي عبر الطعون الدستورية والمماطلة السياسية، يحوّلان السجون اللبنانية إلى "مقابر بطيئة" تفتقر إلى أدنى المقومات الإنسانية والصحية. وبذلك، بات ملف السجون قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في أي لحظة.

 

القنابل والتفاوض: ازدواجية الضغط الأميركي

ليست المفارقة في المشهد الأميركي قائمة على اجتماع السفيرين وحده، بل في التزامن بين مسارين يكاد أحدهما يناقض الآخر ظاهريًّا: مسار تفاوضي ترعاه واشنطن، ومسار تسليحي يوسّع بصورة كبيرة قدرة إسرائيل على استخدام ذخائر شديدة التدمير.

وبحسب المعلومات الأميركية المنشورة، فإنّ الحزمة، التي لا تزال في طور البيع المخطّط له ولم تصبح صفقة نهائية مكتملة الإجراءات بعد، تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، وتشمل 20 ألف قنبلة "MK-84" زنة ألفي رطل، و20 ألف قنبلة "BLU-117"، فيما أفادت "واشنطن بوست" بأنّها تتضمّن أيضًا 20 ألف رأس "I-2000 Penetrator" المصمّم لاستهداف المنشآت المحصّنة وتحت الأرض.

هنا تحديدًا يصبح توقيت الصفقة أهمّ من أرقامها. فلا توجد معطيات أميركية معلنة تقول إنّ هذه الذخائر مخصّصة للبنان، لكنّ إدخال القنابل الخارقة للتحصينات في الحزمة يكتسب دلالة لبنانية واضحة في ضوء طبيعة العمليات الإسرائيلية الأخيرة ضد شبكات الأنفاق والبنى التحتية في الجنوب. وقبل أيام فقط، أعلنت إسرائيل تدمير شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض بطول نحو كيلومترين في مرتفعات علي الطاهر، وقالت إنّ الموقع كان يضم صواريخ ومسيّرات وذخائر ومراكز قيادة تابعة لـ"حزب الله".

وعليه، لم تعد المعادلة اللبنانية قائمة على سؤال: هل ستكون هناك مفاوضات أم حرب؟ بل على سؤال أشدّ خطورة: أيّ مفاوضات يمكن أن تجري فيما القدرة الإسرائيلية على مواصلة الحرب، أو التهديد بها، تُعزّز بالتوازي؟

 

الجنوب: الميدان يسبق طاولة التفاوض

هذه المعادلة لا تحتاج إلى كثير من التنظير في الجنوب. فالقصف والتفجيرات وعمليات النسف لم تتوقّف، فيما بقيت بلدات مثل المنصوري وبيت ياحون وعيتا الجبل وزوطر ضمن دائرة العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة، في مشهد يجعل "التهدئة" السياسية منفصلة عمليًّا عن الواقع اليومي على الأرض.

والأكثر دلالة أنّ السفير الأميركي ميشال عيسى اختار زوطر الغربية تحديدًا لجولته الأخيرة، وهي إحدى المناطق التي ارتبط اسمها بما يُسمّى "المناطق التجريبية". ومن هناك، كان في إمكانه أن يشاهد زوطر الشرقية حيث توجد قوات إسرائيلية وتستمر أعمال النسف والتفجير، في صورة تختصر تناقض المسار كلّه: الجيش اللبناني يحاول تثبيت حضوره من جهة، فيما إسرائيل تحتفظ بحرية الحركة العسكرية في الجهة المقابلة.

زيارة عيسى، بهذا المعنى، لم تكن بروتوكولية. إنها أقرب إلى معاينة أميركية ميدانية لما أُنجز من "اتفاق الإطار"، وما تعثّر منه، وما إذا كانت التجربة قابلة للتوسّع إلى بلدات ومناطق أخرى. ولذلك، فإنّ الجنوب تحوّل عمليًّا إلى مختبر لثلاثة أمور في الوقت نفسه: قدرة الجيش على ملء المساحة الأمنية، استعداد إسرائيل للانسحاب أو وقف عملياتها، وقدرة واشنطن على تحويل رعايتها السياسية إلى ضمانات قابلة للقياس على الأرض.

 

اجتماع السفيرين: إبقاء المفاوضات على قيد الحياة

في هذا السياق جاء لقاء السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر داخل وزارة الخارجية الأميركية. واستمرّ اللقاء نحو ساعتين، وتركّز، وفق المعلومات المتاحة، على آلية تنفيذ "صيغة الإطار"، ووقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب، وإمكان توسيع تجربة "المناطق التجريبية".

لكنّ السقف الحقيقي للاجتماع كان منخفضًا أصلًا. فجولة المفاوضات التي كان يفترض عقدها في روما أُرجئت إلى تشرين الأول، فيما حدّد موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، ما يجعل الأسابيع المقبلة محكومة إلى حدّ بعيد بحسابات داخلية إسرائيلية لا تسمح بسهولة بإنتاج تنازلات أو تفاهمات كبيرة.

من هنا يمكن قراءة اجتماع السفيرين باعتباره آلية لمنع موت المسار، لا لإنجاز تسوية. المطلوب أميركيًّا إبقاء الاتصال قائمًا، ومنع انهيار "اتفاق الإطار"، وتهيئة جدول أعمال الجولة المقبلة، فيما يبقى لبنان مطالبًا بإثبات تقدّم داخلي في ملف السلاح وانتشار الدولة، وتبقى إسرائيل من جهتها أمام مطالب الانسحاب ووقف الاعتداءات.

وهذه تحديدًا هي الحلقة الأصعب: لبنان يريد خطوات إسرائيلية تتيح له تسويق المسار داخليًّا، وإسرائيل تربط خطواتها بتقدّم لبناني في ملف السلاح، فيما تحاول واشنطن استخدام الضغط على الجانبين لمنع انهيار المسار. والنتيجة، حتى الآن، ليست تسوية بل إدارة للأزمة.

 

باريس: المال مقابل دولة قادرة

على الضفة الأخرى، يحمل جوزاف عون إلى باريس ملفًّا يتجاوز طلب الأسلحة والمعدّات. فالمؤتمر التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، المقرّر في 17 أيلول، صُمّم أساسًا لبحث الاحتياجات العملية والتجهيزات والتدريب وبناء القدرات وفق أولويات حدّدها الجيش، مع تعزيز قوى الأمن الداخلي بما يسمح للجيش بالتركيز على مهماته الأساسية.

لكنّ المعنى السياسي للمؤتمر أكبر بكثير من دفتر الاحتياجات. فرنسا نفسها ربطت دعم الجيش وقوى الأمن باستعادة الدولة سلطتها وسيادتها واحتكارها للسلاح، فيما أعلن عون من باريس أنّ حصر السلاح بيد الشرعية وتعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية يشكّلان أولوية وطنية.

هكذا يتحوّل المؤتمر إلى امتحان متبادل. لبنان يريد من شركائه ترجمة خطاب دعم الدولة إلى أموال وتجهيزات وقدرات مستدامة، لا مساعدات متقطّعة. والدول المانحة تريد، في المقابل، أن ترى دولة قادرة على استخدام هذه القدرات لبسط سلطتها فعليًّا.

وعون نفسه حدّد معضلته بوضوح: الدولة ماضية في قرار حصر السلاح، لكنّها لا تريد أن يتحوّل التنفيذ إلى صدام داخلي أو حرب أهلية. كما ربط التنفيذ بالقدرات المادية واللوجستية للجيش والظروف السياسية، مع تأكيد أنّ القرار اتُّخذ ولن يجري التراجع عنه.

وهنا تكمن دقّة مؤتمر باريس. فالمطلوب دوليًّا تسريع بناء الدولة، لكنّ الدولة نفسها تتحرّك داخل مجتمع شديد الانقسام، وفي ظلّ احتلال إسرائيلي وضغط عسكري متواصل. أي أنّ الجيش مطالب بأن يكون في الوقت نفسه أداة استعادة السيادة، وضامن السلم الأهلي، والقوة التي تملأ الفراغ الناتج عن أي انسحاب إسرائيلي أو تراجع لدور "حزب الله". وهي ثلاث وظائف هائلة لا يمكن تحميلها لمؤسسة عسكرية من دون شبكة دعم طويلة الأمد.

 

البرلمان: الجميع يعترض ولا أحد يملك البديل

وفي بيروت، بدت جلسة مناقشة الحكومة كأنّها المرآة الداخلية لهذه الأزمة. فبدل أن تنتج مساءلة واضحة بين أكثرية ومعارضة، كشفت الجلسة نظامًا سياسيًّا تختلط فيه المواقع إلى حدّ يصعب معه تحديد من يحاسب مَن.

سجالات علي عمّار مع بولا يعقوبيان وأشرف ريفي، والأسئلة التي وجّهها إلياس بو صعب إلى نواف سلام حول "اتفاق الإطار"، والخلافات حول السلاح والتفاوض والكهرباء والموازنة والفجوة المالية، لم تكن حوادث جانبية في الجلسة. كانت تعبيرًا عن أزمة أعمق: لا يوجد حتى الآن إجماع لبناني على تعريف المرحلة المقبلة، ولا على توزيع أثمانها ومسؤولياتها.

الحكومة تقول إنّ التفاوض هو الطريق الأقلّ كلفة، وإنّ حصر السلاح والإصلاح المالي واستعادة الثقة الدولية أجزاء من مشروع واحد. في المقابل، تعترض قوى على "اتفاق الإطار" وشروطه، وأخرى على بطء الحكومة، وثالثة على سياساتها المالية، فيما لا تبدو هناك أكثرية تريد إسقاطها أصلًا. وهكذا يصبح البرلمان مساحة لتسجيل المواقف أكثر منه مكانًا لإنتاج بديل سياسي متكامل.

 

السجون: انهيار الدولة في صورتها الأكثر قسوة

لكنّ أكثر صور العجز فداحةً لا تأتي من القاعة العامة، بل من خلف جدران السجون.

أكثر من 400 سجين في المبنى "ب" في رومية دخلوا إضرابًا عن الطعام والدواء احتجاجًا على تعليق مفاعيل قانون العفو العام وتخفيض العقوبات الاستثنائي، فيما سُجّلت وفاة ثانية خلال 24 ساعة، وخامسة خلال ثلاثين يومًا، وفق لجنة أهالي السجناء.

وبذلك، لا يعود ملف السجون شأنًا حقوقيًّا منفصلًا عن السياسة الكبرى. ففي اللحظة التي يسافر فيها لبنان إلى باريس طالبًا تمويل مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها، تكشف السجون حدود هذه الدولة نفسها: اكتظاظ، تأخّر في المحاكمات، تراجع في الرعاية الطبية، وقوانين تدخل في متاهة الطعون والتجاذبات.

المفارقة فادحة. الخارج يسأل لبنان كيف سيستعيد سيادته على الحدود، فيما الداخل يسأل كيف يحفظ حياة أشخاص موجودين أصلًا تحت سلطته المباشرة.

وهنا تكتمل صورة "إعادة الهندسة": حدود يجري رسم توازناتها تحت النار، جيش يُراد له أن يصبح مركز الثقل السيادي، تفاوض يتقدّم ويتراجع بحسب حسابات واشنطن وتل أبيب، وبرلمان يستهلك طاقته في إدارة الخلاف أكثر ممّا ينتج حلولًا له.

لبنان، بهذا المعنى، لا يقف أمام استحقاقات متفرّقة، بل أمام امتحان واحد كبير: هل يستطيع تحويل اللحظة الدولية الدافعة نحو استعادة الدولة إلى مشروع لبناني فعلي، أم يبقى مجرّد ساحة تُدار فيها المفاوضات والضغوط والتسويات من الخارج؟

فالوقت الذي تشتريه الدبلوماسية ليس مفتوحًا. وفي الجنوب، على وجه الخصوص، كلّ يوم يمرّ بلا تسوية لا يبقي الوضع مكانه، بل يسمح بوقائع جديدة أن تتراكم على الأرض. وبين صفقة قنابل بمليارات الدولارات، ومؤتمر دولي لتقوية الجيش، ومفاوضات مؤجّلة إلى تشرين الأول، تبدو الدولة اللبنانية أمام سباق حقيقي: أن تبني قدرتها قبل أن يُعاد بناء المشهد حولها من دونها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث