وصل رئيس الجمهوريّة جوزاف عون إلى باريس، اليوم الأربعاء، واضعًا حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنيّة في صلب زيارته الفرنسيّة، عشية مشاركته في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، فيما استهلّ لقاءاته باجتماع مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، تناول دعم المؤسّسة العسكريّة ومسار المفاوضات الرامي إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل.
وتكتسب زيارة عون إلى باريس بعدًا يتجاوز الطابع التقني لمؤتمر دعم الجيش، إذ تأتي فيما تربط الدولة اللبنانيّة عمليّة تعزيز المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة بمسار سياسي أوسع يقوم على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانيّة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة جنوبًا، وتعقّد مسار التفاوض، والبحث المبكر في ترتيبات مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل".
وبهذا المعنى، تبدو باريس أمام معادلة لبنانيّة واضحة: كلّما اتّسعت المهمّات المطلوبة من الجيش، من الانتشار في الجنوب إلى ضبط الحدود وحصر السلاح، ارتفعت في المقابل حاجته إلى الموارد والتجهيز والتدريب والغطاء الدولي اللازم لتنفيذها.
عون: الجيش ضمانة الدولة
ولدى وصوله إلى العاصمة الفرنسيّة، أكّد عون أنّ مشاركة لبنان في الاجتماع التحضيري تندرج في إطار التزام الدولة "ببسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد الشرعيّة"، والعمل على بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها والحفاظ على الاستقرار.
وشدّد على أنّ الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب سائر الأجهزة الأمنيّة، يشكّلون "الضمانة الوحيدة لحماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه"، معتبرًا أنّ تعزيز قدراتهم البشريّة واللوجستيّة بات "أولويّة وطنيّة قصوى"، تستوجب مساهمة الدول الداعمة للبنان.
وتتقاطع هذه الرسالة مع المسار الذي كرّسته الحكومة خلال الأشهر الماضية في ملف حصر السلاح، إذ كان مجلس الوزراء قد رحّب بالخطة التي وضعتها قيادة الجيش لتنفيذ قرار بسط سلطة الدولة بقواها الذاتيّة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعيّة، على أن ترفع قيادة الجيش تقارير دوريّة بشأن تقدّم التنفيذ.
ومن هنا، لا ينفصل مؤتمر باريس عن هذه المهمّة. فالدولة التي تطلب من الجيش توسيع نطاق مسؤولياته تحتاج، في المقابل، إلى إثبات أنّ المؤسّسة العسكريّة تمتلك الأدوات التي تسمح لها بتحويل القرار السياسي إلى قدرة فعليّة على الأرض.
ماكرون: الجنوب و"اليونيفيل" والمفاوضات
وأعرب عون عن تقديره لفرنسا لمواصلتها دعم لبنان ومؤسّساته الدستوريّة والعسكريّة والأمنيّة، معتبرًا أنّ الشراكة التاريخيّة بين البلدين تكتسب أهميّة إضافيّة في ظلّ الظروف الراهنة.
ويفترض أن يجتمع عون، غدًا، بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أن يتصدّر الاجتماع التحضيري لدعم الجيش جدول البحث، إلى جانب التطورات السياسيّة والأمنيّة في لبنان، وخصوصًا الوضع في الجنوب واستمرار الاعتداءات الإسرائيليّة على القرى والبلدات.
لكنّ جدول الأعمال يتجاوز المؤتمر نفسه، إذ أعلن عون أنّ البحث مع ماكرون سيشمل أيضًا مرحلة ما بعد انتهاء مهمّة قوّة الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان "اليونيفيل"، إضافة إلى مسار المفاوضات اللبنانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة، والتطورات الإقليميّة وانعكاساتها على الداخل اللبناني.
وتضع هذه الملفات فرنسا أمام دور يتجاوز تعبئة الدعم المالي والتقني للجيش. فالنقاش بات متصلًا بصورة مباشرة بشكل الترتيبات الأمنيّة المقبلة في الجنوب، والدور الذي ستتولّاه المؤسّسات اللبنانيّة إذا تقلّص أو انتهى الحضور الدولي الحالي، وبقدرة الدبلوماسيّة على توفير شروط ميدانيّة تسمح للجيش بالانتشار والعمل.
وكانت الرئاسة الفرنسيّة قد وجّهت إلى عون الدعوة للمشاركة في اجتماع 17 أيلول، على أن يتركّز على الموارد والمعدّات اللوجستيّة والتدريب وبناء القدرات التي يحتاج إليها الجيش لأداء مسؤولياته.
عبدالله الثاني: دعم الجيش والمفاوضات
وبعيد وصوله إلى باريس، باشر عون لقاءاته بزيارة الملك عبدالله الثاني في مقرّ إقامته، في اجتماع وضع التنسيق اللبناني، الأردني ضمن السياق الأوسع لتحرّك باريس.
وشكر عون العاهل الأردني على الدعم الذي قدّمته عمّان للجيش اللبناني، وعلى مساعيها للمساهمة في عقد المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، فضلًا عن الجسر البرّي للمساعدات الذي وفّره الأردن للبنان بعد الاعتداءات الإسرائيليّة.
كما دان عون الاعتداءات التي استهدفت الأردن، فيما أكّد الملك عبدالله الثاني استمرار دعم بلاده للبنان، وإدانته الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة، وتأييده المواقف اللبنانيّة الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار، وخصوصًا المفاوضات الجارية لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل. واتّفق الطرفان على مواصلة التنسيق والتواصل بين البلدين.
وتناول اللقاء أيضًا العلاقات الثنائيّة ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم التي أُنجزت في إطار اللجنة المشتركة العليا بين البلدين.
حصر السلاح يحتاج إلى دولة قادرة
وتبرز في خلفيّة مؤتمر باريس مفارقة أساسيّة: إذ كلّفت الدولة الجيش مهمّة متّسعة سياسيًّا وأمنيًّا، تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عند ضبط السلاح والحدود، في وقت تؤكّد فيه المؤسّسة السياسيّة نفسها أنّ إمكانات الجيش لا تزال دون حجم المسؤوليات الملقاة عليه.
ولهذا يصبح دعم الجيش، في المقاربة الرسميّة اللبنانيّة، جزءًا من مسار حصر السلاح وليس ملفًّا منفصلًا عنه.
وكان مجلس الوزراء قد ثبّت في قرارات سابقة مبدأ بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، فيما أكّد عون مرارًا أنّ تنفيذ القرار يقع على عاتق الجيش وفق الإمكانات والظروف المتاحة.
وعليه، يحمل الاجتماع الفرنسي اختبارًا مزدوجًا: للبنان، لناحية تقديم خطّة واضحة لحاجات الجيش ودوره في المرحلة المقبلة، وللدول الداعمة لناحية ترجمة تأييدها السياسي لسلطة الدولة إلى قدرات فعليّة تمكّن المؤسّسات الشرعيّة من القيام بالمهمّات المطلوبة منها.
عون يدين محاولة استهداف مكة
وفي موازاة الملف اللبناني، دخل التصعيد الإقليمي على تصريحات عون من باريس، إذ أدان ما وصفه بـ"محاولة الاعتداء الآثمة" على مكة المكرّمة، معلنًا تضامن لبنان مع المملكة العربيّة السعوديّة.
وقال إنّ استهداف الأماكن المقدّسة، أيًّا كانت الذرائع أو الحسابات السياسيّة، يشكّل تجاوزًا للقيم والأعراف الدينيّة والإنسانيّة، داعيًا إلى موقف عربي وإسلامي موحّد لمواجهة ما من شأنه تهديد أمن المنطقة واستقرارها.
وكان التحالف الذي تقوده السعوديّة قد أعلن اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة، قائلًا إنّها كانت متّجهة نحو المدينة، في حين نفت جماعة الحوثيين استهداف مكة أو المواقع الدينيّة المقدّسة.
وثمّن عون ما وصفه بيقظة القوّات السعوديّة في حماية المدينة، مجدّدًا تضامن لبنان مع المملكة قيادةً وحكومةً وشعبًا.




