سلام يرافع بالوقائع عن الحكومة: السلاح والتفاوض والإصلاحات

المدن - سياسةالأربعاء 2026/09/16
Image-1772644632
حجم الخط
مشاركة عبر

اختتم رئيس الحكومة نواف سلام جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النوّاب بمرافعة سياسيّة وإداريّة واسعة، حاول من خلالها الردّ على يومين من الانتقادات والسجالات، واضعًا أمام النوّاب معادلةً واحدة حكمت معظم كلمته: لا إصلاح اقتصاديًّا من دون دولة، ولا دولة من دون سيادة وقرار واحد وجيش واحد، ولا خروج من الحرب من دون مسار دبلوماسي يرى أنّ منتقديه لم يقدّموا حتى الآن بديلًا أقلّ كلفة منه.

ولم يكتفِ سلام بالدفاع عن حكومته، بل أعاد جزءًا كبيرًا من الاتهامات إلى إرث سياسي وإداري راكمته الحكومات والسلطات المتعاقبة، من الكهرباء والاتصالات إلى المحاصصة والتعيينات. وبين اعترافه بأنّ المفاوضات لم تحقّق أهدافها بعد، ودفاعه عن الاستجابة الاجتماعيّة خلال الحرب، وأرقامه عن عودة النازحين والكهرباء والإسمنت، انتهى إلى تثبيت وجهة حكومته: إصلاح مالي واقتصادي، حصر السلاح بيد الدولة، انسحاب إسرائيلي كامل، وإعادة إعمار، باعتبارها، وفق رؤيته، مسارات متلازمة لا ملفات منفصلة.

 

سلام: المواطن محقّ في الشكوى من غياب الدولة

بدأ سلام ردّه باعتراف واضح بحجم الهوّة بين توقعات اللبنانيّين وقدرة الدولة على تلبيتها، فقال إنّ المواطن الذي يطالب بوجود الدولة "محقّ في مطلبه"، كما أنّ من يشكو غيابها "محقّ في شكواه".

وأقرّ بأنّ سقف التوقّعات ارتفع عند تشكيل حكومته، قبل أن يصطدم بما وصفه بالواقع الصعب الذي زادت الحرب من تعقيداته، متعهّدًا بألّا يتحوّل الاعتراف بهذه الصعوبات إلى ذريعة لخيبة جديدة.

لكنّه رسم منذ البداية أيضًا حدود ردّه، مميّزًا بين الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة، وبين ما اعتبره كلامًا قيل "طلبًا للصدى لا للجواب"، في إشارة واضحة إلى السجالات السياسيّة التي رافقت الجلسة.

 

المفاوضات: "بأيّ لبنان نذهب إلى الطاولة؟"

وكان الملف السيادي في مقدّمة ردّ سلام، وخصوصًا الانتقادات التي طالت "الإطار الثلاثي" ومسار التفاوض مع إسرائيل.

فأكّد أنّ هذا الإطار "سياسي للمفاوضات"، وليس اتفاقًا أو معاهدة بالمعنى القانوني، رافضًا الطرح الذي يقول إنّ لبنان خرج من خلاله عن القرارات الدوليّة أو عن مبادرة السلام العربيّة أو ثوابته التقليديّة.

وفي المقابل، لم يحاول رئيس الحكومة تجميل حصيلة المفاوضات. فأقرّ صراحةً بأنّ "النتائج التي نريدها" لم تتحقّق بعد، إذ لم تتوقّف الاعتداءات الإسرائيليّة، ولم تنسحب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانيّة، ولا يزال أسرى محتجزين، فيما يعجز عدد من الأهالي عن العودة إلى بلداتهم وقراهم.

لكنّ سلام وضع خطًّا فاصلًا بين الإقرار بفشل تحقيق النتائج حتى الآن وبين إعلان فشل المسار نفسه، مشدّدًا على أنّ "المفاوضات لم تنتهِ بعد".

ومن هنا نقل النقاش إلى سؤال آخر: "بأيّ لبنان نذهب إلى التفاوض؟".

وبالنسبة إليه، لا تُبنى القوّة التفاوضيّة بالسلاح وحده، بل بوحدة الموقف الداخلي ووقوف اللبنانيّين خلف الدولة، وتمكين الجيش من أداء مهمّاته، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل أراضيها، فضلًا عن استعادة ثقة الدول العربيّة والدوليّة بمؤسّسات لبنان.

 

"جيش واحد"... ولا عودة إلى حروب لم تخترها الدولة

وذهب سلام إلى جوهر الخلاف السياسي حول السلاح وقرار الحرب والسلم، فقال: "لسنا شعوبًا تعيش في بلد واحد"، مضيفًا: "نريد أن نكون شعبًا واحدًا، في دولة واحدة، يحميه جيش واحد".

ورفض تقديم هذا الطرح بوصفه وجهة نظر فريق سياسي في مواجهة آخر، معتبرًا أنّه "ببساطة، فكرة الدولة".

كما رفض الاتهامات الموجّهة إلى حكومته بأنّ طلب الدعم العربي والدولي يمثّل انخراطًا في محور أو استقواءً بالخارج، مؤكدًا أنّ المقصود هو دعم الدولة ومؤسّساتها لا تمكين فريق لبناني في مواجهة فريق آخر.

وفي واحدة من أكثر فقرات كلمته سياسيّةً وحدّة، واجه سلام منتقدي خيار التفاوض بسؤال مباشر: من يملك طريقًا آخر يوقف الاعتداءات، ويحرّر الأرض، ويعيد الأسرى والأهالي إلى قراهم "بكلفة أقلّ على لبنان واللبنانيّين"، فليقدّمه.

ورفض تحميل الدولة نتائج حروب لم تكن صاحبة قرار خوضها، معتبرًا أنّ زجّ البلاد "مرّة بعد مرّة" في حروب لم تخترها، ثم تحميل الدولة مسؤوليّة النتائج عندما تحاول إخراج لبنان منها، لا يشكّل بديلًا عن الدبلوماسيّة والتفاوض.

كذلك، أقرّ سلام بالمخاوف المرتبطة بانتهاء ولاية "اليونيفيل"، معلنًا العمل مع الشركاء الدوليين لضمان استمرار حضور دولي فاعل في الجنوب يواكب الجيش ويساعد على تثبيت الاستقرار.

 

سوريا: من إدارة النزوح إلى تنظيم العودة

وفي ملف العلاقة مع سوريا، حاول سلام تقديم سياسة حكومته بوصفها انتقالًا إلى علاقة بين دولتين، تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة وعدم التدخّل، مع مراجعة الاتفاقات السابقة وتوسيع مبدأ المعاملة بالمثل.

ودافع عن الاتفاق المتعلّق بنقل سوريين محكومين في السجون اللبنانيّة لاستكمال محكوميّاتهم في سوريا، معتبرًا أنّه اتفاق قضائي شبيه بما هو قائم مع دول أخرى، وليس تنازلًا عن السيادة أو إطلاقًا للمحكومين.

أما في ملف النازحين، فاختار لغة الأرقام. إذ أعلن أنّ ما يقارب 700 ألف سوري عادوا إلى بلادهم، رابطًا ذلك بخطّة الحكومة لتسهيل العودة وتنظيمها، والتعاون مع دمشق والمجتمع الدولي، وتغيّر الظروف داخل سوريا، إضافةً إلى الحوافز التي وفّرتها المنظّمات الدوليّة.

وأشار إلى إنهاء الخلاف حول تبادل المعلومات، بحيث أصبحت البيانات المتوافرة لدى مفوضيّة اللاجئين متاحة للأمن العام اللبناني والعكس، فيما تعمل وزارة العمل بالتوازي على تنظيم العمالة السوريّة وفق حاجات السوق اللبنانيّة.

وكانت رسالته في هذا الملف واضحة: الحكومة، وفق روايتها، انتقلت من "الشعارات" حول العودة إلى محاولة إدارتها وتنظيمها.

 

الحرب والمساعدات: "عدم كفايتها لا يعني غيابها"

وردّ سلام أيضًا على الاتهامات بأنّ الدولة غابت عن اللبنانيّين خلال الحرب، ولا سيّما العائلات التي لم تدخل مراكز الإيواء.

وقال إنّ أكثر من 200 ألف أسرة حصلت على مساعدات نقديّة بلغت قيمتها 52 مليون دولار خلال الحرب، واستهدفت خصوصًا الأسر الموجودة خارج مراكز الإيواء، بالتوازي مع استمرار برنامج "أمان" في دعم نحو 107 آلاف أسرة من الأكثر فقرًا وهشاشة.

ولم يقل إنّ الاستجابة كانت كافية، بل أقرّ بالعكس، لكنه شدّد على ضرورة التمييز بين القول إنّ المساعدات لم تلبِّ كلّ الحاجات وبين الادعاء بأنّها لم تكن موجودة أصلًا.

وأعاد ضعف الاستجابة إلى محدوديّة إمكانات الدولة وإلى أن المساعدات الدوليّة نفسها لم تصل إلى مستوى الاحتياجات.

 

التعليم تحت الحرب: لا سنة ضائعة

وفي الملف التربوي، عرض سلام خطّة استثنائيّة وضعتها وزارة التربية لمنع خسارة عام دراسي بسبب الحرب والنزوح، وخصوصًا في الجنوب.

وتقوم الخطة على عودة تدريجيّة إلى التعليم الحضوري بحسب الواقع الأمني والإنشائي لكلّ منطقة، مع إمكان اعتماد التعليم عن بُعد للمدارس غير القادرة على استقبال تلاميذها، والحفاظ على الكيان الإداري والتعليمي للمدارس المتضرّرة أو المدمّرة.

كما أكّد إمكان التحاق التلميذ النازح بمدرسة رسميّة قريبة من مكان وجوده، مشدّدًا في الوقت نفسه على عدم إخراج العائلات النازحة من مراكز الإيواء قبل تأمين بديل لائق لها.

 

الإسمنت: 80 ألف طن لكبح الأسعار

وعند ملف إعادة الإعمار، نفى سلام أن تكون الحكومة تفرض قيودًا على استيراد الإسمنت أو تحمي احتكارًا.

وأوضح أنّ استيراد الإسمنت مفتوح، وأنّ المستورد من الدول العربيّة والأوروبيّة لا يخضع، وفق الحالات التي أشار إليها، لرسوم أو ضرائب، فيما يأتي الجزء الأكبر من مصر والأردن.

ومع ارتفاع الأسعار خلال الشهرين الماضيين، قال إنّ وزارة الصناعة منحت إجازات لاستيراد أكثر من 80 ألف طن من الإسمنت، بهدف زيادة العرض والحدّ من ارتفاع الأسعار.

 

الكهرباء: 24 مليار دولار وإرث عقدين

وفي الكهرباء، دخل سلام مباشرةً في مواجهة الرواية التي تحمّل الحكومة الحاليّة مسؤوليّة الأزمة.

وقال إنّ ما يدفعه اللبناني اليوم هو كلفة أكثر من عقدين من إهمال تطوير القطاع، مشيرًا إلى إنفاق أكثر من 24 مليار دولار لدعم كلفة الإنتاج، بأموال استدانتها الدولة وانتهت، بحسب قوله، من ودائع اللبنانيّين، فيما كان المواطن يدفع في الوقت نفسه فاتورتي كهرباء لبنان والمولّد الخاص.

وردّ أيضًا على المقارنات مع تجربة البواخر، معتبرًا أنّ احتساب الكلفة لا يمكن أن يقتصر على بدل الاستئجار، لأنّ الدولة كانت تشتري الفيول وتدعمه، فضلًا عن عقود التشغيل والمناقصات المؤجّلة والتلزيمات.

وشدّد على أنّ هدف حكومته ليس "إدارة العجز بصورة أفضل"، بل بناء قطاع مستدام قادر على جذب الاستثمار، وإعادة الاعتبار إلى مؤسّسة كهرباء لبنان، وتقليص الاعتماد تدريجيًّا على سوق المولّدات غير الشرعيّة.

أما في السدود، فأعلن رفض ضخّ أموال جديدة تلقائيًّا في مشاريع أُنفقت عليها مبالغ كبيرة وتحيط بها تساؤلات تقنيّة وإجرائيّة وإداريّة، قبل التحقّق من جدواها وسلامتها وإمكان استكمالها.

 

الاتصالات: من غطّى الشبكات غير الشرعيّة؟

وفي ملف الاتصالات، قال سلام إنّ الوزارة لا تبتكر سياسة خارج القانون، بل تطبّق قانون الاتصالات الرقم 431 الصادر عام 2002، إضافة إلى عقود إدارة شبكتي الخليوي التي أقرّها مجلس النوّاب.

وحوّل السؤال من سبب تطبيق القانون اليوم إلى سبب تعطيله طوال السنوات الماضية.

وأكد أنّ الحكومة تستهدف تطوير التغطية والألياف الضوئيّة والجيل الرابع، والتحضير تدريجيًّا للجيل الخامس، بالتوازي مع معالجة الشبكات غير الشرعيّة.

وسأل كيف تمكّنت هذه الشبكات من الانتشار على امتداد الأراضي اللبنانيّة خارج رقابة الدولة، ومن وفّر لها الغطاء، وما ترتّب على ذلك من خسائر ماليّة ومخاطر أمنيّة.

لكنه شدّد على أنّ المعالجة لن تكون بقطع الإنترنت عن المواطنين، بل بتوفير بديل شرعي أفضل، وتنظيم عمل المشغّلين المحليين، ثم تطبيق القانون على من يصرّ على العمل خارجه.

 

البيئة: 500 أمر تحصيل ينتظر القضاء

وفي ملف البيئة والنفايات والصرف الصحّي، قال سلام إنّ وزارة البيئة أرسلت أكثر من 500 أمر تحصيل إلى وزارة الماليّة، التي بلّغت بدورها المكلّفين المعنيّين.

لكنّ الاعتراضات المقدّمة أمام المحاكم ومجلس شورى الدولة حالت دون تحصيل الأموال حتى الآن، معتبرًا أنّ الإدارة أنجزت الجزء المطلوب منها، فيما بات الملف أمام القضاء.

 

التعيينات: سلام يفتح معركة المحاصصة

أما سياسيًّا، فربما جاء القسم الأكثر حساسيّة في حديث سلام عن التعيينات.

فقد دافع عن الآليّة الجديدة التي جعلت الكفاءة والأهليّة معيارًا أساسيًّا في اختيار المرشّحين، لكنه أقرّ بأنّها ستظلّ ناقصة ما لم تصبح القوى السياسيّة مستعدّة للمداورة في الوظائف وتجاوز القيود الطائفيّة.

وقال بوضوح إنّ معظم القوى السياسيّة اعترضت، عند لحظة التطبيق، على تخلّي طائفة عن موقع اعتادت اعتباره من حصّتها، حتى عندما يكون البديل قائمًا على الكفاءة.

ووعد اللبنانيّين بمواصلة العمل لكسر هذا الواقع تدريجيًّا، مستندًا إلى المادة 95 من الدستور التي تنصّ، في وظائف الفئة الأولى وما يعادلها، على المناصفة بين المسيحيّين والمسلمين من دون تخصيص وظيفة بعينها لطائفة محدّدة.

وبذلك، وضع سلام المسألة في مواجهة مباشرة بين خطاب تحديث الإدارة وممارسة المحاصصة: لا يمكن، وفق منطقه، المطالبة بإدارة قائمة على الجدارة، ثم التمسّك في الوقت نفسه بحجز المناصب للطوائف.

 

"وجهتنا واضحة"

وفي ختام كلمته، عاد سلام إلى ما أراد تقديمه بوصفه الخيط الناظم لسياسة حكومته كلّها.

وقال إنّ "للأدب مكانه، وللبلاغة مكانها، ولكن للوقائع أيضًا مكان لا تلغيه الاستعارات"، قبل أن يردّ على واحدة من الصور التي استخدمت خلال المناقشات بالقول إنّ المشكلة ليست "فيمن ضلّ الطريق، بل فيمن عرف وجهته، وأقنع الناس أنّه ذاهب إلى مكان آخر".

ثم أعاد رسم أولويّات حكومته: إصلاح مالي واقتصادي يحتاج إلى مواكبة تشريعيّة، بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، العمل على انسحاب إسرائيلي كامل، وإطلاق إعادة الإعمار.

وبالنسبة إلى سلام، ليست هذه الملفات خطوطًا متوازية يمكن اختيار بعضها وترك بعضها الآخر، بل شروطًا مترابطة لاستعادة الثقة وجذب الاستثمار وتحقيق النمو والإنماء المتوازن.

أما من دونها، فختم رئيس الحكومة رسالته إلى النوّاب واللبنانيّين بعبارة واضحة: "لن تنفع الوعود ولا الشعارات، ولن تكون هناك حلول سحريّة لأزمات اللبنانيّين ومعاناتهم".

 

لكنّ المفارقة بقيت معلّقة فوق المشهد كلّه: فيما كان رئيس الحكومة يشرح أمام النوّاب كيف ستعالج الدولة إرث الكهرباء، غرقت القاعة للحظات في العتمة.

وكأنّ الواقع اللبناني قرّر، هو الآخر، أن تكون له مداخلة في جلسة المناقشة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث