إسرائيل: للحزب منشآت تحت الأرض لم تعالَج شمال الخط الأصفر

المدن - سياسةالأربعاء 2026/09/16
GettyImages-1074408100.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

رفعت إسرائيل، مساء اليوم الأربعاء، سقف شروطها المرتبطة بمستقبل وجودها العسكري في جنوب لبنان، إذ أعلن مسؤول عسكري إسرائيلي أنّ دخول الجيش اللبناني إلى مرتفعات علي الطاهر لا يزال "قيد البحث على المستوى السياسي"، بالتوازي مع تأكيده أنّ القوات الإسرائيليّة ستبقى في الجنوب ما دام ما تصفه تل أبيب بـ"تهديد حزب الله" قائمًا.

ويأتي الموقف الإسرائيلي فيما تتحوّل مرتفعات علي الطاهر تدريجيًّا من ساحة عسكريّة إلى عقدة تفاوضيّة، بعدما تحدّثت تقارير إسرائيليّة خلال الأيام الماضية عن اتصالات لبحث إمكان دخول الجيش اللبناني إلى المنطقة ومحيطها، في مقابل تمسّك مسؤولين إسرائيليّين بالإبقاء عليها ضمن ما تسمّيه إسرائيل "الخط الأصفر" أو "المنطقة الأمنيّة". وكانت هيئة البث الإسرائيليّة قد تحدّثت عن انسحاب محدود من المرتفعات وإعادة انتشار باتجاه قلعة الشقيف، مع بحث إمكان دخول الجيش اللبناني إلى المنطقة.

 

إسرائيل: الانسحاب مرتبط بتغيّر الواقع الأمني

وبحسب المسؤول العسكري الإسرائيلي، فإنّ القوات الإسرائيليّة "ستبقى في جنوب لبنان إلى أن يتغيّر الواقع الأمني"، مضيفًا أنّ إسرائيل لن تنسحب "ما دام تهديد حزب الله مستمرًّا".

كما رجّح وجود مواقع ومنشآت تحت الأرض تابعة لحزب الله شمال ما تطلق عليه إسرائيل "الخط الأصفر" لم تُعالج بعد، بما يعني أنّ الجيش الإسرائيلي لا يتعامل مع العملية في علي الطاهر باعتبارها نهاية النشاط العسكري في المنطقة، بل جزءًا من مقاربة أوسع تربط أيّ إعادة انتشار بما تعتبره تل أبيب إزالةً للبنى العسكريّة للحزب.

وكان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن قبل أيام أنّ مرتفعات علي الطاهر تُعدّ، وفق التصنيف الإسرائيلي، جزءًا من "المنطقة الأمنيّة"، وربط الانسحاب من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله في أنحاء البلاد.

وفي المقابل، أفادت مصادر في "القيادة الشماليّة" الإسرائيليّة سابقًا بأنّ أي تغييرات مرتقبة في الانتشار ستكون تكتيكيّة، وتهدف، وفق الرواية الإسرائيليّة، إلى الحفاظ على ما تعتبره "إنجازًا عسكريًّا" في مرتفعات علي الطاهر.

 

الجيش اللبناني يدخل معادلة علي الطاهر

أما اللافت في الموقف الجديد، فهو التأكيد أنّ دخول الجيش اللبناني إلى علي الطاهر أصبح موضوعًا مطروحًا على المستوى السياسي، بعدما كان الملف محصورًا إلى حدّ كبير في النقاش العسكري والميداني.

وكانت وسائل إعلام إسرائيليّة قد تحدثت في 13 أيلول عن اتصالات مع الحكومة اللبنانيّة لبحث إمكان دخول الجيش إلى المرتفعات ومحيطها، وهو ما يضع المنطقة في قلب الاختبار المرتبط بتوسيع سلطة الدولة جنوبًا.

لكنّ هذا الطرح لا يعني، حتى الآن، أنّ إسرائيل وافقت على تسليم المنطقة أو الانسحاب منها بصورة نهائيّة. فعلى العكس، تظهر التصريحات الإسرائيليّة المتلاحقة أنّ تل أبيب تحاول ربط أيّ خطوة من هذا النوع بشروط أمنيّة تتصل بنزع سلاح حزب الله، وفاعليّة الجيش اللبناني، وطبيعة الانتشار في المنطقة.

وهنا تتحوّل علي الطاهر إلى نموذج مصغّر للمشكلة الأكبر في الجنوب: لبنان يريد إعادة المناطق إلى سلطة الجيش، فيما تحاول إسرائيل الاحتفاظ بحرّيّة العمل العسكري وربط الانسحاب بتقييمها الخاص لما إذا كان "التهديد" قد انتهى.

 

قائد "إيغوز" يكشف رواية المعركة

وفي السياق نفسه، نشر موقع "والا" الإسرائيلي مقابلة مع قائد وحدة "إيغوز"، العقيد "م."، قدّم خلالها الرواية العسكريّة الإسرائيليّة للعملية التي نُفّذت في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى في جنوب لبنان.

وبحسب الرواية الإسرائيليّة، وصلت الوحدة إلى علي الطاهر بعد سلسلة عمليات في الليطاني ووادي السلوقي وقلعة الشقيف، وشاركت في عمليات استمرّت أيامًا ضد منشآت تحت الأرض تقول إسرائيل إنّ حزب الله استخدمها للقيادة والسيطرة وإدارة النيران.

وتتطابق هذه الرواية في جزء منها مع ما أعلنه الجيش الإسرائيلي رسميًّا في 11 أيلول، حين قال رئيس الأركان إيال زامير إنّ قواته دمّرت بنى تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، بعد عمليات مشابهة في منطقة الشقيف. وتبقى توصيفات طبيعة هذه المنشآت وحجمها جزءًا من الرواية العسكريّة الإسرائيليّة التي لا يمكن التحقّق منها بصورة مستقلة من المصادر المتاحة.

 

غارات تمتدّ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة

وقال قائد "إيغوز"، بحسب المقابلة، إنّ وحدته دفعت باتجاه توسيع نطاق العمليات، وإنّ عناصرها نفّذوا غارات ليليّة وكمائن امتدّت، في بعض الحالات، أربعة كيلومترات إلى داخل الأراضي اللبنانيّة واستمرّت أيامًا.

وأضاف أنّ القوّات عملت ضمن تشكيلات صغيرة، مستخدمةً وسائل تمويه وتكتيكات أقرب إلى حرب العصابات، في محاولة لتقليل انكشافها أمام المسيّرات ونيران حزب الله.

ووصف المقاتلين بأنّهم أصبحوا شديدي التكيّف مع الميدان، مشيرًا إلى أنّهم باتوا قادرين على التمييز بين أصوات المسيّرات المختلفة ومراقبة التغيّرات الميدانيّة بصورة مستمرّة.

لكنّ أهمية هذه التفاصيل تتجاوز الجانب العسكري، إذ تكشف عن طبيعة العقيدة الإسرائيليّة الجديدة في الجنوب: عمليات صغيرة ومتقدّمة، تمتدّ بعيدًا عن الحدود، وتقوم على الاحتفاظ بقدرة تدخّل داخل الأراضي اللبنانيّة حتى في حال تقلّص حجم الانتشار الثابت.

 

"رأينا عيون المقاتلين"

وتحدّث قائد الوحدة عن اشتباكات مباشرة وقصيرة المدى مع عناصر من حزب الله، قائلًا إنّ جنوده وصلوا في بعض الحالات إلى مسافات قريبة جدًّا، مستخدمًا تعبير "رأينا عيون الإرهابيّين".

وادّعى أنّ الحزب حاول استخدام كثافة ناريّة كبيرة في هذه المناطق، لكنّه، وفق روايته، "مُني بهزيمة تلو أخرى".

وهذه التوصيفات، بما فيها تقييم نتائج المواجهات وحجم خسائر حزب الله، تعبّر عن الرواية الإسرائيليّة للعملية ولا تتوافر، في المصادر المنشورة، معطيات مستقلّة تسمح بتأكيدها بالحجم الذي يقدّمه الضابط الإسرائيلي.

إلّا أنّها تحمل دلالة سياسيّة واضحة، إذ تستخدم المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة نتائج عمليات علي الطاهر والشقيف لتبرير مطالبتها بإعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان قبل أيّ انسحاب كامل.

 

علي الطاهر أبعد من موقع عسكري

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق تحقيق ما وصفه بـ"السيطرة العملياتيّة" على مرتفعات علي الطاهر، فيما قالت مصادر إسرائيليّة لاحقًا إنّها لا تنوي التخلّي عن المنطقة ما لم تتغيّر الظروف الأمنيّة.

وبذلك، لم تعد المرتفعات مجرّد موقع انتهت فيه عملية عسكريّة، بل باتت ورقة متداخلة بين الميدان والمفاوضات.

فمن جهة، تبحث إسرائيل في إمكان دخول الجيش اللبناني إليها، ومن جهة ثانية ترفض تقديم التزام بانسحاب نهائي، بينما تواصل ربط أيّ خطوة بنزع سلاح حزب الله وما تعتبره إزالةً للبنى العسكريّة شمال وجنوب "الخط الأصفر".

وهذا ما يجعل ملف علي الطاهر اختبارًا مباشرًا لمسألة أوسع: هل يستطيع الجيش اللبناني أن يدخل المنطقة بوصفه السلطة الأمنيّة الشرعيّة الوحيدة، أم ستتعامل إسرائيل مع وجوده باعتباره غير كافٍ ما لم يقترن بترتيبات أمنيّة تحدّدها هي؟

 

إسرائيل ترسم أمنًا "لعقود"

وفي ختام المقابلة، ذهب قائد "إيغوز" إلى القول إنّ نتائج هذه العمليات ستؤثّر، وفق تقديره، في الأمن الإسرائيلي "لعقود مقبلة".

وهذا الخطاب ينسجم مع المواقف التي صدرت عن القيادة العسكريّة والسياسيّة الإسرائيليّة خلال الأيام الماضية، والتي لا تتعامل مع الوضع جنوب لبنان باعتباره عودةً بسيطة إلى قواعد ما قبل الحرب، بل محاولة لفرض ترتيبات أمنيّة جديدة على الأرض.

أما في المقابل، فتتمسّك الدولة اللبنانيّة بمبدأ بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها، فيما يتحوّل دعم الجيش وانتشاره إلى محور أساسي في المسار الدبلوماسي الجاري بين بيروت وواشنطن وباريس.

ومن هنا، يصبح السؤال الذي تطرحه علي الطاهر أكبر من مسألة دخول الجيش إليها أو خروج الجيش الإسرائيلي منها. فالعقدة الحقيقيّة هي من سيحدّد شروط اليوم التالي في الجنوب: الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها، أم الوقائع العسكريّة التي تحاول إسرائيل تحويلها إلى شروط تفاوضيّة دائمة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث