إسرائيل: دخول الجيش اللبناني علي الطاهر قيد البحث سياسياً

المدن - سياسةالأربعاء 2026/09/16
Image-1789590293.Jpeg
غارة استهدفت المنصوري (وسائل تواصل)
حجم الخط
مشاركة عبر

رفع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، مساء اليوم الأربعاء، سقف الموقف الإسرائيلي من جنوب لبنان، معلنًا أنّ قوّاته تعمل وفق "مفهوم عملياتي محدّث" يرتكز على وجود عسكري في مناطق داخل الأراضي اللبنانيّة، ومؤكّدًا أنّ "المعركة لم تنتهِ بعد"، وأنّ إسرائيل مصمّمة على منع حزب الله من إعادة بناء قدراته وإخلاء منطقة جنوب الليطاني من وجوده العسكري.

ولم يكتفِ زامير بتثبيت هذه المقاربة، بل وضع الجيش اللبناني في قلب الشروط الإسرائيليّة للمرحلة المقبلة، معتبرًا أنّ الوصول إلى نزع سلاح حزب الله في إطار اتفاق مع الحكومة اللبنانيّة يتطلّب من الجيش "تحسين فاعليّته بصورة كبيرة على الأرض"، في موقف يأتي فيما تتحرّك باريس لحشد الدعم الدولي للمؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة، وتحاول واشنطن منع انهيار مسار التفاوض، بالتوازي مع استمرار التوغّلات والقصف والخطف داخل الأراضي اللبنانيّة. وتأتي تصريحات زامير ضمن زيارة للفرقة 91، في وقت يؤكّد الجيش الإسرائيلي رسميًّا استمرار عمليات هذه الفرقة في ما يسمّيه "المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان".

 

زامير: "نعمل ما وراء الحدود"

وجاء كلام زامير خلال زيارة إلى مقرّ الفرقة 91، حيث اطّلع على الوضع العملياتي واستعدادات القوّات في المنطقة، برفقة قائد المنطقة الشماليّة اللواء رافي ميلو، ورئيس هيئة العمليات اللواء إيتسيك كوهين، ورئيس هيئة التخطيط اللواء هيدي زيلبرمان، وقائد الفيلق الشمالي اللواء ياكي دولف، وقائد الفرقة 91 العميد يوفال غاز، إلى جانب عدد من القادة.

وخلال الزيارة، أجرى رئيس الأركان الإسرائيلي تقييمًا للوضع العملياتي، واطّلع على قدرات قتاليّة وروبوتيّة تستخدمها وحدات جمع المعلومات ووحدة "يهلوم" وقوّات الاحتياط، قبل أن يصادق على مبادئ الخطّة الدفاعيّة في المنطقة ويوجّه إلى المحافظة على مستوى مرتفع من الجاهزيّة والتأهّب.

لكنّ البعد الأبرز في الزيارة لم يكن تقنيًّا. فقد قدّم زامير توصيفًا واضحًا للمقاربة العسكريّة الإسرائيليّة على الحدود اللبنانيّة، قائلًا إنّ الفرقة 91 تعمل وفق مناطق دفاع متقدّمة "ترتكز على وجودنا في عمق أراضي العدو، ما وراء الحدود، وفق المفهوم العملياتي المحدّث".

وهذا التوصيف يتجاوز الحديث عن عمليات عسكريّة موضعيّة، إذ يعكس مفهومًا دفاعيًّا إسرائيليًّا يقوم على نقل خطّ المواجهة إلى داخل الأراضي اللبنانيّة بدل الاكتفاء بالانتشار خلف الحدود. وكان زامير قد أعلن، في تموز الماضي، أنّ الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من الأراضي التي سيطر عليها قبل ضمان ما وصفه بـ"الأمن طويل الأمد"، فيما واصلت الفرقة 91 خلال الأسابيع الأخيرة تنفيذ عمليات داخل جنوب لبنان.

وقال زامير إنّ "المعركة لم تنتهِ بعد والتحدّيات لا تزال أمامنا"، معتبرًا أنّ الجيش الإسرائيلي أضعف حزب الله، ومؤكّدًا تصميمه على منع الحزب من إعادة بناء قوّته أو ترميم قدراته أو إعادة إنشاء بنى عسكريّة في المنطقة.

كما أعلن أنّ الهدف الإسرائيلي يتمثّل في إخلاء المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من الوجود العسكري لحزب الله، والدفع في اتجاه نزع سلاحه.

 

الجيش اللبناني في المعادلة الإسرائيليّة

واللافت أنّ زامير ربط تحقيق هذا الهدف، ضمن أيّ اتفاق مع الحكومة اللبنانيّة، بأداء الجيش اللبناني.

وقال إنّ الوصول إلى هذه النتيجة يتطلّب من الجيش اللبناني "تحسين فاعليّته بصورة كبيرة على الأرض"، في رسالة تضيف مطلبًا إسرائيليًّا مباشرًا إلى النقاش الجاري دوليًّا حول دور الجيش وانتشاره في الجنوب.

ويأتي ذلك في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات حول المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة: مطالبة لبنانيّة ودوليّة بحصر السلاح بيد الدولة وتوسيع انتشار الجيش، تحرّك فرنسي لحشد الدعم المالي واللوجستي والتقني له، وموقف إسرائيلي يشكّك في مستوى فاعليّته ويستخدم ذلك لتبرير استمرار عملياته ووجوده العسكري داخل الأراضي اللبنانيّة.

وبذلك، تبدو المعضلة أكثر تعقيدًا من مجرّد مطالبة الجيش اللبناني بالانتشار. فإسرائيل تضع معيارًا خاصًّا لفاعليّة هذا الانتشار، بينما تستمرّ، في الوقت نفسه، في تنفيذ عمليات داخل المناطق التي يُفترض أن تتوسّع فيها سلطة الدولة اللبنانيّة.

 

من الشقيف وعلي الطاهر إلى "ذراع الروبوتات"

وتطرّق زامير خلال زيارته إلى العمليات التي نفّذها الجيش الإسرائيلي في الشقيف، "البوفور" وفق التسمية الإسرائيليّة، ومرتفعات علي الطاهر، مشيدًا بالوسائل والقدرات التي استُخدمت خلالها، ومعتبرًا أنّها حسّنت الفاعليّة العملياتيّة وقلّصت المخاطر على الجنود الإسرائيليّين.

كما كشف أنّ الجيش الإسرائيلي يعتزم إطلاق ما سمّاه "ذراع الروبوتات" خلال الأشهر المقبلة، بهدف تطوير أنظمة جويّة وبحريّة وبريّة مأهولة وغير مأهولة.

وقال زامير إنّ ما عُرض خلال الزيارة "ليس سوى البداية"، معتبرًا أنّ سرعة تغيّر ساحة القتال تفرض تطويرًا دائمًا للقدرات والتكنولوجيا العسكريّة.

وبذلك، جمع رئيس الأركان الإسرائيلي في زيارته بين تثبيت المفهوم العملياتي الإسرائيلي الجديد في جنوب لبنان، وبين تقديم التكنولوجيا والأنظمة غير المأهولة بوصفها أحد العناصر التي ستسمح للقوّات بالمحافظة على هذا النمط من العمليات.

 

حلتا: التوغّل يسبق تصريحات زامير

وجاءت تصريحات زامير في اليوم نفسه الذي شهد توغّل قوّة إسرائيليّة في حلتا الفوقا التابعة إداريًّا لكفرشوبا، في تطوّر ميداني أعاد ترجمة هذا "الدفاع المتقدّم" على الأرض اللبنانيّة.

فقد توغّلت قوّة إسرائيليّة مؤلّلة في المنطقة، ونفّذت عمليات تمشيط وتفتيش وتجريف، قبل أن تفجّر منزلين يعودان إلى عبد الله حاتم عبد العال وعلي خالد عبد العال، وتخطف المواطن الخمسيني فادي عبد العال، وهو عسكريّ متقاعد في الجيش اللبناني، وتقتاده إلى خارج المنطقة.

وانسحبت القوّة الإسرائيليّة لاحقًا من حلتا، لكنّ العملية جاءت ضمن سلسلة اعتداءات متواصلة في المنطقة، شملت سابقًا توقيف رئيس بلدية كفرشوبا قاسم القادري والتحقيق معه، وتجريف أشجار زيتون، وتخريب منازل وألواح للطاقة الشمسيّة، فضلًا عن عمليات تمشيط وقصف.

وتكتسب هذه العمليات بعدًا إضافيًّا بالنظر إلى طبيعة المنطقة، إذ تضمّ حلتا الفوقا نحو مئتي منزل، ويعتمد جزء كبير من أبنائها على الزراعة وتربية المواشي، فيما تجعل التوغّلات المتكرّرة الوصول إلى الأراضي الزراعيّة ورعي المواشي أكثر صعوبة.

وهنا لا يعود الوجود الإسرائيلي مجرّد مسألة انتشار عسكري، بل يتحوّل إلى عامل يؤثّر مباشرة في قدرة السكّان على البقاء والعودة واستعادة حياتهم في المناطق الحدوديّة.

 

زيارة عيسى: هدوء مؤقّت ثم عاد التصعيد

وسبقت هذه التطوّرات زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى الجنوب، التي رافقها هدوء ميداني لافت قبل أن تُستأنف عمليات القصف والتفجير الإسرائيليّة بعد مغادرته.

وزار عيسى زوطر الغربيّة ومناطق أخرى جنوبًا، وعاين جانبًا من الأضرار التي خلّفتها الحرب، والتقى أهالي طالبوا بوقف الاعتداءات وتمكينهم من العودة وإعادة الإعمار.

وبحسب السفارة الأميركيّة، هدفت الزيارة إلى الاطلاع على التقدّم والتحدّيات في المناطق التجريبيّة، وتأكيد دعم واشنطن للحكومة والجيش في تعزيز سلطة الدولة وحماية المدنيّين وتهيئة الظروف للاستقرار.

وأبدى عيسى تعاطفه مع الأهالي الذين عانوا النزوح، فيما ارتبطت الرسائل الأميركيّة في الزيارة بتقدّم مسار حصر السلاح وتثبيت سلطة الدولة.

لكنّ الهدوء الميداني الذي تزامن مع وجوده لم يصمد بعد المغادرة، إذ عادت إسرائيل إلى عملياتها، فيما أعلنت "اليونيفيل" تسجيل آلاف الانتهاكات للقرار 1701 منذ 21 حزيران.

 

واشنطن تفاوض والميدان لا ينتظر

وفي موازاة الحركة الأميركيّة جنوبًا، حاولت واشنطن تحريك المسار السياسي من خلال اجتماع رتّبته الخارجيّة الأميركيّة بين السفيرة اللبنانيّة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، بمشاركة نائب مساعد وزير الخارجيّة الأميركي بالإنابة لشؤون الشرق الأوسط جاي منس.

إلّا أنّ مصادر لبنانيّة رسميّة قلّلت من سقف التوقّعات، مؤكّدةً لـ"المدن" أنّ موعدًا لجلسة تفاوض موسّعة جديدة لم يُحدّد بعد.

وتلقّى لبنان، وفق هذه المصادر، إشارات أميركيّة إلى صعوبة عقد اجتماع موسّع قبل الانتخابات الإسرائيليّة المقرّرة في تشرين الأوّل، ما يترك فجوة زمنيّة بين المسار الدبلوماسي والوقائع المتسارعة على الأرض.

وهنا تكتسب تصريحات زامير أهميّة مضاعفة. فبينما تنتظر المفاوضات ظروفًا سياسيّة إسرائيليّة أكثر ملاءمة لاستئنافها، يعلن الجيش الإسرائيلي أنّه يعمل وفق مفهوم دفاعي يقوم على وجود متقدّم داخل الأراضي اللبنانيّة، وأنّ "المعركة لم تنتهِ".

وبالتالي، يدخل لبنان مرحلة تفاوضية غير متوازية زمنيًّا، الدبلوماسيّة تتحرّك ببطء، فيما تتغيّر الوقائع الميدانيّة بسرعة.

 

واشنطن بين الوساطة والتسليح

ولا تنفصل هذه الصورة عن الدور الأميركي المزدوج.

فواشنطن تدير جانبًا أساسيًّا من المسار التفاوضي، وتضغط باتجاه تثبيت سلطة الدولة وحصر السلاح، لكنها تستمرّ أيضًا في دعم القدرات العسكريّة الإسرائيليّة.

وتخطّط إدارة الرئيس دونالد ترامب لصفقة ذخائر لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تتضمّن عشرات آلاف القنابل الثقيلة، بينها ذخائر زنة ألفي رطل، إضافة إلى رؤوس حربيّة خارقة للتحصينات.

وتكتسب هذه الذخائر حساسيّة لبنانيّة خاصة بالنظر إلى طبيعة العمليات الإسرائيليّة ضد الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، وإلى ما أعلنه زامير نفسه عن استمرار العمل ضدّ ما تعتبره إسرائيل بنى عسكريّة لحزب الله.

وهكذا، تظهر الولايات المتحدة في موقع الوسيط الذي يدعو إلى تثبيت الهدوء والتفاوض من جهة، والحليف الذي يحافظ على التفوّق العسكري الإسرائيلي من جهة ثانية.

 

باريس: دعم الجيش في مواجهة اتساع المهمّة

وفي الجهة المقابلة، تتحرّك باريس لحشد الدعم الدولي للجيش وقوى الأمن الداخلي، في اجتماع تحضيري للمؤتمر الدولي المخصّص لدعمهما.

ويشارك الرئيس جوزاف عون في الاجتماع إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك الأردني عبدالله الثاني، فيما يُنتظر أن يقدّم قائد الجيش العماد رودولف هيكل عرضًا للواقع الميداني ولحاجات المؤسّسة العسكريّة.

ويُفترض أن يعرض الجانب اللبناني استراتيجيّة الانتشار في الجنوب وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي وحصر السلاح بالمؤسّسات الشرعيّة، قبل الانتقال إلى تحديد حاجات الجيش من العتاد والتدريب والقدرات اللوجستيّة والتقنيّة.

وتبرز هنا المفارقة الأكثر وضوحًا بين خطاب باريس وخطاب زامير.

ففي باريس، يُبحث في كيفية تمكين الجيش اللبناني من توسيع سلطته ودوره، وفي إسرائيل يقول رئيس الأركان إنّ عدم كفاية فاعليّة هذا الجيش تشكّل جزءًا من المشكلة، فيما تواصل القوّات الإسرائيليّة عملها داخل الأراضي اللبنانيّة.

وهكذا، يصبح دعم الجيش اللبناني أكثر من مسألة مساعدات عسكريّة. إنّه جزء من اختبار سياسي كامل، هل يستطيع المجتمع الدولي أن يمنح الدولة اللبنانيّة الأدوات الفعليّة التي تسمح لها بأداء المهمّة التي يُطلب منها تنفيذها، أم يبقى ضعف قدراتها ذريعةً إضافيّة لاستمرار الوقائع الإسرائيليّة على الأرض؟

 

الجنوب بين "الدفاع المتقدّم" والدولة المنتظرة

ومع تصريحات زامير، تصبح صورة الجنوب أكثر وضوحًا وأشدّ تعقيدًا.

إسرائيل لا تتحدّث عن هدوء نهائي، بل عن "معركة لم تنتهِ"، وعن مفهوم دفاعي يقوم على العمل داخل الأراضي اللبنانيّة ومنع حزب الله من استعادة قدراته. وفي المقابل، تتحرّك الدولة اللبنانيّة نحو حصر السلاح وبسط سلطتها، وتعتمد على الدعم الخارجي لتمكين الجيش من تنفيذ هذه المهمّة.

وبين المسارين، تتعثّر المفاوضات، وتستمرّ التوغّلات، ويُخطف لبنانيون من المناطق الحدوديّة، بينما تناقش باريس كيف يمكن تعزيز قدرة الجيش على الانتشار.

والأهم أنّ زامير وضع للمرة الأولى تقريبًا في قلب هذه المرحلة رابطًا مباشرًا بين الأمرين، مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي من جهة، ومستوى فاعليّة الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله من جهة ثانية.

وهكذا، ينتقل الصراع على الجنوب تدريجيًّا من سؤال وقف النار إلى سؤال أعمق، من يرسم شكل المنطقة الأمنيّة المقبلة، وأين سيكون خطّ انتشار الجيش الإسرائيلي، وأيّ سلطة فعليّة ستملكها الدولة اللبنانيّة جنوب الليطاني؟

وفيما ينتظر المسار التفاوضي موعده المقبل، يبدو أنّ إسرائيل تعمل، ميدانيًّا، على رسم إجاباتها قبل الوصول إلى الطاولة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث