في زيارة حملت رسائل سياسية تتجاوز طابعها الميداني، زار السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى زوطر الغربية، في إطار جولته على ما يُعرف بالمناطق التجريبية. وبحسب مصادر واكبت الزيارة، ركّز عيسى في لقاءاته على الربط بين نزع سلاح حزب الله، وبدء مسار الإعمار والإنماء، والانسحاب الإسرائيلي، مع التشديد على أن يتولى الجيش اللبناني دوره كاملاً، بما يتيح الانتقال إلى منطقة تجريبية جديدة.
لم تكن الزيارة مفتوحة أمام وسائل الإعلام، كما طرأت تعديلات على برنامجها وتفاصيلها. وانطلقت الجولة من كنيسة سيدة البشارة في زوطر الغربية، التي تضررت بشكل كبير خلال الحرب، ويتخذها الجيش اللبناني حالياً نقطة عسكرية. ومن هناك، استمع عيسى من قائد الفوج العميد الركن سامر مراد إلى عرض عن واقع زوطر الشرقية المحتلة، ووضع زوطر الغربية الخاضعة لسيطرة الجيش اللبناني.
بعد ذلك، انتقل السفير إلى عبارة جسر القعقعية، الذي أنجزت وزارة الأشغال العامة الأعمال فيه، حيث التقى ممثلين عن مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال والشركة المنفذة "SDR". ووفق المعلومات، تناول اللقاء المناطق التي قد تُدرج ضمن المناطق التجريبية، إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
مصادر مواكبة للجولة صرحت لـ"المدن" إنه حين سُئل عيسى عن احتمال الانتقال إلى منطقة تجريبية جديدة، أجاب: "حين يقوم الجيش اللبناني بكامل دوره، يتم الانتقال نحو منطقة تجريبية جديدة".
أبعدوا حزب الله عن زوطر
وبدت الزيارة شديدة الحساسية. حاول المنظمون الحد من حضور الإعلام إلى أقصى درجة، فيما مُنع أهالي زوطر الغربية من التقاط الصور، وسط إجراءات أمنية مشددة اتخذها الجيش اللبناني.
في زوطر الغربية، جارة زوطر الشرقية المحتلة، حيث كانت المسيّرات الإسرائيلية تحلّق فوق المنطقة، التقى عيسى رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين، ومدير مكتب مجلس الجنوب في النبطية يوسف مهدي، وممثلاً عن مجلس الإنماء والإعمار.
بحسب مصدر متابع، كان الحديث في هذا اللقاء مباشراً. ويقول لـ"المدن" إن "السفير عيسى كان واضحاً: أبعدوا حزب الله عن زوطر لتنطلق رحلة الأعمال والإنماء، وأكثر من ذلك، ربط السلاح بكل شيء".
ويضيف المصدر أن عيسى شدّد على وجود "حلول وانسحابات" لكنه قال إن "كلها تحتاج إلى وقت، والمسألة ليست بكبسة زر، هي تحتاج إلى كثير من الأمور".
في المقابل، رأى المصدر أن هذا الطرح كان يهدف إلى دفع الأهالي إلى تحميل حزب الله مسؤولية استمرار الوضع القائم، قائلاً إن "السفير أراد من كلامه تأليب الناس على بعضهم وخلق فتنة بين الأهالي، لكنه سمع جواباً شافياً من الحضور".
ويلخّص أحد أبناء زوطر الغربية ما فهمه من الزيارة بالقول: "أبعدوا السلاح يأتي الانسحاب". ويضيف: "السفير جاء ليخبرنا بهذه الخلاصة. طرح إمكانية التوصل إلى حلول وانسحابات واستقرار، لكنه ربطها جميعاً بحزب الله".
الأمن والأمان والانسحاب الإسرائيلي
حاول إحسان ياغي، أحد أبناء زوطر الغربية، مقابلة السفير عيسى، إلا أن مرافقيه منعوه من ذلك. ويقول لـ"المدن": وددت أن أقول له إننا نريد الأمن والأمان، وإننا تعبنا من الحروب. ما نريده هو انسحاب إسرائيلي لنعيش حياتنا ونعمر منازلنا. الشتاء على الأبواب".
ويضيف: "طلبنا أن يبقى هنا لتتوقف الانتهاكات الإسرائيلية ورشقات الرصاص تجاهنا. لكنه ما إن غادر حتى تحركت الآليات العسكرية في زوطر بقوة، وعدنا نسمع أصوات القصف المدفعي والتفجيرات. أردنا الأمان، لكن الرد الإسرائيلي كان سريعاً: تحركات مكثفة".
لم تغادر المسيّرات الأجواء، فيما حلّق الطيران الحربي على علو منخفض بالتزامن مع الزيارة. وفي نظر عدد من الأهالي، بدت الرسالة التي حملها السفير واضحة: أمن المنطقة واستقرارها مرتبطان بإبعاد حزب الله وسلاحه.
ويقول أحد أعضاء بلدية زوطر الغربية، الذي مُنع بدوره من لقاء عيسى، لـ"المدن": "حاولت أن أتحدث معه، لكنني مُنعت. هناك صاروخ في منزلي، صناعة أميركية، دمّر بيتي، لكنه جاء ليقول: لا أمن إلا بإبعاد السلاح".
حياة الزوطرين معلّقة ببعضها
من جهته، قال رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ"المدن" إنه طلب من السفير "الأمن والاستقرار وانسحاب العدو من كامل زوطر الغربية ومن جارتها زوطر الشرقية، لأن حياة الزوطرين معلّقة ببعضها"، مضيفاً أنه سأله: «هل تستطيعون تأمينه بشكل أفضل؟".
ويشرح عز الدين: "لدينا عائلات في زوطر الغربية، لديها أطفال ونساء وعجّز، لا تنام من أصوات التفجيرات. نحن الآن نقف والطيران المسيّر فوقنا، والعدو على بعد أمتار منا".
ويتابع: "ممرّنا الأساسي إلى النبطية هو زوطر الشرقية ـ النبطية الفوقا، وهي محتلة. ما مصيرها؟ أعطونا أملاً. هل نتفاءل بانسحاب قريب؟".
وبحسب عز الدين، "لم يكن هناك جواب قاطع. أخذنا تفاؤلاً، لكن لا شيء كان مقنعاً في حديثه".
ويلفت إلى أن هدف الزيارة كان "تفقّد المنطقة التجريبية ورؤية الواقع عن كثب، مشيراً إلى أن الأهالي عرضوا أمام السفير "الكثير من مقومات الحياة التي نحتاج إليها".
وفي خلاصة ما خرج به من اللقاء، يقول عز الدين إن "الملفات باتت جاهزة للإنجاز، لكنها تحتاج إلى بعض الوقت".
زيارة مكشوفة الرسائل
تبدو زيارة السفير الأميركي إلى زوطر الغربية جزءاً من مسار أكبر يتقاطع فيه الأمن مع الإعمار والإنماء والانسحاب الإسرائيلي. لكن ما إذا كان هذا المسار سيقود فعلاً إلى انسحابات واستقرار، أم أن المنطقة ستبقى عالقة في دائرة التصعيد، يبقى رهن التطورات المقبلة.
في زوطر، حيث يفصل بضعة أمتار بين الأهالي والاحتلال، لا تبدو المسألة بالنسبة إلى السكان مرتبطة فقط بمن يحمل السلاح، إنما أيضاً بمن يملك القدرة على وقف النار، وتأمين الانسحاب، وإعادة الحياة إلى قرية أنهكتها الحرب.




