تعبت بيروت من الحروب على مدى سنوات طويلة، ودفعت من أبنائها وأحيائها وذاكرتها ثمناً باهظاً، لا تزال تستشعر أحياناً صوت الرصاص في أزقتها، كأن المدينة لم تتعلم بعد أن الرصاصة لا تميز بين خصم وصديق، ولا بين شارع وآخر، ولا بين من كان طرفاً في الخلاف ومن وجد نفسه فجأة في قلبه.
في العاصمة، حيث يفترض أن يكون القانون هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، يكفي خلاف عابر كي يتحول الشارع إلى ساحة مواجهة، وتتحول لحظة غضب إلى مأساة لا يمكن التراجع عنها. السلاح المتفلت لا يهدد الأمن فقط، بل يزرع الخوف في نفوس الناس، ويجعل المواطن يتساءل: هل ما زال بإمكانه أن يعيش في مدينته آمناً من رصاصة قد تأتيه من خلاف لا علاقة له به؟
المشكلة لم تعد في وجود السلاح وحده، بل في سهولة إخراجه واستخدامه، وفي تحوّل الخلافات الشخصية والعائلية إلى مواجهات مسلحة، وكأن حياة الإنسان أصبحت أهون من لحظة غضب. وبينما تتحدث الدولة عن تعزيز الأمن وفرض هيبتها، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه في الشارع: إلى متى يستطيع السلاح أن يسبق القانون؟
ولعل ما جرى في برج أبي حيدر السبت الفائت ليس مجرد حادث أمني عابر، خلاف سابق انتهى بإطلاق النار، فسقط قتيلان وأصيب آخر بجروح خطيرة، ومن بين الضحايا أبو جمال سعدو، مسؤول "تيار المستقبل" في المنطقة، في مشهد أعاد إلى بيروت هاجساً قديماً: ماذا لو كان الرصاص هو اللغة التي تحسم الخلافات؟
من برج أبي حيدر، لا يبدو السؤال اليوم عن حادثة انتهت، بل عن ظاهرة يجب أن تنتهي: السلاح المتفلت في بيروت… إلى متى يبقى المواطن رهينة رصاصة لا يعرف من أين تأتي؟
ومتابعة لهذا الملف استوضح موقع "المدن" رأي نائب بيروت ابراهيم منيمنة الذي قال: "مع الأسف فإن السلاح الفردي لا يزال منتشراً بين الناس وكأن الأمر بات آفة وظاهرة اجتماعية، ومن السهل استقدام السلاح من السوق السوداء على الرغم من ارتفاع ثمنه، وهناك إحساس لدى شريحة كبيرة من الناس بعدم الاطمئنان لوجود "دولة" فيتم استعمال السلاح إما للحماية الشخصية أو للاستقواء على الآخرين وكأن شَهْر السلاح أصبح أمراً عادياً".
يتابع منيمنة: "إن ضبط السلاح الفردي داخل العاصمة بيروت يبدأ من خلال التشدد بالقوانين والعقوبات من جهة ومتابعة المتاجرين بالسلاح من جهة أخرى، ونحن في مجلس النواب نسعى لتشديد القوانين والمحاكمات بلا أي تدخلات سياسية".
يختم: "إن العقوبات الحالية غير رادعة ولنا في ما جرى سابقاً أمثلة كثيرة، فبمجرد أن يسلّم الموقوف سلاحه يخرج من السجن وهذا الأمر أشبه بالتسوية، وللأسف هذا أصبح شائعاً في القضاء.. على الرغم من وجود عقوبات في القانون ولكن لا يتم تطبيقها وهذا ما يصنع حلقة مفرغة لا يتم كسرها والسيطرة عليها إلا بوجود الدولة وفرض الهيبة وتطبيق القوانين على الجميع بلا استثناء".
إذن السلاح المتفلّت ليس مسؤولية الأفراد وحدهم، وإن كان حاملوه يتحملون مسؤولية أفعالهم، فالمسؤولية الأكبر تقع على الدولة التي يفترض أن تحتكر القوة وتفرض القانون على الجميع من دون استثناء، لا يمكن بناء دولة قوية فيما يبقى السلاح حاضراً في الأحياء، ولا يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون إذا كان يرى بأُم عينه أن الرصاصة قد تكون أسرع من العدالة.
وما جرى في برج أبي حيدر، وسقوط أبو جمال سعدو وربيع المصري، ليس حادثاً ينبغي أن ينتهي بانتهاء مراسم التشييع أو توقيف المتورطين، بل جرس إنذار جديد أمام الدولة، فكل رصاصة طائشة أو مواجهة مسلحة داخل العاصمة تطرح السؤال نفسه: أين هي قدرة الدولة على منع السلاح من الوصول إلى الشارع قبل أن يسقط قتيل جديد؟
مسؤولية الدولة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها، تبدأ بمنع حمل السلاح غير المرخص، وتطبيق القانون على الجميع، وملاحقة مطلقي النار، ومنع تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات نفوذ، وترسيخ قناعة لدى المواطن بأن لا حماية له ولا حق له ولا أمن له خارج مؤسسات الدولة.




