الحكومة تترنّح أمام "فشة الخلق" النيابية: هل تسقط؟

نغم ربيعالثلاثاء 2026/09/15
مجلس نيابي (مصطفى جمال الدين)
سجل نحو 65 نائباً أسماءهم للكلام، في رقم يعكس حجم الملفات التي ستُفتح تحت قبة البرلمان (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

يعقد مجلس النواب جلسة يومي الثلاثاء والأربعاء لمناقشة سياسة الحكومة، على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، في ثاني امتحان من هذا النوع منذ تشكيلها. وبما أنّ الجلسة علنية وستُنقل مباشرة على الهواء، فقد تحوّلت إلى مساحة تستعد الكتل والنواب لاستثمارها سياسياً، وطرح مواقفهم واعتراضاتهم أمام الحكومة والرأي العام، كلٌّ من موقعه وحساباته.

ووفق معلومات "المدن"، سجّل نحو 65 نائباً أسماءهم للكلام، في رقم يعكس حجم الملفات التي ستُفتح تحت قبّة البرلمان، كما يعكس رغبة نيابية واسعة في استغلال الجلسة العلنية لتسجيل المواقف والرسائل، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والمعيشية والأمنية الراهنة.

وعليه، لا تبدو الجلسة أقرب إلى نقاش هادئ في أداء الحكومة بقدر ما تبدو عراضة نيابية واسعة لـِ "فشة الخلق" وتسجيل النقاط السياسية، قبل أن تعود الأمور إلى سقف التوازنات التي تحكم بقاء الحكومة.

 

عراضة نيابية تحت سقف الحكومة

ستتعرض الحكومة خلال يومين لسيل من الانتقادات. وسيجد كل نائب في الجلسة فرصة لتسجيل موقف في مرمى السلطة التنفيذية، خصوصاً أن توقيتها يأتي في لحظة تتقاطع فيها مجموعة من الأزمات: الجنوب تحت النار، والموازنة على الأبواب، وملف إعادة الإعمار لم يُحسم مساره، وأزمة النازحين مستمرة، فيما بدأ العام الدراسي وسط أزمات متراكمة، ولا تزال الكهرباء في صدارة الشكاوى، تضاف إليها الضرائب وارتفاع الأسعار وما تفرضه من أعباء إضافية على اللبنانيين.

بمعنى آخر، ستجتمع معظم أزمات البلد تحت قبّة البرلمان خلال يومين، وسيكون على الحكومة أن تدافع عن أدائها في ملفات تتجاوز في بعضها قدرتها التنفيذية المباشرة، لكنها في نهاية المطاف تتحمل مسؤولية إدارتها أمام المجلس النيابي والرأي العام.

ومن هنا، يمكن أن تتحول الجلسة إلى ما يشبه جردة حساب نيابية للحكومة. لكنها، في الوقت نفسه، لن تكون جلسة لإسقاطها، وفق المعطيات السياسية المتوافرة. فالحكومة، رغم كل ما يحيط بها من اعتراضات وانتقادات، لا تزال محكومة بتوازنات داخلية وخارجية تجعل إسقاطها أمراً غير مطروح جدياً.

 

بري يهزّ العصا... ولا يسقط الحكومة

فبري، الذي يملك موقعاً أساسياً في المعادلة السياسية والنيابية، يستطيع عبر المجلس رفع منسوب الضغط على الحكومة، وفتح الباب أمام النواب لطرح الملفات واحداً تلو الآخر، والحكومة ستهتز سياسياً خلال هاتين الجلستين، لكنها لن تسقط. فكل موازين القوى لا تسمح بإسقاط الحكومة، ولا قرار داخلياً أو خارجياً بإسقاطها.. فثمّة قرار إقليمي ودولي بحمايتها والإبقاء عليها، وفي مقدمته الدعم السعودي لرئيس الحكومة نواف سلام، وهذا ما يجعل الذهاب إلى إسقاطها في هذه المرحلة أمراً بالغ الصعوبة. 

وهذا ليس جديداً على تجربة سلام. ففي الامتحان السابق للثقة، ارتفعت الأصوات المهددة بحجبها، قبل أن تنتهي الجلسة بمنح الحكومة ثقة واسعة. واليوم، يبدو السؤال مشابهاً: هل يعاد إنتاج السيناريو نفسه؟ أي أن تُستخدم جلسة المناقشة لتوجيه رسائل قاسية إلى الحكومة، ورفع منسوب الضغط عليها، قبل أن تنتهي بتجديد الثقة بها؟

 

حكومة تضمّ معظم الخصوم

المفارقة الأساسية أن الحكومة الحالية ليست حكومة لون سياسي واحد. معظم الكتل النيابية ممثلة فيها، باستثناء "التيار الوطني الحر". وبالتالي، فإن قسماً كبيراً من النواب الذين سيصعدون إلى المنبر لانتقاد الحكومة هم، في الوقت نفسه، ممثلون فيها أو داعمون لها. وبالتالي النواب سيرشقون الحكومة بالحجارة من داخلها.

أما "التيار الوطني الحر"، غير الممثل في الحكومة، فيملك هامشاً أوسع للمعارضة. وبحسب معلومات "المدن"، يستعد التيار لفتح مجموعة واسعة من الملفات المعيشية والأمنية، مع تركيز خاص على الكهرباء.

ومن المتوقع أن يقدم رئيس التيار النائب جبران باسيل جردة حساب لأداء الحكومة، وأن يصوّب بصورة أساسية على وزراء "القوات اللبنانية" في ملف الكهرباء، في ظل التقنين الحاد وتفاقم الأزمة. 

 

القوات في مواجهة باسيل... وحزب الله في قلب المشهد

في المقابل، لن تترك "القوات اللبنانية" انتقادات باسيل تمر من دون رد. لكن خطابها لن يتوقف عند الكهرباء. فالقوات، بحسب المعطيات، ستعيد وضع ملف حصر السلاح في صدارة النقاش، وستوجه أسئلة حول كيفية تعاطي الحكومة مع هذا الملف، وحول مسؤولية حزب الله في دفع البلاد إلى مواجهات حربين، إضافة إلى مواقفها من بقاء السفير الإيراني في لبنان.

ومع ذلك، ستبقى القوات في موقع منح الثقة لحكومة سلام، حتى مع تسجيلها اعتراضات وانتقادات على أدائها.

أما النواب المستقلون و"التغييريون"، فمن المتوقع أن يرفعوا سقف المطالبة بتنفيذ خطة الدولة لحصر السلاح، وتعزيز حضور الجيش اللبناني، ولا سيما في الجنوب، وصولاً إلى طرح فكرة إعلان المناطق التي تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية خالية من السلاح. 

 

الثنائي يرفع عنوان "الشراكة"

في المقابل، يدخل "الثنائي الشيعي" إلى الجلسة بخطاب سياسي واضح. فحركتا "أمل" و"حزب الله" أكدتا، في بيان مشترك، ضرورة تحصين الساحة الداخلية وصون السلم الأهلي، وتسريع مسار إعادة الإعمار وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، إلى جانب معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.

الأهم في البيان أنه جاء في لحظة تتزايد فيها التسريبات عن محاولات لإسقاط الحكومة، بالتزامن مع الحديث عن تحركات يجري التحضير لها أمام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

في هذا السياق، أراد الثنائي أن يرفع عنواناً واضحاً أن الشراكة الوطنية والعيش المشترك خط دفاع عن لبنان، والسلم الأهلي خط أحمر.

رفض الثنائي أي مقاربة تقوم على الإقصاء أو الغلبة أو فرض الوقائع، ودعا إلى إبقاء الخلافات في إطارها السياسي والدستوري، ومعالجة الملفات الخلافية بالحوار والمؤسسات، بعيداً عن التحريض والتوتير.

لكن الرسالة لم تتوقف عند الجانب السياسي. فقد شدد "أمل" و"حزب الله" على أن إعادة الإعمار وتعويض المتضررين وعودة الأهالي ليست ملفات مؤجلة، بل أولوية وطنية، داعيين الدولة إلى تحمل مسؤولياتها والاستفادة من الدعم العربي والدولي المتاح.

 

الجنوب في صلب كلمة "أمل"

وبحسب معلومات "المدن"، فإن نواب حركة "أمل" سيولون ملف الجنوب اهتماماً أساسياً، مع التركيز على الاحتياجات والضروريات والقرارات التي يمكن أن تخفف الأعباء عن الأهالي، في ظل استمرار الاعتداءات وتداعياتها.

وبحسب المعلومات سيؤكد نواب الحركة منح الحكومة الثقة، باعتبار أن "أمل" جزء منها، وأن التعاطي معها بمنطق التشفي ليس مطروحاً. فالحفاظ على الحكومة، وفق هذه المقاربة، يبقى ضرورياً في المرحلة الحالية. 

ومن المتوقع أن يركز نواب "حزب الله" على ملف الجنوب وتداعيات الحرب، مع التشديد على ضرورة الإسراع في إعادة الإعمار وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم. كما يُرتقب أن يرفعوا سقف الاعتراض على مسار المفاوضات المباشرة.

ويعكس هذا الموقف معادلة الثنائي في التعاطي مع الحكومة: رفع مستوى الضغط السياسي عليها، من دون الذهاب إلى خيار إسقاطها. فالثنائي ممثل داخل الحكومة، وبالتالي فإن أي مواجهة معها تبقى محكومة بسقف الحفاظ عليها، والمطلوب دفعها إلى تحمّل مسؤولياتها في الملفات التي يعتبرها الثنائي أولوية، وفي مقدّمها الجنوب وإعادة الإعمار.

 

هل تنفجر الجلسة؟

المسألة الأكثر إثارة للاهتمام ستكون في شكل الجلسة لا في نتيجتها فقط. جلسة علنية، أكثر من ستين نائباً على لائحة الكلام، ملفات شديدة الحساسية، وضع أمني متوتر في الجنوب، وانقسام سياسي حول السلاح ودور حزب الله ومسؤولية الدولة. كل ذلك يجعل احتمالات السجالات والاشتباكات الكلامية مرتفعة.

قد ترتفع النبرة، وقد تتبادل الكتل الاتهامات، وقد يتحول النقاش من مساءلة الحكومة إلى محاكمة سياسية متبادلة بين القوى. وفي لحظة ما، قد يجد رئيس المجلس نفسه مضطراً إلى التدخل وقطع البث أو وقف الجلسة إذا تجاوز السجال الحدود المعتادة.

لكن اللبنانيين اعتادوا هذا النوع من المشاهد. فالمجلس النيابي، في مثل هذه المحطات، يتحول إلى مرآة للانقسام السياسي أكثر مما يكون مساحة لحسمه.

وفي النهاية، قد تخرج الحكومة من الجلسة مهزوزة سياسياً، لكن باقية. وقد يكون هذا تحديداً هو الهدف الحقيقي من جلسة اليومين: أن يسمع الجميع ما لدى الجميع، أن تسجل القوى مواقفها، وأن تهتز الحكومة تحت ثقل الانتقادات، من دون أن تسقط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث