في واحد من أخطر المواقف الموجهة إلى "حزب الله"، قال بنيامين نتنياهو اليوم: "سياستنا واضحة. سنواصل تدمير البنى التحتية في المنطقة الأمنية في لبنان، وإزالة كل تهديد عن دولة إسرائيل. وإذا لم تكونوا قد استوعبتم الدرس حتى الآن، وقررتم مهاجمتنا مجددًا، فستتلقون ضربات أشد بكثير. لا يزال هناك عمل يتعين إنجازه، وبمشيئة الله سنستكمله". هذا الموقف ينطلق مما قاله وزير الأمن يسرائيل كاتس عن التمسك بالمنطقة الأمنية في لبنان إلى أن ينزع سلاح حزب الله من لبنان بكامله، لكنه يهدد بأن لا حدود لهذه المنطقة، بالمفهوم الإسرائيلي.
في ظل هذه المواقف الإسرائيلية، ووسط التصعيد العسكري الإسرائيلي العنيف والمستمر في الجنوب، تتجه الأنظار الدبلوماسية والأمنية نحو الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، الذي بات على وشك الانعقاد في إطار التنسيق بين باريس وبيروت والعواصم الفاعلة، وسط ظروف ميدانية وسياسية دقيقة. ويفترض أن يشهد المؤتمر اجتماع قمة يجمع رئيس الجمهورية جوزاف عون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني عبد الله الثاني. وتهدف هذه القمة إلى توفير تغطية سياسية لنتائج المؤتمر. ويتوقع أن تشارك في جلسة التحضير نحو 15 دولة غربية وعربية، ويحضره قائد الجيش وممثلو الأجهزة الأمنية اللبنانية.
وتتلخص احتياجات الجيش والمؤسسات الأمنية التي يحملها الوفد اللبناني إلى باريس في نقاط عدة أساسية: الأولى هي تجهيز العتاد واللوجستيات، من خلال الحصول على آليات نقل وأجهزة اتصالات متطورة ومعدات حماية ومسح ميداني تمكّن المؤسسة العسكرية من تعزيز انتشارها. وكذلك في مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها المؤسسة العسكرية لضمان جاهزية العناصر والأفراد واستقرارهم. ويركّز المسعى الفرنسي على ضم قوى الأمن الداخلي إلى مظلة الدعم، بهدف تمكينها من ضبط الأمن الداخلي وحفظ الاستقرار في الداخل، ما يفرّغ الجيش لمهامه الحدودية.
وتشير التقديرات الدبلوماسية إلى وجود اتجاه أميركي لربط حجم المساعدات ونوعيتها بمدى قدرة الدولة والجيش اللبناني على تنفيذ التزامات سحب السلاح وبسط السلطة الشرعية حصراً، وحظر أي ظواهر مسلحة خارج إطار الدولة. ويُقرأ التحرّك الفرنسي المكثّف كرغبة من باريس لتثبيت دورها المحوري في الملف اللبناني، وضمان ألا تُستبعد من ترتيبات الأمن والترتيبات السياسية القادمة في المنطقة، مقابل رؤية أميركية حازمة تجاه آليات الرقابة والتنفيذ. وثمة اعتقاد بأن الجهات الداعمة للجيش ما زالت تتعاطى بحذر مع الملف، انتظاراً لإصلاحات وضمانات سياسية واضحة تأخذها الحكومة اللبنانية على عاتقها لضمان فرض الدولة قرارها، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح، إذ يرتبط مؤتمر باريس بمسار المفاوضات وقدرة الجيش على الانتشار في الجنوب. كذلك، تتزامن الاجتماعات مع نقاشات في الأروقة بين باريس وروما وواشنطن حول مستقبل اليونيفيل، والبحث في صيغ لتشكيل قوة بديلة منها في الجنوب.
ويُشكل مؤتمر باريس واجتماعاته التحضيرية اختباراً عملياً لمدى جاهزية المجتمع الدولي لترجمة دعمه الشفهي للبنان إلى خطوات تنفيذية وموارد مادية وحيوية. وفي المقابل، هو يضع المؤسسات الرسمية اللبنانية أمام اختبار إثبات القدرة على فرض هيبة الدولة والالتزام بالاتفاقات الدولية لضمان تدفق هذا الدعم بالشكل المناسب.
علي الطاهر: الانسحاب الذي لا يعني الانسحاب
في مرتفعات علي الطاهر ظهرت هذه المقاربة بأوضح صورها. فقد هدّد وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس باستهداف كلّ من يقترب من المنطقة، واعتبرها جزءًا من "المنطقة الأمنيّة" التي تريد إسرائيل فرضها في لبنان، رابطًا أيّ انسحاب أو إعادة انتشار بنزع سلاح "حزب الله". وفي الوقت نفسه، تحدّثت وسائل إعلام إسرائيليّة عن انتقال للقوّات من علي الطاهر باتجاه مرتفعات الشقيف، ووصفته جهات إسرائيليّة بأنّه انسحاب محلّيّ ومحدود.
هنا تكمن المسألة الحقيقيّة. إسرائيل قد تنسحب من نقطة، لكنّها لا تتخلّى بالضرورة عن السيطرة عليها. وقد تقلّص وجودها المباشر، لكنّها تحافظ على قدرة المراقبة والنيران والتدخّل. أي أنّ مفهوم الاحتلال نفسه يصبح أكثر مرونة، من تمركز عسكريّ دائم إلى سيطرة بالنار والرصد وحرّيّة الحركة.
كما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو كرّر، اليوم، أنّ إسرائيل ستواصل استهداف البنية العسكريّة التي تعتبرها تهديدًا داخل ما تصفه بـ"المنطقة الأمنيّة". وهذا يعني أنّ تل أبيب لا تتحدّث عن إجراء موقّت فرضته المعارك، بل عن عقيدة أمنيّة تريد تثبيتها بعد الحرب.
وبالتالي، فإنّ السؤال بالنسبة إلى لبنان لم يعد فقط: هل تنسحب إسرائيل من علي الطاهر؟ بل: إلى أين تنسحب، وما المسافة التي تحتفظ داخلها بحرّيّة الحركة، ومَن يحدّد هذه المسافة، وبأيّ شرعيّة؟
من الاحتلال العسكريّ إلى الاختراق الأمنيّ
ولا تتوقّف محاولات فرض الواقع الجديد عند المواقع العسكريّة. حادثة رئيس بلديّة كفرشوبا قاسم القادري تكشف مستوى آخر من الضغط.
فبحسب ما رواه القادري لـ"المدن"، أوقفته دوريّة إسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة، واستجوبته لنحو ساعة وربع الساعة، وعرض عليه ضابط إسرائيليّ فتح قناة تواصل مباشرة، وتقديم أموال ومساعدات للبلدة، قبل طلب معلومات تتعلّق بمواقع ومنشآت ومنازل في المنطقة. وقد رفض القادري العرض، مشدّدًا على أنّ البلديّة مؤسّسة رسميّة لبنانيّة، وأنّ أيّ علاقة أو معالجة يجب أن تمرّ عبر الدولة.
أهميّة الحادثة لا تكمن فقط في الاستجواب نفسه، بل في النموذج الذي يكشفه. فالاحتلال، حين يطول، لا يكتفي بإدارة الجغرافيا بالقوّة. يحاول أن ينتقل إلى إدارة العلاقة مع السكان، وأن يفتح مسارات اتصال منفصلة عن الدولة، وأن يحوّل الحاجة الاقتصاديّة والأمنيّة للقرى الحدوديّة إلى أداة اختراق.
وهذا تحديدًا ما يجعل موقف بلديّة كفرشوبا سياسيًّا بقدر ما هو أمنيّ. لأنّ رفض المال أو التواصل المباشر ليس تفصيلًا إداريًّا، بل تمسّكٌ بمرجعيّة الدولة في منطقة تحاول إسرائيل التعامل معها باعتبارها فضاءً أمنيًّا خاضعًا لمنطقها.
ويزداد الأمر حساسيّةً مع واقع الأهالي الذين، وفق القادري، يواجهون صعوبة في الوصول إلى أراضيهم، فيما تتضرّر شبكات الكهرباء والمياه والأراضي الزراعيّة بفعل العمليات والتحرّكات العسكريّة.
أزمة القوّة البديلة: ماذا بعد "اليونيفيل"؟
في المقابل، لا تزال بيروت تبحث عن مظلّة دوليّة تمنع تحوّل الفراغ الأمنيّ إلى امتداد مفتوح للاحتلال. ومع تعثّر التوافق على صيغة لقوّة مراقبة بديلة، لجأ لبنان إلى مجلس الأمن مطالبًا بتمديد الترتيب الحاليّ لمدّة إضافيّة، وسط دعم فرنسيّ ومواقف مؤيّدة داخل المجلس. كما طُرحت خلال النقاشات صيغ عدّة، من بعثة أمميّة مصغّرة إلى وجود متعدّد الجنسيّات أو مساهمات أميركيّة وفرنسيّة وأوروبيّة.
المشكلة أنّ الفراغ بين انتهاء صيغة أمنيّة وولادة أخرى ليس فراغًا تقنيًّا. إنّه مساحة تستفيد منها إسرائيل لتوسيع تفسيرها لما تعتبره حاجاتها الأمنيّة.
لذلك، تصبح مسألة دعم الجيش اللبنانيّ أكثر من ملفّ تمويل وتسليح. المطلوب فعليًّا هو تحويل انتشار الدولة إلى بديل قادر على منع نشوء نظام أمنيّ موازٍ، سواء كان حزبًا مسلّحًا خارج قرار الدولة أو احتلالًا يرسم بنفسه حدود المنطقة التي يسمح للبنانيّين بالدخول إليها.
وهنا يكتسب مؤتمر فرنسا أهمّيّته السياسيّة. فالرهان اللبنانيّ ليس فقط على جيش أكثر تجهيزًا، بل على قدرة الدولة على القول إنّها الجهة الوحيدة التي تدير الأرض والحدود والأمن.
واشنطن تدير التفاوض وإسرائيل تدير الأرض
المسار الأميركيّ، حتّى الآن، يمنع سقوط التفاوض، لكنّه لم ينجح في جعل التفاوض بديلًا عن النار. وهذه مشكلة أساسيّة في المعادلة الحالية.
واشنطن تتمسّك بالاجتماعات وبجولة روما المقبلة، فيما تواصل إسرائيل خلق وقائع جديدة. وكلّما تأخّر تحويل المسار السياسيّ إلى التزامات ميدانيّة واضحة، ارتفع الثمن المطلوب للعودة إلى نقطة البداية، لأنّ نقطة البداية نفسها تكون قد تغيّرت.
من هنا، قد يدخل لبنان أيّ جولة مقبلة وهو لا يفاوض فقط على مواقع كانت محتلة في الجولة السابقة، بل على مواقع وشروط ومفاهيم أمنيّة أضيفت إليها لاحقًا. وهذا هو جوهر استراتيجية فرض الأمر الواقع، أن تصبح الوقائع الجديدة مادّة تفاوض بدل أن تكون خرقًا يجب إنهاؤه قبل التفاوض.




