السِّيادة ليست في لبنان بندًا إضافيًا على جدول الإصلاح. وليست ملفًا أمنيًا أو عسكريًا يمكن فصله عن القضاء والاقتصاد والحوكمة والمواطنة. السيادة هي الشرط الذي يجعل كل هذه الملفات أصلًا من اختصاص الدولة. حين لا تمتلك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، ولا تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، ولا تبسط سلطتها القانونية على كامل أراضيها، ولا تستطيع مؤسساتها اتخاذ قراراتها بعيدًا عن موازين قوى داخلية أو تأثيرات خارجية، لا يعود السؤال مقتصرًا على جودة الحكم. يصبح السؤال أكثر تأسيسًا، من يملك القرار العام؟ ومن يحدد المصلحة العامة؟ ومن يملك حق إلزام المواطنات والمواطنين باسم القانون؟
من هذه الزاوية، تتيح مدرسة فرانكفورت، من هوركهايمر وأدورنو وماركوزي وصولًا إلى هابرماس، قراءة مختلفة للمسألة السيادية اللبنانية. فهي لم تُبنَ أساسًا كنظرية في سيادة الدول، لكن مشروعها النقدي كله دار حول سؤال الهيمنة والتحرر والعقل والشرعية. كيف تتحول أدوات يفترض أن تخدم الإنسان إلى منظومات تتحكم به؟ وكيف يصبح الخضوع مقبولًا؟ وكيف يستعيد المجتمع قدرته على إنتاج إرادته بدل أن تُنتج له؟ وإذا نُقلت هذه الأسئلة إلى لبنان، تصبح السيادة أكثر من حدود وجيش وعلاقات خارجية. إنها تحرير القرار الوطني من كل هيمنة تحول دون خضوع القوة للقانون، ودون خضوع السلطة للمساءلة، ودون أن يكون المواطن/ة شريكًا فعليًا في إنتاج الإرادة العامة.
السيادة أولًا
لأن الدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع إصلاح نفسها
قد يكون أحد أخطر أوهام النقاش اللبناني الفصل بين "السيادة" و"الإصلاح". كأن الأولوية السيادية تخص فريقًا سياسيًا، فيما الإصلاح والحوكمة يخصان فريقًا آخر. وكأن من الممكن بناء قضاء مستقل، وإدارة حديثة، واقتصاد منتج، ونظام مساءلة فعال، فيما يبقى القرار السيادي موزعًا بين الدولة وقوى أخرى. هذا الفصل غير قابل للاستمرار. السيادة والحوكمة وجهان لمسألة واحدة. من يحكم، وبأي شرعية، وتحت أي قواعد؟ هنا يفيد نقد هوركهايمر وأدورنو لـِ "العقل الأداتي". فقد انصب جزء مركزي من مشروع الجيل الأول للنظرية النقدية على نقد تحوّل العقل من قدرة نقدية تسائل الغايات إلى أداة تخدم منظومات قائمة. أما هابرماس، فسيحاول لاحقًا تجاوز مأزق هذا التشخيص عبر "المنعطف التواصلي"، أي البحث عن أساس للشرعية في التواصل العام والمؤسسات الديموقراطية. لبنانيًا، تصبح المسألة واضحة. ماذا تعني المؤسسات إذا تحولت إلى أدوات لإدارة موازين القوى بدل أن تكون هي المرجعية التي تخضع لها القوى؟ حين تصبح الحكومة مكانًا لتسوية النفوذ، والوزارة حصة، والإدارة امتدادًا للزبائنية، والتوافق وسيلة لتجاوز القاعدة الدستورية، والأمن موضوعًا لتوازنات بين سلطات رسمية وغير رسمية، يتحول العقل المؤسسي للدولة إلى عقل لإدارة اللادولة. الأخطر أن الأمر لا يبقى تقنيًا. الدولة التي لا تحتكر القرار السيادي لا تستطيع أن تضمن المساواة بين مواطناتها ومواطنيها، لأن وجود قوة خارج منظومتها الدستورية يعني، بالضرورة، وجود قدرة سياسية خارج منظومة المساءلة المتاحة لبقية المواطنين/ات. هنا تتصل السيادة مباشرة بالمواطنة. لا مساواة فعلية أمام القانون إذا لم تكن القوة نفسها خاضعة للقانون. ولا مواطنة مكتملة في ظل تعدد مصادر القرار السيادي. لذلك، فإن استعادة السيادة ليست انتصار جماعة لبنانية على جماعة أخرى، ولا عملية انتقام سياسي، ولا تغييرًا في هوية البلد. على العكس تمامًا. إنها إخراج اللبنانيين/ات جميعًا من الحاجة إلى البحث عن قوة خارج الدولة تحميهم من قوة أخرى خارجها. السيادة، بهذا المعنى، هي نظام الحماية المشترك للمواطنين/ات.
الهيمنة الأخطر
حين يصبح انتقاص السيادة واقعًا طبيعيًا
يكمن الجانب الأكثر استفزازًا في فكر أدورنو وماركوزي وهوركهايمر في تنبيههم إلى أن الهيمنة لا تستمر بالقسر وحده. تستطيع المجتمعات أن تتكيّف مع اختلالاتها، وأن تستدخل شروط النظام القائم إلى درجة تصبح معها البدائل صعبة التصور. هنا تصبح القراءة اللبنانية أكثر قسوة. المشكلة لم تعد فقط في وجود انتقاص للسيادة، بل في تطبيع هذا الانتقاص. إعتاد اللبناني/ة، عبر عقود، سماع أن للدولة حدودًا لا تستطيع تجاوزها. وأن ثمة قرارات أكبر من المؤسسات. وأن السلاح يحتاج إلى "ظروف مناسبة". وأن الاستراتيجية الدفاعية مؤجلة. وأن التسويات الإقليمية تسبق القرار الداخلي. وأن بعض الملفات السيادية لا تُحسم بالدستور بل بموازين القوى. بمرور الوقت، يتحول الاستثناء إلى "واقعية سياسية". هنا يستحضر المرء أدورنو، الخطر ليس فقط في الحياة المختلة، بل في أن نتعلم كيف نعيش داخل اختلالها إلى درجة فقدان القدرة على تصور الطبيعي. أما ماركوزي، فيفتح بابًا أكثر راديكالية، المنظومة تنجح حين تضيق مساحة البدائل، وحين يصبح الإنسان عاجزًا عن تخيل نظام مختلف عن النظام الذي يحتويه. هذه تحديدًا إحدى أزمات الوعي السياسي اللبناني. لماذا يُفترض أن تكون الدولة صاحبة السيادة الكاملة فكرة "مثالية"، فيما تعدد السلطات أمر "واقعي"؟ ولماذا يصبح تطبيق الدستور طموحًا، فيما تعطيله ممارسة طبيعية؟ ولماذا يُطلب باستمرار تبرير احتكار الدولة للسلاح، بدلاً من أن يُطلب تبرير وجود أي قوة مسلحة خارج سلطتها؟ ولماذا يصبح القرار الوطني المستقل مشروعًا تفاوضيًا بدل أن يكون نقطة البداية؟ هنا تتحول السيادة إلى معركة على المعنى قبل أن تكون معركة على السلطة. إن استعادة السيادة تبدأ بكسر الفكرة القائلة إن اللادولة قدر لبناني. لكن النقد وحده لا يكفي. وهذه هي النقلة الأساسية من أدورنو وهوركهايمر وماركوزي إلى هابرماس. فإذا كان الجيل الأول قد كشف قدرة أنظمة الهيمنة على احتواء الفرد والمجتمع، فإن هابرماس أعاد البحث عن إمكانية إنتاج الشرعية عبر المجال العمومي والدولة الدستورية والإرادة الديمقراطية. ففي نظريته، ترتبط السيادة الشعبية وحكم القانون ارتباطًا وثيقًا، فيما تستمد السلطة العامة مشروعيتها من قدرة المواطنين/ات على المشاركة في تكوين الإرادة والرأي ضمن إجراءات دستورية. هنا يصبح هابرماس شديد الأهمية للبنان. فالسيادة ليست فقط أن تستعيد الدولة قرارها من الخارج أو من قوى الأمر الواقع في الداخل. السيادة الديموقراطية تعني أيضًا ألا تستولي الدولة نفسها على قرار مواطناتها ومواطنيها. السيادة للدولة تجاه الخارج، لكنها للشعب داخل الدولة. هذه المعادلة تمنع الانزلاق من نقد اللادولة إلى تبرير دولة سلطوية. الدولة السيّدة التي يحتاجها لبنان ليست الدولة الأقوى من مواطناتها ومواطنيها؛ بل إنها الدولة الأقوى بهم، والأقدر على تحويل إرادتهم السياسية إلى قوانين ومؤسسات وسياسات عامة.
من استعادة القرار إلى إعادة تأسيس الدولة
إذا أخذنا مدرسة فرانكفورت بجدية، لا يمكن أن تكون استعادة السيادة عملية عسكرية أو أمنية فقط. إنها عملية تحرر مؤسساتي شامل. تبدأ من ثلاث نقلات مترابطة.
أولًا- توحيد مصدر الشرعية والقوة
لا تحتمل الدولة الدستورية ازدواجية في قرار الحرب والسلم أو في السياسة الخارجية أو في استخدام القوة المنظمة. لذلك فإن احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني والعسكري ليس تفصيلًا من تفاصيل بناء الدولة، بل شرط وجودها. هذا المسار لا يُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق إعادة دمج الجميع في الدولة. فالهدف ليس نقل الهيمنة من طرف إلى طرف، بل إنهاء إمكانية الهيمنة خارج المؤسسات أصلًا. يتلازم ذلكَ مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتثبيت سلطة الدولة على كامل حدودها وأراضيها، ورفض تحويل لبنان مجددًا إلى مساحة مفتوحة لصراعات المحاور. فالسيادة لا تتجزأ. لا يمكن رفض انتهاك داخلي لها وقبول انتهاك خارجي، أو العكس.
ثانيًا- تحرير الدولة نفسها من الداخل
لا تكفي استعادة القرار العسكري إذا بقي القرار الإداري والقضائي والاقتصادي مختطفًا بالزبائنية والمحاصصة. السيادة التي تحرر الحدود ولا تحرر القضاء ناقصة. والسيادة التي تستعيد قرار الحرب والسلم ولا تستعيد المال العام من شبكات المصالح ناقصة. والسيادة التي تمنع التدخل الخارجي لكنها تسمح للقوى الداخلية بتحويل المؤسسات إلى ملكيات سياسية هي سيادة شكلية. هنا يلتقي السيادي بالإصلاحي بصورة نهائية. المطلوب استقلال القضاء، انتظام المؤسسات الدستورية، إدارة قائمة على الكفاءة، أجهزة رقابية فاعلة، شفافية مالية، ومساءلة لا تتوقف أمام حصانة طائفية أو سياسية.
ثالثًا- إعادة السيادة إلى المواطن/ة
هذه النقلة هي الأكثر أهمية والأقل تداولًا. الدولة ليست صاحبة السيادة لكي تحل محل الشعب، بل لكي تمكّنه من ممارسة سيادته السياسية ضمن القانون. وهذا جوهر الصلة التي يقيمها هابرماس بين السيادة الشعبية، الحقوق، الدولة الدستورية، وتكوين الإرادة الديموقراطية؛ فهو يحاول الجمع بين استقلال المواطنين/ات بوصفهم أصحاب حقوق وبين كونهم مؤلفي القوانين التي يخضعون لها. لذلك، لا يكتمل المشروع السيادي من دون انتخابات حرة، وقضاء مستقل، وإعلام تعددي، وحق الوصول إلى المعلومات، ومجال عمومي قادر على مساءلة السلطة، ومؤسسات تسمح بتحويل الإرادة المجتمعية إلى قرار سياسي. هنا تتغير المعادلة كلها. السيادة ليست سلاحًا فقط. إنها دستور وحدود وقضاء وانتخابات وقرار وطني ومحاسبة ومواطنة. هي ليست نقيض الإصلاح، بل شرطه. ليست نقيض السلام، بل شرط السلام المستدام؛ لأن الدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تفاوض بصورة مستقلة، ولا أن تلتزم بصورة موثوقة، ولا أن تضمن تطبيق ما تلتزم به. ليست نقيض التعددية اللبنانية، بل ضمانتها الأخيرة. الطوائف لا يحميها ضعف الدولة على المدى الطويل. ضعف الدولة يدفع كل جماعة إلى البحث عن عناصر قوة إضافية، فيخاف الآخرون، ويتسلحون سياسيًا أو اجتماعيًا أو فعليًا بدورهم، فتتحول صيغة العيش المشترك إلى توازن مخاوف. أما الدولة السيّدة فتحوّل هذا التوازن إلى ضمانة دستورية مشتركة.
من هنا، فإن اللحظة اللبنانية الراهنة لا تحتمل الفصل بين ثلاثة مسارات. السيادة، الدستور، والحوكمة السليمة. السيادة من دون دستور قد تتحول إلى سلطة. الدستور من دون سيادة يتحول إلى نص عاجز. الحوكمة من دونهما تتحول إلى إدارة تقنية لانهيار مستمر. هذه هي الخلاصة التي يمكن استخراجها من مدرسة فرانكفورت عند إسقاط عدستها النقدية على لبنان. التحرر ليس تغيير من يمارس الهيمنة، بل إنهاء الشروط التي تسمح بإنتاجها. لذلكَ، ليس المطلوب استبدال هيمنة داخلية بأخرى، ولا وصاية خارجية بأخرى، ولا محور بمحور، ولا سلاح بسلاح. المطلوب نقل القوة نفسها إلى مكانها الدستوري. من الجماعة إلى الدولة. من الأمر الواقع إلى القانون. من الخارج إلى القرار الوطني. من الزبائنية إلى الحقوق. من الخوف إلى المواطنة. من السيادة المصادَرة إلى الدولة السيّدة. عندها فقط يصبح الإصلاح ممكنًا، والسلام مستدامًا، والمواطنة متساوية. عندها أيضًا يتغير السؤال اللبناني. فبدل أن نسأل كيف نوازن بين الدولة والقوى التي تتجاوزها؟ نبدأ من السؤال الوحيد الذي يليق بجمهورية دستورية كيف نبني دولة لا تعلو عليها قوة، لأنها هي نفسها لا تعلو على الدستور ولا على مواطناتها ومواطنيها؟




