في 17 كانون الثاني/ يناير 2025، جلس فلاديمير بوتين ومسعود بزشكيان في موسكو ووقعا معاهدة حملت اسماً كبيراً: "الشراكة الاستراتيجية الشاملة". سبع وأربعون مادة وعشرون عاماً من التعاون في السياسة والأمن والدفاع والطاقة والنقل والمصارف وبحر قزوين ومواجهة العقوبات. لكن ما لم يُكتب فيها كان ربما أهم مما كُتب: لم تتعهد روسيا بالدفاع عن إيران إذا تعرضت للحرب، ولم تتعهد إيران بالدفاع عن روسيا.
بعد أكثر من عام بقليل جاء الاختبار الأقسى. ففي 28 شباط/ فبراير 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، وقُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الافتتاحية، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين.
وقفت موسكو إلى جانب طهران سياسياً وأدانت الهجمات، لكنها لم تدخل الحرب إلى جانبها، ولم تجعل المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً روسية. لم يكن ذلك خروجاً على معاهدة 2025، بل كشف طبيعتها: شراكة استراتيجية واسعة، لكنها ليست حلفاً عسكرياً.
ومن هنا يبدأ السؤال الروسي عن إيران: لماذا احتاجت موسكو إلى مأسسة هذه العلاقة، وما الذي أصبحت مستعدة لتقديمه لطهران، وما الذي تعمدت منذ البداية ألا تعدها به؟
حين احتاجت روسيا إلى إيران
لم تبدأ الشراكة الروسية–الإيرانية مع معاهدة 2025. فعلاقات البلدين أقدم بكثير ومثقلة بتاريخ من الشك والتنافس. لكن التحول الذي قاد إلى المعاهدة لم تصنعه الثقة بقدر ما صنعته الحاجة والحروب والعقوبات.
كانت سوريا مختبراً مبكراً. فمنذ التدخل الروسي عام 2015، عملت موسكو وطهران معاً على حماية نظام بشار الأسد، لكن بمشروعين مختلفين. أرادت إيران حماية نقطة الوصل في امتدادها الإقليمي من العراق إلى لبنان، فيما أرادت روسيا منع سقوط حليفها السوري، والمحافظة على وجودها العسكري على شاطئ المتوسط، واستعادة موقعها كقوة كبرى في الشرق الأوسط.
ومع ذلك احتفظ كل منهما بحساباته الخاصة. فموسكو، وهي تتعاون عسكرياً مع إيران، حافظت على علاقة وثيقة وآليات منع الاحتكاك مع إسرائيل، رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة لمواقع مرتبطة بإيران وحزب الله. ومن هنا ظهرت قاعدة ستلازم العلاقة: التعاون مع إيران لا يعني بالنسبة إلى روسيا تبني جميع خصوماتها.
وجاء سقوط نظام الأسد أواخر 2024 ليكشف اختلافاً آخر. فقد مثّل لإيران ضربة لبنية نفوذ إقليمية استثمرت فيها سنوات، فيما حاولت روسيا التكيف مع الواقع الجديد والمحافظة على ما تستطيع من مصالحها ووجودها.
لكن حرب أوكرانيا أحدثت التحول الأعمق. فروسيا، التي اعتادت أن تكون الطرف الأقوى والمصدر للسلاح والتكنولوجيا إلى إيران، أصبحت بحاجة إلى قدرات إيرانية. دخلت المسيّرات الإيرانية الحرب الروسية، ثم انتقلت موسكو إلى تصنيعها وتطويرها محلياً. ولم تعد العلاقة تسير في اتجاه واحد؛ أصبح كل طرف قادراً على توفير شيء يحتاج إليه الآخر في مواجهة مختلفة.
وزادت العقوبات الغربية بعد 2022 من هذا التحول. فقد وجدت موسكو نفسها أمام واقع خبرته طهران لعقود: كيف تحافظ دولة على تجارتها وتمويلها ونقلها عندما تُغلق أمامها أجزاء واسعة من النظام الاقتصادي والمالي الغربي؟ وأصبحت خبرة إيران تحت العقوبات، مثل موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، جزءاً من قيمتها الجديدة بالنسبة إلى روسيا.
وهكذا جاءت معاهدة 2025 لتقنن تحولاً سبقها أكثر مما جاءت لتنشئه: سوريا أثبتت إمكان التعاون، وأوكرانيا صنعت الحاجة المتبادلة، والعقوبات أعطتها بعداً استراتيجياً طويل الأمد.
عندما تصبح العقوبات استراتيجية
لا ينبغي، لذلك، قراءة المعاهدة باعتبارها اتفاقاً عسكرياً فقط. فهي تمتد إلى الطاقة والمصارف والعملات الوطنية والاستثمار والنقل وبحر قزوين، وتنص على التعاون في مواجهة التدابير القسرية الأحادية والحد من آثارها. فالعقوبات دفعت كلاً من روسيا وإيران إلى أن يصبح جزءاً من قدرة الآخر على تحملها.
ازدادت قيمة إيران بالنسبة إلى روسيا لأنها تقع جنوباً في اللحظة التي تقلصت فيها علاقات موسكو الاقتصادية مع أوروبا، فيما تفتح روسيا أمام إيران مجالاً أوراسياً يصعب على العقوبات الغربية إغلاقه بالكامل. وهنا تحولت الجغرافيا نفسها إلى جزء من الشراكة.
ويظهر ذلك في "ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب"، وهو شبكة من السكك والطرق والموانئ تمتد لنحو 7200 كيلومتر، تربط روسيا بالمحيط الهندي من دون المرور بأوروبا. تعبر البضائع من روسيا جنوباً عبر بحر قزوين أو أذربيجان إلى إيران، ومنها إلى موانئ الخليج وبحر عُمان ثم الهند والأسواق الآسيوية. فتصبح إيران جسراً لروسيا نحو الجنوب، وروسيا جسراً لإيران نحو الشمال وأوراسيا.
هرمز وقزوين
المشروع الذي أطلقته روسيا وإيران والهند مطلع هذا القرن ليس جديداً، لكن حرب أوكرانيا والعقوبات غيرتا وظيفته: من طريق أقصر للتجارة بين روسيا وآسيا إلى وسيلة أيضاً لتقليل الاعتماد على الطرق والأسواق الأوروبية.
وفي قلب هذا الممر يقع بحر قزوين، الذي يتيح نقل البضائع بحراً بين الموانئ الإيرانية جنوباً والموانئ الروسية شمالاً، ثم استكمال رحلتها براً وسككياً. لكن قدرته تبقى محدودة بسبب طاقة الموانئ وشبكات النقل وانخفاض مستوى المياه. ولذلك يشكل قزوين منفذاً إضافياً مهماً لإيران نحو روسيا وأوراسيا، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخليج ومضيق هرمز اللذين يربطانها بالأسواق العالمية.
إذا كان هرمز يربط إيران بالاقتصاد العالمي، فإن قزوين يربطها بروسيا وأوراسيا. الأول لا يمكن استبداله اقتصادياً، لكن الثاني يمكن أن يمنع الحصار من أن يصبح عزلة كاملة.
وفي الخلفية تقف الصين. فروسيا أعادت توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية نحو آسيا، وفي مقدمها الصين، فيما بقيت الصين السوق الأساسية للنفط الإيراني. ولا تحتاج بكين إلى الاختيار بينهما؛ فهي تشتري النفط الروسي والإيراني إلى جانب اعتمادها الكبير على نفط الخليج. وهكذا تشكلت مصلحة ثلاثية غير متطابقة: روسيا وإيران تحتاجان إلى السوق الصينية، والصين تستفيد من تعدد الموردين ومن النفط الخاضع للعقوبات بشروط ملائمة.
ويمتد التقاطع إلى السياسة. فبعدما أظهرت حرب شباط/ فبراير 2026 حدود الالتزام العسكري الروسي، أظهر أيلول/ سبتمبر مدى الالتزام السياسي والدبلوماسي، عندما وقفت روسيا والصين إلى جانب إيران في مواجهة الدفع الغربي بملفها النووي نحو مجلس الأمن، وصوتتا ضد القرار في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فروسيا التي لا تتعهد بخوض حرب دفاعاً عن إيران تستطيع استخدام وزنها السياسي لمقاومة محاولات عزلها، فيما يمنحها الموقف الصيني إسناداً إضافياً. وفي مجلس الأمن تصبح موسكو وبكين قوتين دائمتين تملكان حق النقض، ما يجعل تصعيد الضغط عبر المجلس أكثر تعقيداً.
وهكذا تتشكل حول إيران شبكة إسناد متفاوتة المستويات: سوق صينية، وعمق روسي شمالاً، وتعاون اقتصادي وعسكري وتقني، وغطاء دبلوماسي توفره قوتان كبيرتان. لكنها لا تشكل حلفاً عسكرياً ثلاثياً ولا تلزم موسكو أو بكين بخوض حرب إيران.
أكثر من بيع السلاح
في المجال العسكري أيضاً أصبحت العلاقة أكثر تبادلاً. ولعقود كانت روسيا تبيع إيران السلاح وتوفر لها بعض التكنولوجيا التي يصعب الحصول عليها من الغرب. لكن أوكرانيا غيرت المعادلة عندما أصبحت موسكو نفسها بحاجة إلى قدرات إيرانية.
كانت المسيّرات المثال الأبرز. فقد زودت إيران روسيا بمسيّرات «شاهد» وبالمعرفة اللازمة لإنتاجها، قبل أن تنتقل موسكو إلى تصنيع نسخ منها وتطويرها محلياً. وانتقلت إيران، ولو في مجال محدد، من متلقٍ للتكنولوجيا العسكرية الروسية إلى مورد لها.
وفي الاتجاه المعاكس، تملك روسيا خبرات هندسية وتقنيات صاروخية تحتاج إليها إيران. ومن أبرز الأمثلة برنامج C430L السري الذي كشفت عنه صحيفة Financial Times، وبدأ عام 2023 متضمناً تعاوناً بين خبراء روس وإيرانيين في تكنولوجيا صواريخ كروز متقدمة ذات استخدامات مضادة للسفن والأهداف البرية. ولا توجد أدلة حتى الآن على نشر إيران سلاحاً عملياتياً ناتجاً منه، لكن دلالته تتجاوز الصاروخ المحتمل: ما تنقله روسيا هنا ليس سلاحاً جاهزاً فقط، بل معرفة هندسية تساعد إيران على تطوير قدراتها بنفسها.
وهكذا استفادت موسكو من القدرات الإيرانية في حربها، فيما حصلت طهران على التكنولوجيا والخبرة الروسية. لكن أياً منهما لم ينتقل من مساعدة الآخر على القتال إلى القتال نيابة عنه.
وبذلك أصبحت العلاقة أقرب إلى تقاسم أعباء المواجهة من دون تقاسم الحروب.
إيران في المواجهة الروسية الأكبر
لكن حدود الالتزام الروسي لا تُفهم من العلاقة مع إيران وحدها. فالمواجهة المركزية لموسكو تبقى مع الولايات المتحدة وأوروبا حول أوكرانيا وأمن القارة وموقع روسيا كقوة كبرى. ومن هذه الزاوية تكتسب إيران قيمتها بما تضيفه إلى قدرة موسكو على إدارة هذه المواجهة: دعم عسكري في أوكرانيا، ومنفذ جنوبي مع تقلص المنافذ الأوروبية، وشريك في مقاومة العقوبات، فيما يوزع انشغال الولايات المتحدة بإيران اهتمامها ومواردها بين الشرق الأوسط وأوروبا.
وتدخل الطاقة في الحساب نفسه. فارتفاع أسعار النفط الناجم عن اضطرابات الخليج يمكن أن يخدم عائدات روسيا، بينما قد تعيد تسوية شاملة إيران إلى الأسواق والاستثمارات الغربية وتقلل حاجتها إلى موسكو. لذلك لا تريد روسيا انهيار إيران أو عودتها إلى المدار الأميركي، لكنها لا تستفيد أيضاً من حرب شاملة تهدد الدولة الإيرانية وتعطل الممرات والمشاريع المشتركة وتوسع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وتكشف إسرائيل حدود هذه الحسابات. فالعلاقات الروسية–الإسرائيلية عميقة، بأبعادها البشرية والسياسية والأمنية. وقد استطاعت موسكو أن تتعاون عسكرياً مع إيران في سوريا، وتحافظ في الوقت نفسه على قنواتها مع إسرائيل، حتى أثناء الضربات الإسرائيلية لمواقع مرتبطة بإيران وحزب الله.
وهذا جزء من طريقة موسكو في بناء نفوذها: علاقة مع إيران من دون تبني خصوماتها، وعلاقة مع الخليج من دون تبني خصومته مع طهران، وتعاون مع تركيا بالتوازي مع التنافس معها. فقيمة روسيا كقوة كبرى تأتي أيضاً من قدرتها على التعامل مع الأطراف المتخاصمة.
ولم تغير حرب 2026 هذه القاعدة. موسكو لا تريد هزيمة استراتيجية لإيران، لكنها لم تجعل إسرائيل عدواً روسياً من أجلها، ولم تحول المواجهة الإيرانية–الأميركية إلى مواجهة روسية–أميركية.
أي إيران تريدها روسيا؟
وهنا نعود إلى السؤال الأساسي. روسيا لا تريد إيران ضعيفة إلى حد الانهيار، لأن سقوطها يعني خسارة شريك سياسي وعسكري وممر نحو الجنوب وشريك في مقاومة العقوبات، وتعزيزاً للنفوذ الأميركي. لكنها تستفيد أيضاً من حاجة إيران إلى التكنولوجيا والسلاح والممرات الأوراسية والتعاون الاقتصادي والغطاء الدبلوماسي.
لذلك ليس السؤال ما إذا كانت موسكو تريد إيران قوية أم ضعيفة، بل أي إيران تخدم مصالحها. والجواب الأقرب: إيران قوية بما يكفي كي لا تسقط، ومستقلة بما يكفي كي لا تعود إلى المدار الأميركي، ومحتاجة بما يكفي كي تبقى روسيا شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه.
وهذا ربما يفسر معاهدة 2025 أكثر من موادها السبع والأربعين. فقد وقعت روسيا مع إيران اتفاقاً يساعدها على الصمود، لكنها لم توقع اتفاقاً يتعهد بإنقاذها.
فالعلاقة الروسية–الإيرانية ليست تحالفاً بين دولتين متطابقتين، بل شراكة تساعد كل منهما الأخرى على تحمل كلفة المواجهة مع الغرب، مع حرص كل واحدة على ألا تتحمل كلفة صراعات الأخرى كاملة. وهذه هي في الوقت نفسه قوة الشراكة وحدود الالتزام.
لكن الانتقال من روسيا إلى تركيا يغير السؤال من أساسه. فالعلاقات التركية–الإيرانية الحديثة لم تقم على تحالف، لكنها تميزت بقدرة لافتة على إدارة التنافس ومنعه من التحول إلى عداوة استراتيجية. تنافس البلدان على النفوذ والجغرافيا والتجارة والطاقة، وفي العراق وسوريا والقوقاز وآسيا الوسطى، ووقفا أحياناً على طرفي النزاع نفسه، من دون أن يسمحا لهذا التنافس بأن يتحول إلى حرب مباشرة بينهما.
ومن هنا يبدأ السؤال التركي: كيف استطاعت دولتان متجاورتان، لكل منهما مشروع إقليمي وطموح إلى النفوذ، أن تتنافسا على معظم ساحات المنطقة من دون أن تصبح إحداهما عدواً للأخرى؟ وهل تستطيع هذه المعادلة التاريخية أن تستمر بعد الحروب والتحولات التي أعادت رسم موازين القوة حولهما؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الحلقة المقبلة.




