ارتفع منسوب التصعيد الإسرائيليّ في جنوب لبنان، مع استشهاد مواطن من بلدة برعشيت متأثّرًا بإصابته برصاص القوات الإسرائيليّة، خلال عمليّة تمشيط بالأسلحة الرشّاشة باتجاه البلدة، في وقتٍ استمرّ فيه القصف المدفعيّ وإطلاق النار على عدد من المناطق الجنوبيّة، من النبطيّة الفوقا وأرنون ووادي السلوقي إلى شقراء وبيت ياحون. وفي موازاة التطوّرات الميدانيّة، أقام الجيش اللبنانيّ حاجزًا على طريق الجزاير، النبطيّة، على مسلكَي الذهاب والإياب، فيما بقيت مرتفعات علي الطاهر في قلب المشهد العسكريّ والسياسيّ، بعدما أعلنت إسرائيل تمسّكها باعتبارها جزءًا من "المنطقة الأمنيّة" التي تريد فرضها داخل الأراضي اللبنانيّة.
ولا يبدو التصعيد منفصلًا عن المسار السياسيّ الذي يحاول لبنان إبقاءه قائمًا. فبينما تستعدّ بيروت للمشاركة في المؤتمر التحضيريّ لدعم الجيش في فرنسا، وتتعثّر مساعي تشكيل قوّة مراقبة دوليّة لوقف إطلاق النار في الجنوب، يتراجع زخم المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، فيما تتمسّك واشنطن باستمرارها، وتستثمر إسرائيل الوقت الفاصل بين الجولات في تكريس وقائع ميدانيّة جديدة.
بهذا المعنى، لم تعد المسألة مقتصرةً على استمرار الاحتلال أو تنفيذ غارات متفرّقة، بل باتت تتّصل أكثر فأكثر بمحاولة إسرائيل رسم نطاق أمنيّ طويل الأمد داخل لبنان، بعد تفجير شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر، وإعادة تموضع قوّاتها باتجاه مرتفعات قلعة الشقيف، وسط تساؤلات عن طبيعة المشروع الإسرائيليّ في المثلّث الاستراتيجيّ الممتدّ بين كفرحونة وإقليم التفّاح ومشغرة.
نتنياهو: دمّرنا أهم معاقل الحزب
هذا وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الاثنين، أن القوات الإسرائيلية دمّرت ما وصفه بـ"أكبر معاقل حزب الله" في مرتفعات قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر، معتبرًا أن إسرائيل حققت "انتصارًا كبيرًا" على الحزب.
وقال نتنياهو، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس"، إن سياسة إسرائيل تقوم على مواصلة تدمير ما سمّاه "البنية التحتيّة في المنطقة الأمنيّة في لبنان"، وإزالة أي تهديد لإسرائيل.
وأضاف، متوجّهًا إلى خصوم إسرائيل: "إذا لم تكونوا قد تعلّمتم الدرس حتى الآن وقرّرتم مهاجمتنا مجدّدًا، فستتلقّون ضربات أشدّ"، مشيرًا إلى أن العمليات لم تنتهِ بعد، وأن هناك "عملًا يجب استكماله".
إسرائيل تزعم فشل المسار وتتهم الجيش بالتنسيق مع الحزب
زعمت "القناة 14" الإسرائيليّة أنّ ما وصفته بـ"المسار التجريبي" لنزع سلاح "حزب الله" قد فشل، مدّعيةً أنّ الجيش اللبناني لا يفي بالتزاماته في هذا الإطار، بل ينسّق تحرّكاته مع الحزب.
ونقلت القناة عن مصدر سياسيّ إسرائيلي قوله إنّ التقديرات في إسرائيل تشير، "بدرجة عالية نسبيًّا من الاحتمال"، إلى وجود تنسيق بين الجيش و"حزب الله"، زاعمًا أنّ هذا التنسيق "يبدأ على مستوى قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، ويمتدّ إلى الجنود في الميدان".
وأضاف المصدر: "لقد فشل المسار التجريبي، ولا تعريف آخر يمكن إطلاقه عليه"، بحسب ما نقلت القناة.
وفي السياق، أشارت "القناة 14" إلى تأجيل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي كان يُفترض استئنافها خلال أيلول، إلى تشرين الأوّل المقبل، زاعمةً أنّ التأجيل جاء بناءً على طلب الجانب اللبناني.
كما نقلت القناة أنّ التقدير الإسرائيلي السائد يعتبر أنّ الدولة اللبنانيّة "عاجزة" عن معالجة ملفّ "حزب الله" بمفردها، وأنّ إسرائيل ترى أنّ الجيش الإسرائيلي قد يكون الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ هذه المهمّة.
يومٌ ثقيل على الجنوب
وعاش الجنوب يومًا جديدًا من القصف وإطلاق النار الإسرائيليّ، بعدما استهدفت الاعتداءات مناطق وبلدات عدّة، من النبطيّة والنبطيّة الفوقا وكفرتبنيت وزوطر الشرقيّة ومرتفعات علي الطاهر، وصولًا إلى مناطق جنوب الليطاني، وبينها القنطرة وحاريص وزبقين والمنصوري ووادي السلوقي.
واتّخذ التصعيد بعدًا أكثر خطورة مع عمليات التمشيط بالأسلحة الرشّاشة باتجاه البلدات المأهولة، ومنها برعشيت، حيث استُشهد مواطن متأثّرًا بإصابته، في وقتٍ استمرّت فيه الاعتداءات على مناطق أخرى في قضاء بنت جبيل.
ويأتي هذا التصعيد في لحظة شديدة الحساسيّة، ليس فقط لأنّه يتزامن مع استمرار الاحتلال الإسرائيليّ لمناطق لبنانيّة، بل لأنّه يجري فيما يُفترض أن يتحرّك المسار التفاوضيّ نحو تثبيت وقف إطلاق النار، والبحث في ترتيبات أمنيّة تسمح بانتشار الجيش اللبنانيّ واستعادة الدولة سلطتها على كامل الأراضي الجنوبيّة.
كاتس: علي الطاهر جزء من "المنطقة الأمنيّة"
وفي قلب هذا المشهد، جاءت تصريحات وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس لترفع سقف الموقف الإسرائيليّ، وتكشف بوضوح أكبر طبيعة المقاربة التي تتّبعها تل أبيب في الجنوب.
كاتس هدّد بالقضاء على كلّ من يقترب من مرتفعات علي الطاهر، وأكّد أنّ الجيش الإسرائيليّ سيمنع "حزب الله"، أو أيّ جهة أخرى، من العودة والتمركز فيها بعد تفجير شبكة الأنفاق في المنطقة.
ولم يتوقّف الوزير الإسرائيليّ عند حدود علي الطاهر، بل أعاد تثبيت موقف تل أبيب من كامل المنطقة التي تصفها بـ"الحزام الأمنيّ"، رابطًا الانسحاب الإسرائيليّ منها بنزع سلاح "حزب الله" في جميع أنحاء لبنان.
واعتبر كاتس أنّ مرتفعات علي الطاهر جزء من "الخطّ الأصفر" و"المنطقة الأمنيّة" الإسرائيليّة داخل لبنان، مقدّرًا مساحتها بنحو 700 كيلومتر مربّع، ومشيرًا إلى أنّها تمتدّ من الساحل غربًا، مرورًا بقلعة الشقيف، وصولًا إلى منطقة جبل الشيخ شرقًا.
وقال إنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو وهو "أوضحا مرارًا" أنّ إسرائيل لن تغادر هذه المنطقة، وإنّ الجيش لن ينسحب منها أو يعيد انتشاره قبل نزع سلاح "حزب الله" في كامل لبنان.
وهذه النقطة تحديدًا تتجاوز البعد العسكريّ المباشر. فإسرائيل لم تعد تعرض وجودها في الجنوب باعتباره انتشارًا ظرفيًّا مرتبطًا بعملية عسكريّة محدودة، بل تستخدم مصطلحات تحمل معنىً جغرافيًّا وسياسيًّا، من "الخطّ الأصفر" إلى "الحزام الأمنيّ"، بما يوحي بمحاولة تكريس منطقة نفوذ أمنيّة لها قواعد وحدود وشروط للخروج منها.
انسحاب من التلال أم إعادة تموضع؟
لكنّ المشهد يصبح أكثر التباسًا مع المعلومات الإسرائيليّة المتضاربة حول وضع مرتفعات علي الطاهر نفسها.
ففي مقابل تهديدات كاتس بالسيطرة على المنطقة ومنع العودة إليها، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ الجيش الإسرائيليّ بدأ إعادة الانتشار في المنطقة، ولا سيّما على ما يسمّيه "الخطّ الأصفر"، وانسحب من مرتفعات علي الطاهر.
وبحسب الصحيفة، بدأ الانسحاب قبل تنفيذ عملية تفجير الأنفاق، فيما انتقلت القوّات الإسرائيليّة إلى مواقع تسمح لها بالسيطرة على المنطقة من خلال المراقبة والنيران. كما أشارت إلى أنّ القوّات ستبقى، في المرحلة الحاليّة، في منطقة قلعة الشقيف.
وهنا يصبح توصيف ما حصل أكثر أهمّيّة من الحركة العسكريّة نفسها. فالانسحاب من مرتفعات محدّدة لا يعني، وفق المقاربة الإسرائيليّة، التخلّي عن السيطرة عليها، ما دامت القوّات تحتفظ بقدرتها على مراقبتها واستهدافها ومنع الوصول إليها.
وهو ما كرّسته أيضًا هيئة البثّ الإسرائيليّة، التي وصفت انتقال القوّات من مرتفعات علي الطاهر إلى مرتفعات قلعة الشقيف بأنّه "انسحاب محلّيّ ومحدود"، مشيرةً إلى أنّ حجم الانتشار العسكريّ في المنطقة لا يزال موضع نقاش بين قيادة الجيش والمستوى السياسيّ.
وبحسب الهيئة، يتوقّع أن يسحب الجيش لواءً واحدًا ويقلّص حجم قوّاته، من دون أن يعني ذلك تغييرًا في الموقف الإسرائيليّ العام من البقاء داخل ما يسمّيه "المنطقة الأمنيّة".
الشقيف في قلب الحسابات الإسرائيليّة
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة "معاريف" تقديرات داخل الجيش الإسرائيليّ بشأن احتمال إبقاء قوّات إضافيّة في منطقة مرتفعات الشقيف بعد الأعياد اليهوديّة، تعمل إلى جانب الفرقة 91، على الرغم من أنّ المستوى السياسيّ لم يحسم القرار بعد.
كما تفترض التقديرات العسكريّة الإسرائيليّة احتمال انتقال "حزب الله" إلى نمط حرب العصابات ضد القوّات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانيّة، مع اختيار مناطق عمليّات قد لا تقتصر على مرتفعات الشقيف ومحيطها.
وهذا السيناريو، إن تحوّل إلى واقع، يعني عمليًّا الانتقال من معركة على نقطة عسكريّة محدّدة في علي الطاهر إلى صراع على شريط جغرافيّ أوسع، تريد إسرائيل إخضاعه لمعادلة أمنيّة خاصة بها.
وهو ما يطرح مجدّدًا السؤال عن الهدف النهائيّ من الانتشار الإسرائيليّ، وما إذا كانت إعادة التموضع الجارية مقدّمةً لتقليص الاحتلال، أم لإعادة تنظيمه على خطوط أكثر قابلية للدفاع عنها عسكريًّا.
واشنطن تتمسّك بالتفاوض
وعلى الضفّة السياسيّة، تحاول واشنطن منع سقوط المسار التفاوضيّ بالكامل.
فقد أعلنت السفارة الأميركيّة في بيروت عن لقاء بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن الأسبوع المقبل لبحث تنفيذ الإطار الثلاثيّ، على أن تُعقد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما خلال تشرين الأوّل المقبل.
لكنّ استمرار الاجتماعات لا يلغي التناقض المتزايد بين منطق التفاوض والوقائع التي تفرضها إسرائيل ميدانيًّا. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يبحث المسار السياسيّ في الانسحاب والترتيبات الأمنيّة وانتشار الجيش، تعلن إسرائيل أنّ انسحابها بات مشروطًا بنزع سلاح "حزب الله" في جميع لبنان، لا فقط في المنطقة الجنوبيّة.
وبذلك، تدخل المفاوضات في اختبار أكثر تعقيدًا. فالمشكلة لم تعد فقط في كيفية تنفيذ انسحاب تدريجيّ من المواقع المحتلّة، بل في تعريف أصلًا ما تعتبره إسرائيل أرضًا ينبغي الانسحاب منها، وما تعتبره "منطقة أمنيّة" تريد الاحتفاظ بحرّيّة الحركة والسيطرة داخلها.
مأزق القوّة البديلة عن "اليونيفيل"
وبالتوازي مع المأزق الميدانيّ والتفاوضيّ، أظهرت الاتصالات التي يجريها لبنان على أكثر من مستوى تعثّر التوافق على تشكيل قوّة مراقبة دوليّة بديلة من "اليونيفيل" في جنوب لبنان.
وأرسل لبنان رسالة إلى مجلس الأمن الدوليّ طالب فيها بتمديد مهمّة حفظ السلام الحالية لفترة زمنيّة إضافيّة، فيما حظي الطلب بدعم فرنسيّ وتأييد عدد من أعضاء المجلس.
وبحسب ما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز"، طُرحت خلال المناقشات مجموعة من البدائل للمرحلة المقبلة، من بعثة أمميّة مصغّرة إلى قوّة متعدّدة الجنسيّات، أو مشاركة دول مثل الولايات المتّحدة وفرنسا، أو دول من الاتّحاد الأوروبيّ.
لكنّ عدم التوصّل حتى الآن إلى صيغة نهائيّة يضع لبنان أمام فجوة أمنيّة وسياسيّة حسّاسة، ولا سيّما في ظلّ محاولة إسرائيل توسيع تفسيرها لاحتياجاتها الأمنيّة داخل الأراضي اللبنانيّة.
وبين مؤتمر دعم الجيش، ومفاوضات واشنطن وروما، والبحث عن صيغة دوليّة جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار، تبقى الأرض هي العنصر الأكثر ضغطًا في المعادلة. فإسرائيل تواصل بناء وقائع عسكريّة بينما يستمرّ التفاوض على شكل التسوية، وتربط أيّ انسحاب بشروط تتّسع تدريجيًّا من الجنوب إلى كامل لبنان.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: أن تتحوّل "المنطقة الأمنيّة" من مصطلح إسرائيليّ إلى أمر واقع تفرضه السيطرة بالنار، وأن يدخل لبنان جولة التفاوض المقبلة مطالبًا باستعادة أرض لم تكن، قبل الجولة السابقة، جزءًا من أصل المشكلة.




