مع إرجاء الجولة الثامنة من المفاوضات اللّبنانيّة الإسرائيليّة إلى تشرين الأوّل المقبل، دخل الجنوب ولبنان في سباق محتدم بين الدبلوماسيّة ومحاولات إسرائيل فرض وقائع عسكريّة جديدة على الأرض.
فالتفجير الهائل الذي نفّذته إسرائيل في علي الطاهر، بأكثر من مليون كيلوغرام من المتفجّرات، أحدث تحوّلًا مفصليًّا، سواء في خريطة التمدّد العسكريّ في الجنوب، أو في التداعيات السياسيّة. والسؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل ستلتزم القوّات الإسرائيليّة حدودها الحاليّة في الجنوب، خلال الفترة الفاصلة عن جولة التفاوض المقبلة، أم ستتجاوزها لتفرض معطيات جديدة؟ وإلى أيّ حدّ تصحّ المخاوف من وجود رغبة إسرائيليّة في السيطرة على النبطية، قبل العودة إلى طاولة التفاوض، كما كانت علي الطاهر هي الهدف السابق؟
ثمّة مخاوف من سعي إسرائيل إلى الاستفادة القصوى من الهامش الزمنيّ الذي طال نسبيًّا، حتّى الموعد المفترض لمفاوضات روما، لتنفيذ استراتيجيّة عسكريّة في الجنوب، تقوم على نسق عالٍ من القصف الجوّي والمدفعيّ والتفجير وتجريف المعالم على امتداد مساحات واسعة من الأراضي، وتتوخّى منع "حزب الله" من استخدام أيّ من قدراته، خصوصًا في المرتفعات الممتدّة نحو إقليم التفاح وسجد. وفي الواقع، تعمل إسرائيل على إدخال مناطق جديدة ضمن ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، وتاليًا إجبار الوفد اللّبناني في روما على التفاوض لشرعنة ترتيبات أمنيّة قاسية في الجنوب. وفوق ذلك، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى استغلال ما يتحقّق في جنوب لبنان لدعم حظوظه انتخابيًّا.
وهنا يُستعاد السؤال: هل تريد إسرائيل تكرار سيناريو علي الطاهر في النبطية قبل جولة المفاوضات المقبلة، لفرض وقائع جديدة قاسية على الطاولة؟ يعتقد خبراء أنّ هذا الاتّجاه مرجّح، لكنّ بعض التقييمات العسكريّة تستبعد سيناريو الاحتلال المباشر والاجتياح البرّي للمدينة، وترى أنّ تل أبيب قد تكتفي بإطباق الحصار الناريّ والسيطرة الاستكشافيّة عليها من التلال المشرفة، بما يحقّق لها كشف المدينة أمنيًّا، من دون الحاجة إلى الدخول إليها وتحمّل تكلفة الاستنزاف الميدانيّ. وفي أيّ حال، يخوض لبنان الرسميّ سباقًا حاسمًا لمنع الأسوأ. ومن هنا، جاءت الزيارة المفاجئة للرئيس جوزاف عون إلى المدينة وزوطر الغربيّة، برفقة القيادات الأمنيّة، كخطوة استباقيّة دقيقة، بهدف ملء الفراغ، وتأكيد غياب المظاهر المسلّحة لـ"حزب الله"، أي تجريد تل أبيب من الذريعة التي تستخدمها للتوسّع. وعلى الأرجح، ترغب واشنطن والوسطاء الدوليّون في الإبقاء على سقف مضبوط للتصعيد يحافظ على هياكل "اتّفاق الإطار" قائمة. فالغطاء الأميركي سمح بإسقاط علي الطاهر، لكنّ احتلال مدن كبرى مأهولة مثل النبطية من شأنه خلق مأزق واسع قد يعوق مسارات التفاوض.
لذلك، يقف الجنوب أمام أسابيع دقيقة جدًّا، إذ ستسعى إسرائيل إلى ممارسة أقصى درجات الضغط بالنار والتهديد بالتوسّع نحو النبطية، وربّما إقليم التفاح أو جبل الريحان، بهدف انتزاع تنازلات أمنيّة جوهريّة في روما. وفي المقابل، يراهن لبنان الرسميّ على أنّ تشكيل مظلّة عبر الانتشار المكثّف للجيش وحضور مؤسّسات الدولة، بالتنسيق مع واشنطن، سيوفّر ضمانة للمدينة ويجنّبها الكأس المرّة التي تذوّقتها مدن وقرى جنوبيّة عديدة حتّى الآن.
النبطية تحت الاختبار بالنار
غير أنّ الوقائع الميدانيّة لا تمنح المقاربة اللّبنانيّة ترف الوقت. فالتصعيد الذي أعقب عمليّة علي الطاهر لم يتّجه إلى الانحسار، بل تمدّد على نحو يشي بأنّ إسرائيل تختبر حدود ما يمكنها تحقيقه قبل استئناف المفاوضات. ومن النبطية الفوقا وكفرتبنيت والدبشة، وصولًا إلى القنطرة والمنصوري ومحاور أخرى، يستمرّ القصف والتفجير والتحرّك العسكريّ، بما يجعل المنطقة الواقعة حول النبطية جزءًا من مسرح عسكريّ واحد، لا مجموعة أهداف منفصلة. وكانت "المدن" قد رصدت خلال الأيام الماضية تكرار الغارات والقصف على هذا المحور، بالتوازي مع عمليات هدم وتفجير في بلدات جنوبيّة عدّة.
والأكثر دلالة أنّ التطوّر الميدانيّ لم يعد مقتصرًا على الضربات عن بُعد. فدخول قوّة مشاة إسرائيليّة إلى بلدة القنطرة، بالتزامن مع إجراءات الجيش اللّبناني لمنع المتجمّعين عند دار المعلّمين من العبور باتّجاه النبطية الفوقا وكفرتبنيت، يكشف عن حساسيّة المشهد وعن محاولة واضحة لضبط تماسّ قد يتحوّل في أيّ لحظة إلى اشتباك أو ذريعة لتوسيع العمليّات.
بمعنى آخر، يجري العمل على تخوم النبطية بحذر بالغ. فإسرائيل ليست مضطرّة، في هذه المرحلة، إلى اجتياح المدينة حتّى تجعلها تحت الضغط. يكفي توسيع منطقة الخطر حولها، وضرب طرق الوصول إليها، والتحكّم بالمرتفعات المحيطة، وإدامة القصف في أطرافها، كي تتحوّل النبطية إلى مدينة مكشوفة أمنيًّا واقتصاديًّا وسكّانيًّا.
من علي الطاهر إلى معركة المرتفعات
وهنا تحديدًا تبرز أهمّيّة ما جرى في علي الطاهر. فالموقع لا يكتسب قيمته من مساحته فحسب، بل من إشرافه على النبطية الفوقا وكفرتبنيت وأجزاء واسعة من المنطقة، فضلًا عن موقعه ضمن منظومة المرتفعات الممتدّة في اتجاه الشقيف وإقليم التفاح. وبالتالي، فإنّ تدميره لم يكن مجرّد ضربة لمنشأة أو موقع، بل تغييرًا في الجغرافيا العسكريّة المحيطة بالنبطية نفسها.
وهذا ما يفسّر انتقال الثقل تدريجيًّا من السؤال عمّا خسره "حزب الله" في علي الطاهر، إلى السؤال عمّا تريد إسرائيل بناءه فوق هذا المكسب. فالمسألة لا تتعلّق بالاحتفاظ بتلّة، بل باستخدام السيطرة الناريّة والاستطلاعيّة الجديدة لتحسين شروط التفاوض المقبل.
ومن هنا، تصبح النبطية ورقة ضغط لا هدفًا عسكريًّا بالمعنى التقليدي فقط. فكلّ زيادة في مستوى الخطر حول المدينة ترفع الكلفة السياسيّة على لبنان، وتخلق ضغطًا داخليًّا على الدولة للبحث عن تسوية أسرع، وتسمح لإسرائيل بالدخول إلى مفاوضات روما وهي تقول عمليًّا إنّ الخريطة التي كانت قائمة في الجولة السابقة لم تعد موجودة.
الدولة تسابق الذريعة الإسرائيليّة
في مواجهة ذلك، تحاول السلطة اللّبنانيّة تحويل حضور الدولة إلى عنصر حماية وتفاوض في آن واحد. فالجيش أكّد أنّ وجوده في النبطية ليس انتشارًا مستجدًّا، بل إنّ ما يجري هو تكثيف للمهمّات، فيما اتّجهت المقاربة الرسميّة إلى توسيع حضور الأجهزة الأخرى أيضًا. كما شدّد عون على أنّ أيّ فراغ أمنيّ في الجنوب يمكن أن يتحوّل إلى ذريعة للاعتداءات، رابطًا تعزيز الانتشار بتقوية الموقف اللّبناني في المفاوضات.
بهذا المعنى، لم تكن زيارة عون إلى النبطية وزوطر الغربيّة مجرّد جولة تضامنيّة. وجود رئيس الجمهوريّة وقائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنيّة في المنطقة، وإصرار عون على القول إنّ "الدولة كلّها" إلى جانب أهل الجنوب، حملا رسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأنّ الدولة تريد استعادة المبادرة، وإلى الخارج، بأنّ المنطقة ليست فراغًا أمنيًّا يجوز لإسرائيل ملؤه بالقوّة.
لكنّ هذه المقاربة تحمل مفارقة قاسية. فالدولة مطالبة بأن تثبت قدرتها على الإمساك بالأرض، فيما تستمرّ إسرائيل في احتلال أجزاء منها وقصف مناطق انتشار الجيش نفسه. وبذلك، تتحوّل السيادة إلى امتحان غير متكافئ: على لبنان أن يثبت حضوره، بينما لا يُطلب من إسرائيل، ميدانيًّا، أن تتوقّف عن تغيير الوقائع التي يفترض أن تُبنى عليها هذه السيادة.
"اليونيفيل" ومعركة اليوم التالي
ولا ينفصل هذا المشهد عن الخلاف المتصاعد بشأن مستقبل "اليونيفيل". فلبنان وفرنسا يدفعان نحو تمديد وجود القوّة الدوليّة بعد نهاية العام، خشية أن يؤدّي رحيلها إلى فراغ أمنيّ إضافي، فيما تعارض إسرائيل تمديد مهمّتها، وتريد ربط أيّ صيغة أمنيّة بديلة بنتائج المفاوضات المباشرة مع لبنان. أمّا المحاولات لتشكيل قوّة متعدّدة الجنسيّات بديلة، فلم تصل بعد إلى صيغة قابلة للتنفيذ، بسبب الخلاف على التفويض والحصانة والدول المستعدّة للمشاركة.
وهنا تصبح المسألة أكبر من بقاء سبعة آلاف جندي دوليّ أو رحيلهم. الصراع الحقيقي يدور حول المرجعيّة التي ستدير الجنوب بعد انتهاء المرحلة الحاليّة: هل تبقى هناك مظلّة دوليّة تستند إلى مجلس الأمن، أم تنتقل المنطقة إلى ترتيبات أمنيّة تفاوضيّة تحدّد إسرائيل جزءًا أساسيًّا من شروطها؟
ومن هذه الزاوية، يصبح مفهوماً إصرار إسرائيل على أن تأتي أيّ قوّة جديدة نتيجة التفاوض، لا نتيجة قرار دوليّ مفروض عليها. لأنّ من يحدّد شكل القوّة، ومهمّتها، ومناطق انتشارها، يشارك عمليًّا في رسم الخريطة الأمنيّة للجنوب لسنوات مقبلة.
بين روما وصناديق الاقتراع
ويضاف إلى ذلك عامل الوقت الإسرائيليّ نفسه. فإسرائيل تتّجه إلى انتخابات في 27 تشرين الأوّل، فيما يخوض نتنياهو واحدة من أصعب معاركه الانتخابيّة، في ظلّ استطلاعات لا تمنح معسكره أغلبيّة مضمونة. وفي هذا السياق، يصبح كلّ "إنجاز" عسكريّ قابلًا للاستثمار سياسيًّا في الداخل الإسرائيليّ، ولا سيّما إذا أمكن تقديمه بوصفه توسيعًا للمنطقة الأمنيّة أو إبعادًا إضافيًّا لـ"حزب الله" عن الحدود.
لذلك، قد تكون الأسابيع الفاصلة عن روما أخطر من جولة التفاوض نفسها. إسرائيل تفاوض بالنار قبل أن تجلس إلى الطاولة، ولبنان يحاول تثبيت أكبر قدر ممكن من الوقائع المضادّة عبر الجيش والدولة والضغط الدوليّ. وبين الاثنين، تبقى النبطية في قلب الاختبار.
فالمعركة لم تعد فقط على ما إذا كانت إسرائيل ستدخل المدينة، بل على ما إذا كانت قادرة على تحويل التهديد بالدخول إليها إلى تنازل لبناني قبل أن تضطرّ أصلًا إلى ذلك. وهنا تكمن خطورة المرحلة: أن تُصبح النبطية، كما أصبحت علي الطاهر قبلها، ورقة تُحسم بالنار قبل أن تصل إلى طاولة المفاوضات.




