كاتس ينسف حديث الانسحاب: علي الطاهر باتت ضمن منطقتنا الأمنية

المدن - سياسةالأحد 2026/09/13
Image-1789318359.Jpeg
غارات على النبطية الفوقة (وسائل تواصل)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تمرّ فترة طويلة على التسريبات الإسرائيليّة التي تحدّثت عن استعداد الجيش لتنفيذ "انسحاب تكتيكيّ" من بعض نقاط مرتفعات علي الطاهر وإعادة التموضع في مواقع أخرى، حتّى جاء وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليحسم، سياسيًّا، دلالة الخطوة. فالانسحاب الذي يجري الحديث عنه لا يعني، وفق الموقف الإسرائيلي نفسه، تخلّي تل أبيب عن المرتفعات أو عودة المنطقة إلى ما كانت عليه قبل العمليّة العسكريّة، بل إعادة ترتيب الانتشار داخل مساحة باتت إسرائيل تصنّفها علنًا جزءًا من "الخطّ الأصفر" و"المنطقة الأمنيّة" التابعة لها داخل الأراضي اللبنانيّة.

وقال كاتس إنّ الجيش الإسرائيلي "لن ينسحب من المنطقة الأمنيّة إلى حين نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان"، معلنًا أنّ مرتفعات علي الطاهر "جزء من الخطّ الأصفر ومن المنطقة الأمنيّة لإسرائيل في لبنان"، ومهدّدًا بأنّ "كلّ من يقترب من مرتفعات علي الطاهر سيُقضى عليه".

وبذلك، انتقل الخطاب الإسرائيلي من تبرير عمليّة عسكريّة محدّدة في علي الطاهر إلى إعلان شروط سياسيّة وأمنيّة مفتوحة للبقاء داخل لبنان. فربط الانسحاب من الأراضي المحتلّة بنزع سلاح "حزب الله" في "جميع أنحاء لبنان" يرفع السقف من ترتيبات أمنيّة موضعيّة في الجنوب إلى شرط يتعلّق بالبنية العسكريّة للحزب على كامل الأراضي اللبنانيّة، ويضع مسألة الاحتلال نفسها في قلب المفاوضات المقبلة بدل أن تكون نتيجتها المفترضة.

 

"انسحاب" يبقي السيطرة

وكانت المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة قد سرّبت، قبل موقف كاتس، أنّ الجيش يستعدّ لتنفيذ "انسحاب تكتيكيّ" من مرتفعات علي الطاهر باتّجاه نقاط تساعده على حماية قوّاته، فيما تحدّثت هيئة البثّ الإسرائيليّة "كان" عن تقليص حجم القوّات المنتشرة على ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، وإخلاء لواء واحد من المنطقة.

وبحسب الرواية الإسرائيليّة، ستتّجه بعض القوّات نحو مرتفعات الشقيف، فيما ستبقى طبيعة الانتشار العسكريّ وحجمه موضع نقاش بين المستويين السياسيّ والعسكريّ.

غير أنّ تصريحات كاتس بدّدت أيّ تفسير لهذه الخطوة باعتبارها بداية انسحاب فعليّ. فإسرائيل تريد تقليص عدد القوّات في بعض النقاط مع الاحتفاظ بالسيطرة الأمنيّة، وحقّ تحديد مَن يمكنه الاقتراب منها، وحرّيّة استخدام القوّة داخلها.

وهنا تكمن خطورة الصيغة الجديدة. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود قوّات إسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة، بل في محاولة تحويل هذا الوجود إلى "منطقة أمنيّة" معلنة، تُربط مدّة بقائها بشرط سياسيّ إسرائيليّ يتعلّق بنزع سلاح "حزب الله".

أي أنّ إسرائيل لا تتعامل مع علي الطاهر بوصفها ورقة ستتخلّى عنها بعد انتهاء العمليّة، بل باعتبارها جزءًا من خريطة أمنيّة تحاول فرضها قبل العودة إلى التفاوض.

 

تشرين الأوّل تحت النار

ويُبقي تأجيل المفاوضات اللّبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة إلى تشرين الأوّل المقبل باب التصعيد مفتوحًا على مصراعيه جنوبًا، فيما يبدو المشهد الميدانيّ والسياسيّ أكثر ارتباطًا بالحسابات الإسرائيليّة الداخليّة، وتحديدًا بالانتخابات المقبلة.

وفي هذا السياق، تؤكّد مصادر سياسيّة بارزة لـ"المدن" أنّ الوضع في الجنوب سيبقى، خلال الفترة الفاصلة، أسير الغارات والتفجيرات والضغط العسكريّ الإسرائيليّ، مستبعدةً أن تتمكّن جلسة التفاوض المقبلة، إن عُقدت، من إحداث خرق جدّي على خطّ وقف العدوان أو فرض انسحاب إسرائيليّ من الأراضي المحتلّة.

وبذلك، يدخل لبنان مرحلة انتظار ثقيلة، لا تشبه هدنة سياسيّة بقدر ما تشبه تمديدًا لمهلة الضغط. فإسرائيل لا تبدو معنيّة بتجميد الوقائع الميدانيّة إلى حين العودة إلى طاولة التفاوض، بل تستثمر كلّ يوم فاصل لتعديل الخريطة التي سيجلس الطرفان للتفاوض عليها لاحقًا.

ومن هنا، يصبح الوقت نفسه جزءًا من المعركة. فما تخسره إسرائيل سياسيًّا إذا عادت إلى المفاوضات من دون أوراق إضافيّة، تحاول تحصيله ميدانيًّا قبل انعقادها.

 

واشنطن بين الطرفين

وفي موازاة ذلك، أعلنت السفارة الأميركيّة في بيروت أنّ سفيري لبنان وإسرائيل سيجتمعان في واشنطن الأسبوع المقبل، للبحث في مواصلة تنفيذ "الإطار الثلاثي".

كما أعلنت أنّ الجولة المقبلة من المحادثات الرسميّة ستُعقد في روما خلال تشرين الأوّل، بعدما كان من المقرّر عقدها في موعد أبكر.

ويعكس اللقاء المرتقب محاولة أميركيّة للإبقاء على المسار السياسيّ حيًّا ومنع انهيار قناة التفاوض، لكنّه يأتي في لحظة باتت فيها الفجوة بين الطرفين أوسع من أن تُختصر بخلاف تقنيّ.

فلبنان يريد وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من أراضيه، فيما باتت تل أبيب تقول علنًا إنّها لن تنسحب قبل نزع سلاح "حزب الله" في لبنان كلّه.

وبذلك، لم تعد العقدة تتعلّق بكيفيّة تنفيذ اتفاق أمنيّ قائم، بل بشروط كلّ طرف لتعريف نهاية الحرب نفسها.

 

الجيش بين الرهان والضغط

ويتقاطع ذلك مع تصاعد الضغط الإسرائيلي على الجيش اللّبناني. إذ تتّهم إسرائيل المؤسّسة العسكريّة بالتردّد في التعامل مع البنية العسكريّة لـ"حزب الله"، فيما تعتبر الحكومة اللّبنانيّة أنّ تعزيز حضور الجيش في الجنوب هو المدخل الأساسيّ لاستعادة سلطة الدولة وسحب الذرائع الإسرائيليّة.

ومن هنا، تكتسب زيارة رئيس الجمهوريّة جوزاف عون إلى النبطية وزوطر الغربيّة، برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل والقيادات الأمنيّة، دلالتها السياسيّة.

فالزيارة لم تكن مجرّد جولة تضامنيّة في منطقة تعرّضت للقصف، بل محاولة لإظهار أنّ الدولة موجودة في منطقة تحاول إسرائيل تقديمها كمساحة أمنيّة غير ممسوكة.

وكان عون قد أعلن أنّ "لا مفاوضات في الوقت الحالي"، وأنّ "جرح الجنوب يجب أن يُختَم مرّةً لكلّ المرّات"، فيما عبّر أهالي النبطية عن مخاوفهم من توسّع الهجوم الإسرائيلي وطالبوا بتعزيز انتشار الجيش.

لكنّ إسرائيل واصلت، بالتزامن مع الزيارة وبعدها، غاراتها وتفجيراتها وقصفها المدفعيّ في عدد من بلدات الجنوب، في مشهد يوحي بأنّ معركة فرض الوقائع لا تنتظر نتائج التحرّك الرسميّ اللبناني.

 

باريس واختبار دعم الجيش

ويصل عون، الخميس المقبل، إلى باريس للمشاركة في مؤتمر دعم الجيش اللّبناني، في وقت أصبحت فيه قدرة الجيش على الانتشار والإمساك بالأرض جزءًا مباشرًا من التفاوض على مستقبل الجنوب.

وتقول المصادر إنّ أهمّيّة المؤتمر لا تكفي وحدها لضمان نتائج عمليّة، إذ تبقى المسألة مرتبطة بحجم الالتزام الأميركيّ، وباستعداد الدول المشاركة لتقديم دعم جدّي للمؤسّسة العسكريّة بدل الاكتفاء بمشاركة سياسيّة رمزيّة.

فإذا كان المجتمع الدولي يريد من الجيش تولّي مسؤوليّات إضافيّة في الجنوب، فإنّ بيروت تعتبر أنّ ذلك يحتاج إلى إمكانات سياسيّة ولوجستيّة وعسكريّة توازي حجم المهمّات المطلوبة منه.

لكنّ المفارقة تبقى في أنّ إسرائيل تطالب الجيش اللبناني بملء الفراغ، فيما تحتفظ لنفسها في الوقت نفسه بحقّ تحديد "مناطق أمنيّة" داخل لبنان وتهديد أيّ شخص يقترب منها.

 

جنبلاط: "كفى أوهامًا"

وفي ظلّ هذا الانسداد، برز موقف الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي اعتبر أنّ المفاوضات والاتصالات وصلت إلى "أفق مسدود"، داعيًا إلى وضع خطّة لمساعدة أهالي الجنوب وأخرى للصمود الداخليّ.

وكتب جنبلاط عبر منصّة "إكس": "أمّا وقد وصلنا إلى أفق مسدود في المفاوضات وإلى عقم الاتصالات أو الوعود، يبقى وضع خطّة لمساعدة أهل الجنوب ووضع خطّة داخليّة للصمود، وكفى أوهام لبنان".

ويختصر موقف جنبلاط شكوكًا لبنانيّة متزايدة حيال قدرة الدبلوماسيّة، بصيغتها الحاليّة، على منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة، خصوصًا بعدما انتقلت تل أبيب من الحديث عن عمليّة عسكريّة محدودة إلى إعلان "منطقة أمنيّة" داخل لبنان.

 

"حزب الله": المفاوضات بلا جدوى

وفي المقابل، وجد "حزب الله" في تطوّرات علي الطاهر مادّة إضافيّة للهجوم على خيار الدولة في المفاوضات المباشرة.

وقال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب حسن عزّ الدين إنّ التفجير الإسرائيلي في علي الطاهر يأتي في سياق "سياسة الأرض المحروقة"، بل يتجاوزها، بحسب تعبيره، إلى "سياسة الترميد وتحويل القرى إلى رماد".

واعتبر أنّ خيار المفاوضات المباشرة "أصبح خيارًا لا فائدة منه"، وحمّل السلطة مسؤوليّة استمرار العدوان، معتبرًا أنّ موافقتها على "اتفاق الإطار" أسهمت في شرعنة الوجود الإسرائيلي، وفق موقفه.

كما رأى عزّ الدين أنّ إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب، وهي النقطة التي جاءت تصريحات كاتس الأخيرة لتعلنها بوضوح غير مسبوق.

لكنّ هذا الموقف يعيد بدوره فتح السؤال الداخليّ الأكثر تعقيدًا: إذا كانت إسرائيل تستخدم وجود سلاح "حزب الله" لتبرير احتلال الأراضي اللبنانيّة، فهل يؤدّي التمسّك بهذا السلاح إلى حماية السيادة أم يمنح إسرائيل ذريعة دائمة لتقويضها؟

 

علي الطاهر تتحوّل إلى عقدة التفاوض

هنا تحديدًا تتجاوز أهمّيّة تصريحات كاتس حدود التهديد العسكريّ. فالقول إنّ مرتفعات علي الطاهر "جزء من المنطقة الأمنيّة لإسرائيل" يعني أنّ تل أبيب تحاول الانتقال من احتلال عسكريّ واقعيّ إلى تعريف سياسيّ لهذا الاحتلال.

ولذلك، لا يعود السؤال بعد اليوم ما إذا كانت القوّات الإسرائيليّة ستنسحب مئات الأمتار إلى الخلف أو ستقلّص لواءً من المنطقة. السؤال الفعليّ هو: هل تستطيع إسرائيل فرض "الخطّ الأصفر" كحدّ أمنيّ جديد داخل لبنان، ثمّ الذهاب إلى روما للتفاوض انطلاقًا منه؟

إذا نجحت في ذلك، تكون قد نقلت المفاوضات من البحث في انسحابها من الأراضي اللبنانيّة إلى البحث في الشروط المطلوبة مقابل هذا الانسحاب. وهذه نقلة جوهريّة في ميزان التفاوض.

وبينما تريد واشنطن الحفاظ على "الإطار الثلاثي"، ويحاول لبنان تعزيز انتشار الجيش، وتصرّ إسرائيل على ربط انسحابها بنزع سلاح "حزب الله"، يتّضح أنّ جولة روما المقبلة لن تبدأ من حيث انتهت الجولة السابقة.

فمنذ ذلك الحين، تغيّرت الأرض نفسها.

وعلي الطاهر هي المثال الأوضح: منطقة لبنانيّة دخلتها إسرائيل بقوّة السلاح، دمّرت ما فيها، تحدّثت عن انسحاب تكتيكيّ منها، ثمّ عاد وزير دفاعها ليعلن أنّها جزء من "منطقة أمنيّة إسرائيليّة".

وبهذا المعنى، فإنّ الخطر في الأسابيع الفاصلة عن تشرين الأوّل لا يقتصر على استمرار الغارات. الخطر الأكبر هو أن تصل إسرائيل إلى طاولة المفاوضات وقد حوّلت ما احتلّته بالنار إلى نقطة انطلاق تفاوضيّة، وأن يصبح المطلوب من لبنان التفاوض لاستعادة أرض كان يفترض أصلًا ألّا تكون موضع تفاوض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث