إسرائيل تقلص قواتها في "الأصفر":عناصر علي الطاهر لم يستسلموا

المدن - سياسةالأحد 2026/09/13
GettyImages-1753045083.jpg
تكتسب المعلومات الجديدة أهميتها من أنها تشكل المؤشر الإسرائيلي الأول إلى طبيعة المرحلة التي تلي عملية علي الطاهر.
حجم الخط
مشاركة عبر

تكشف المعطيات الإسرائيليّة المتلاحقة عن دخول المواجهة في جنوب لبنان مرحلة جديدة بعد عمليّة علي الطاهر، تقوم على تقليص حجم القوّات الإسرائيليّة وإعادة تموضعها في نقاط ترى تل أبيب أنّها أكثر ملاءمة لحمايتها، مع الإبقاء في الوقت نفسه على حرّيّة العمل العسكريّ ضدّ أيّ محاولة لـ"حزب الله" لاستعادة حضوره أو إعادة بناء بنيته العسكريّة في المنطقة.

فبعدما كشفت هيئة البثّ الإسرائيليّة "كان" أنّ الجيش الإسرائيلي يستعدّ لتقليص حجم قوّاته المنتشرة على ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، وإخلاء لواء واحد من المنطقة بعد انتهاء عمليّته في مرتفعات علي الطاهر، أفاد موقع "واللا" بأنّ المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة تتّجه إلى تنفيذ "انسحاب تكتيكي" من المرتفعات نحو نقاط تتيح للقوّات الإسرائيليّة حماية نفسها والحفاظ على ما تعتبره "الإنجاز الميدانيّ".

وبذلك، لا تبدو الخطوة الإسرائيليّة انسحابًا بالمعنى السياسيّ أو العسكريّ الكامل، بقدر ما تشكّل انتقالًا من السيطرة الكثيفة والمباشرة إلى انتشار أقلّ حجمًا، مقرونًا بقدرة ناريّة واستطلاعيّة واسعة، فيما تبقى مسألة الانتشار النهائيّ للقوّات موضع نقاش بين المستويين العسكريّ والسياسيّ في إسرائيل.

 

انسحاب تكتيكي و"مناطق تدمير"

وبحسب "واللا"، حدّد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مناطق في جنوب لبنان باعتبارها "مناطق تدمير"، على أن يكون التعامل مع أيّ وجود لعناصر من "حزب الله" داخلها عبر ضربات مباشرة، تقول إسرائيل إنّها تهدف إلى إحباط إعادة تنظيم النشاط العسكريّ في المنطقة.

وتشير هذه المقاربة إلى أنّ إعادة التموضع من علي الطاهر لا تعني تراجعًا عن السياسة الإسرائيليّة التي سادت خلال المرحلة الماضية، بل إعادة رسم حدودها. فإسرائيل تريد، وفق الرواية التي تعرضها مؤسّستها الأمنيّة، تقليص الاحتكاك المباشر وتقليل عدد القوّات الموجودة في بعض المواقع، من دون التخلّي عن القدرة على التدخّل وضرب أيّ تحرّك تعتبره تهديدًا.

وفي هذا السياق، نقل "واللا" عن المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة أنّه ستتمّ إعادة انتشار القوّات من مرتفعات علي الطاهر إلى نقاط "تتيح لها الدفاع عن نفسها"، مع تعليمات تقضي باستهداف أيّ قوّة تعتبرها إسرائيل "معادية" في حال اقترابها من مواقع الجيش.

ويعني ذلك عمليًّا أنّ النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت إسرائيل ستبقى في علي الطاهر بصورتها الحاليّة، بل حول شكل الانتشار الذي سيلي العمليّة، والحدود التي ستعتبرها تل أبيب خطوطًا أمنيّة لا تسمح بتجاوزها.

 

ضغوط على الجيش اللّبناني

لكنّ الجانب الأكثر سياسيّة في المعطيات الإسرائيليّة يتعلّق بالجيش اللّبناني. إذ نقل "واللا" عن مسؤول إسرائيليّ رفيع قوله إنّ تل أبيب غير راضية عن أداء الجيش في تنفيذ التفاهمات القائمة مع بيروت، متّهمة إيّاه بالبطء والتردّد في جمع السلاح وتفكيك البنية العسكريّة لـ"حزب الله".

وقال المسؤول إنّ الجيش اللّبناني "يدور في حلقة مفرغة"، زاعمًا أنّه يخشى مواجهة "حزب الله"، وأنّ الإجراءات التي يقوم بها لا تتجاوز، بحسب وصفه، خطوات "تجميليّة" لا تطاول ما تعتبره إسرائيل جذور وجود الحزب في جنوب لبنان.

وتندرج هذه الاتّهامات ضمن ضغط إسرائيليّ متواصل لرفع سقف المهمّات المطلوبة من الجيش اللّبناني، وتحويل انتشاره جنوبًا من مهمّة تثبيت حضور الدولة ومنع المظاهر المسلّحة إلى مواجهة مباشرة مع البنية العسكريّة لـ"حزب الله".

وفي المقابل، نقل الموقع نفسه عن مصادر لبنانيّة قولها إنّ الجيش يعمل بالفعل ضدّ بنى الحزب وعناصره، بما ينسجم مع الاتفاقات القائمة، لكنّ إسرائيل تطالبه بتسريع وتيرة هذه الإجراءات.

 

إسرائيل تراهن على لحظة ضعف "حزب الله"

وتكشف الرواية الإسرائيليّة أيضًا عن قراءة سياسية مختلفة لموازين القوى داخل لبنان. فبحسب مصادر أمنيّة إسرائيليّة، ترى تل أبيب أنّ "حزب الله" لم يعد التنظيم نفسه الذي كان قائمًا في عهد أمينه العام السابق حسن نصرالله، لا عسكريًّا ولا سياسيًّا، وأنّ قدرته على فرض خياراته داخليًّا تراجعت.

وقال مصدر أمنيّ إسرائيلي لـ"واللا": "هذا ليس حزب الله نفسه الذي كان في عهد نصرالله، وهذه ليست المنظّمة نفسها التي كانت تسيطر على كلّ منطقة في لبنان، ولذلك علينا الاستفادة من الوضع الراهن".

وتكشف هذه العبارة جزءًا أساسيًّا من الرؤية الإسرائيليّة للمرحلة الحاليّة. فتل أبيب لا تنظر إلى العمليّات في الجنوب بوصفها معالجة موضعيّة لتهديدات عسكريّة فقط، بل باعتبارها فرصة لإحداث تغيير أوسع في التوازن السياسيّ والأمنيّ داخل لبنان.

ولهذا، تتحدّث مصادر المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة عن "فرصة تاريخيّة" تخشى تفويتها، فيما تضغط على بيروت لزيادة وتيرة نزع سلاح الحزب وتقليص قدرته على الحركة جنوبًا.

 

هاجس الحرب الأهليّة

وفي المقابل، تقول المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة إنّها تدرك أنّ أكبر المخاوف لدى الحكومة اللّبنانيّة والجيش تتمثّل في إمكان انزلاق البلاد مجدّدًا إلى مواجهة داخليّة أو حرب أهليّة، في حال انتقلت الدولة إلى مواجهة واسعة ومباشرة مع "حزب الله".

وتعتبر إسرائيل أنّ هذا الهاجس هو ما يفسّر، من وجهة نظرها، بطء الإجراءات اللّبنانيّة وتردّد الجيش في الذهاب إلى خطوات أكثر حدّة.

لكنّ هذه القراءة تتجاهل بدورها حساسيّة التوازن الداخليّ اللّبنانيّ، إذ إنّ أيّ انتقال من مهمّة حصر السلاح بيد الدولة إلى مواجهة أمنيّة مفتوحة مع الحزب من شأنه أن يحمل تداعيات تتجاوز الجنوب إلى الاستقرار السياسيّ والأمنيّ الداخليّ برمّته.

وهنا تحديدًا تقع الحكومة اللّبنانيّة أمام معادلة شديدة التعقيد: من جهة، تتعرّض لضغط دوليّ وإسرائيليّ متزايد لإثبات قدرتها على بسط سلطة الدولة، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى تجنّب انتقال ملفّ السلاح من مسار سياسيّ وأمنيّ تدريجيّ إلى صدام داخليّ.

 

رسائل بين بيروت وتل أبيب

وفي موازاة التحركات العسكريّة، كشف "واللا" عن تبادل رسائل بين بيروت وتل أبيب خلال الأيام الأخيرة، بوساطة أميركيّة، بهدف خفض مستوى التوتّر بعد عمليّة علي الطاهر.

وبحسب الموقع، سعت إسرائيل إلى إيصال رسالة مفادها أنّ عمليّتها في المرتفعات كانت تستهدف تدمير بنى عسكريّة لـ"حزب الله"، وأنّها لا تسعى إلى تعطيل حياة السكّان اللّبنانيّين في المنطقة.

غير أنّ هذه الرسائل تتزامن مع استمرار الغارات والتفجيرات الإسرائيليّة في بلدات جنوبيّة عدّة، ومع عمليات تمشيط متواصلة في المنطقة الواقعة بين الحدود الدوليّة وما تسمّيه إسرائيل "الخطّ الأصفر".

وتواصل القوّات الإسرائيليّة، وفق "واللا"، البحث عن بنى عسكريّة ورسم خرائط لها وتدميرها، بما يعني أنّ إعادة الانتشار في علي الطاهر لا تشكّل نهاية العمليات الميدانيّة، بل بداية نموذج مختلف منها.

 

علي الطاهر بعد التفجير

وكانت هيئة البثّ الإسرائيليّة قد كشفت أنّ الجيش يستعدّ لسحب لواء واحد وتقليص حجم القوّات المنتشرة في المنطقة، على أن تتّجه بعض الوحدات نحو مرتفعات الشقيف.

وبحسب الرواية الإسرائيليّة، استمرّت عمليّة علي الطاهر أسابيع عدّة، واستخدم الجيش خلالها أكثر من 1100 طنّ من المتفجّرات لتدمير ثمانية أنفاق، قال إنّ مجموع أطوالها تجاوز 5400 متر.

وادّعى الجيش أنّ الموقع كان يشكّل "مركز الأعصاب الرئيسي" لـ"حزب الله"، وأنّه عثر داخله على مسيّرات وصواريخ مضادّة للدروع وأسلحة ومعدّات أخرى.

كما زعم أنّ نحو خمسين عنصرًا من الحزب كانوا موجودين داخل المجمّع تحت الأرض، وأنّهم قُتلوا خلال العمليّة، فيما تمكّن آخرون من الانسحاب. ولم يصدر عن "حزب الله" ما يؤكّد هذه الأرقام أو تفاصيل الرواية الإسرائيليّة عن المواجهات داخل الموقع.

 

بلديات تطالب بإبعاد السلاح؟

وفي سياق متّصل، ادّعى "واللا" أنّ عددًا من رؤساء البلديات والبلدات في جنوب لبنان بدأوا خلال الفترة الأخيرة التواصل مع "حزب الله" مطالبين بإزالة الأسلحة الموجودة في مناطقهم، خشية أن يؤدّي وجودها إلى تعرّض المباني والقرى لضربات إسرائيليّة.

وأضاف الموقع أنّ بعض البلديات عمد إلى منع أنشطة للحزب للأسباب نفسها.

 

المرحلة التالية: من يمسك الأرض؟

في الخلاصة، تكشف المعطيات الجديدة أنّ معركة علي الطاهر تنتهي عسكريًّا، لكنّ الصراع الذي أطلقته لم ينتهِ سياسيًّا وأمنيًّا. فإسرائيل تتّجه إلى تقليص جزء من قوّاتها، لكنّها تربط ذلك بإقامة منظومة مراقبة وضرب مستمرّة، وتضغط في الوقت نفسه على الجيش اللّبناني لتوسيع عمليّاته ضدّ "حزب الله".

وبذلك، تنتقل المعركة من سؤال "هل تنسحب إسرائيل؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يملأ المساحات التي تنسحب منها، وتحت أيّ شروط؟

فإذا دخل الجيش اللّبناني إلى علي الطاهر والمناطق المحيطة بها ضمن ترتيبات جديدة، قد يتحوّل الانسحاب الإسرائيليّ المحدود إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على تثبيت حضورها ومنع عودة البنية العسكريّة للحزب. أمّا إذا استمرّت إسرائيل في الاحتفاظ بحقّ الضرب وإقامة "مناطق تدمير" من جانب واحد، فإنّ الانسحاب لن يكون سوى إعادة تموضع داخل خريطة أمنيّة ما زالت تل أبيب تحاول رسمها بالنار.

وهنا تكمن عقدة المرحلة المقبلة: إسرائيل تريد تقليص قوّاتها من دون خسارة حرّيّة العمل، فيما يريد لبنان استعادة الأرض والسيادة من دون الانجرار إلى مواجهة داخليّة. وبين الهدفين، تتحوّل علي الطاهر من ساحة قتال إلى نموذج مصغّر للصراع على شكل الجنوب بعد الحرب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث