لاحظ بول ريكور أنّ العفو العام قريبٌ في بنيته من فقدان الذاكرة، لأنّه نسيانٌ مأمورٌ به لا نسيانٌ يقع. وهذا التوصيف، على ما فيه من قسوة، يصيب جوهر المسألة: فالدولة حين تعفو عفواً شاملاً لا تصفح عن مجرمٍ بعينه، بل تأمر جماعتها بأن تنسى، وتمحو من سجلّها فعلاً كان بالأمس جريمة. ولمّا كانت الذاكرة العامة ليست ملكاً للسلطة التي تشرّع، بل للضحايا الذين دفعوا ثمنها، فإنّ كلّ عفوٍ عام مسألةٌ دستورية قبل أن يكون مسألةً إنسانية. من هذا الباب، لا من باب المزايدة السياسية، ينبغي أن يُقرأ القرار رقم 10/2026 الصادر عن المجلس الدستوري في العاشر من أيلول 2026، القاضي بوقف مفعول القانون رقم 70/2026 المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدّة بعض العقوبات بشكل استثنائي.
ليس في النصّ ما يكشف هوية الموافقين والمخالفين ولا حجم الأكثرية، فالمذاكرة سرّية والرأي المخالف لا يُنشر في تقليدنا. غير أنّ ما لا يُختلف عليه أنّ المجلس لم يكن مُلزَماً بما فعل: فوقف المفعول رخصةٌ لا فرض، ولا يُصار إليه إلا متى بدت المطاعن جدّية في ظاهرها. وفي ذلك أول ما يُحمد للقرار.
فالتدبير الاحتياطي، في القضاء الدستوري كما في سواه، لا يُبنى على الجزم بالمخالفة، بل على رجحان جدّية المطاعن وعلى تعذّر إعادة الحال إلى ما كانت عليه لو نُفِّذ النصّ ثم أُبطل. والحال أنّ قانون العفو، متى طُبِّق، أسقط الدعوى العامة وأخرج المشمولين به ومحا الآثار الجزائية؛ فإذا قضى المجلس لاحقاً بالإبطال وجد نفسه أمام واقعٍ لا يُردّ: أحكامٌ تبخّرت، ودعاوى انقضت، ومراكز قانونية نشأت لأصحابها فيها حقوق. فالوقف هنا ليس تعطيلاً لإرادة المشترع، بل صيانةٌ للأثر النافع لقرار الأساس، وحمايةٌ للرقابة الدستورية من أن تنقلب كلاماً يصدر بعد فوات الأوان.
أما الأساس الأعمق فيكمن في طبيعة العفو ذاته. فالعفو العام، بمقتضى المادة 150 من قانون العقوبات، لا يقف عند إسقاط العقوبة كما يفعل العفو الخاص الذي جعله الدستور بمرسومٍ من رئيس الجمهورية، بل يمحو الصفة الجرمية عن الفعل نفسه، ويُسقط الدعوى العامة، ويزيل الآثار الجزائية كافة. وهو بهذا المعنى نقيضٌ بنيويّ لمبدأ المحاسبة، إذ يقول للضحية إنّ ما أصابك لم يعد في نظر القانون جريمة. وللبنان في هذا الباب تجربةٌ لا تُنسى: فقانون العفو العام لسنة 1991 عن جرائم الحرب لم يُنتج مصالحة، بل أنتج إفلاتاً مؤسَّساً من العقاب، وذاكرةً معلّقة، وآلافاً من المفقودين بلا حقيقة ولا جبر. ومن يقدّم العفو دواءً لأزمة العدالة يخلط بين الداء والدواء: فبطء المحاكمات وطول التوقيف الاحتياطي واكتظاظ السجون عللٌ يعالجها إصلاح القضاء، لا محو الجريمة.
وليس هذا المنحى اجتهاداً لبنانياً معزولاً. فالمجلس الدستوري الفرنسي، منذ قراره الرقم 82-138 الصادر في 25 شباط 1982 المتعلق بالنظام الخاص لكورسيكا، أقرّ بأنّ العفو من اختصاص المشترع بموجب المادة 34 من الدستور، لكنّه عاد في قراره الشهير الرقم 88-244 الصادر في 20 تموز 1988 فوضع لهذا الاختصاص سقفاً: أبطل أحكاماً من قانون العفو لأنّها "تتجاوز بشكل ظاهر الحدود التي يفرضها احترام الدستور على المشترع في مادة العفو"، كما أبطل تفاوت تطبيق العفو بين الأقاليم لتعارضه مع المساواة، بعدما نبّه الطاعنون إلى أنّ الغاية المنشودة من التهدئة السياسية أو الاجتماعية لا تبرّر المساس بحقوق الغير ولا بحقوق ضحايا الأفعال المعفوّ عنها. وقد لاحظ الفقه الفرنسي، وفي طليعته العميد لوي فافورو في تنظيره لدسترة فروع القانون، أنّ المادة الجزائية لم تعد ميداناً مطلقاً لتقدير المشترع؛ ويذهب المعاصرون، ومنهم دومينيك روسو وبرتران ماتيو، إلى أنّ القاضي الدستوري إنّما يستمدّ مشروعيته من كونه ضامناً للحقوق في وجه أكثريةٍ عابرة.
وفي المدرسة المصرية تقليدٌ راسخ يشدّد الشروط ولا يخفّفها: فمنذ دستور 1923 استقرّ أنّ العفو الشامل لا يكون إلا بقانون، وذهب دستور 2014 إلى أبعد من ذلك حين اشترط لإقراره أكثرية أعضاء المجلس لا أكثرية الحاضرين، إدراكاً لخطورة المساس بأحكامٍ قضائية مبرمة. وقد أرست المحكمة الدستورية العليا قاعدةً مطّردة مفادها أنّ التمييز بين المراكز المتماثلة لا يستقيم دستورياً إلا إذا قام على أسسٍ موضوعية تتصل بغايةٍ مشروعة، وإلا انقلب تحكّماً محظوراً. وهو ما يلتقي مع ما قرّره الفقيه أحمد فتحي سرور في مؤلَّفه «القانون الجنائي الدستوري» من أنّ التشريع العقابي، إنشاءً وإلغاءً، محكومٌ بالشرعية الدستورية لا بمشيئة الأكثرية النيابية.
أما اجتهاد مجلسنا الدستوري فسار في هذا الاتجاه منذ نشأته: فهو ما انفكّ يقرّر أنّ مقدمة الدستور جزءٌ لا يتجزّأ منه، وأنّ ما تحيل إليه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية له قيمة دستورية، وأنّ المساواة المكرَّسة في المادة السابعة ليست مساواةً شكلية بل تستلزم معياراً موضوعياً لكلّ تفريق بين اللبنانيين. وقد رأى فيه الفقه اللبناني، من الرئيس عصام سليمان إلى أنطوان مسرّة، مؤسسةً وُجدت لتصحيح انحراف التشريع حين تغلبه الحسابات. فحين يوقف هذا المجلس قانوناً يمسّ دماء العسكريين وحقوق الضحايا وذاكرة الجماعة، فهو لا يخرج على وظيفته، بل يمارسها في أنقى صورها.
على أنّ الإنصاف يقتضي ألا يُقرأ القرار في فراغ. فالطعن لم يصدر عن هيئةٍ رقابية محايدة، بل عن تكتل "لبنان القوي" برئاسة النائب جبران باسيل، الذي كان قد أعلن قبل التصويت أنّه سيطعن، ثم برّر طعنه بثلاثة هواجس: العدالة، وضحايا الجرائم وشهداء المؤسسة العسكرية، والموقوفون الإسلاميون الذين لم تجرِ محاكمتهم. وفي الجمع بين هذه الهواجس مفارقةٌ لا تخفى على قارئ: كيف يُطعن بقانونٍ يُخرج من لم يُحاكَموا، باسم الدفاع عمّن لم يُحاكَموا؟ الجواب السياسي هنا أوضح من الجواب القانوني: فالطعن، في توقيته وفي خطابه المرافق، أدّى وظيفةً تعبوية قبل أن يؤدّي وظيفته الدستورية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالقانون رقم 70، بعدما استُثنيت منه الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي والقتل العمد والإرهاب والفساد والجرائم المالية والمصرفية والتجسّس والاعتداءات الجنسية، صار جمهوره الظاهر محصوراً في فئتين: موقوفون إسلاميون طال حبسهم الاحتياطي بلا حكم، ومحكومون في جرائم مخدرات. ومتى صار المستفيد من نصٍّ معروفاً بانتمائه لا بمركزه القانوني، انتقل النقاش من ميزان الحقّ إلى حساب الطوائف، وتحوّل الطعن الدستوري -أراد صاحبه أم لم يُرد- إلى خطّ تماسٍ جديد بين "شهدائنا" و"سجنائهم". وليس على الجمهورية أخطر من أن يُستعمل الدستور نفسه وقوداً للفتنة؛ فآخر حصنٍ يجتمع عنده اللبنانيون، إذا صار موضع اشتباهٍ طائفي، لم يبقَ بعده ما يُحتكم إليه.
وما شهدته رومية غداة القرار شاهدٌ على هذا الثمن. فقد أعلنت هيئة أهالي السجناء وفاة الموقوف السوري أحمد مصطفى الحمد، وهو في الرابعة والأربعين، بعد أربعةٍ وأربعين شهراً من التوقيف من دون محاكمة، في ثالث وفاةٍ تُسجَّل خلال أقلّ من شهر، فاندلع الغضب داخل المبنى وتحطّمت الأبواب. وليس في ذلك حجّةٌ على خطأ القرار، لكنّ فيه حجّةً دامغة على أنّ الدولة التي تعلّق مفعول العفو ملزمةٌ، في اليوم نفسه، بمعالجة السبب الذي وُلد منه: فالتوقيف الاحتياطي المتمادي انتهاكٌ قائمٌ بذاته، لا يمحوه وقف قانون ولا يبرّره تأخّر المحاكم.
ثم إنّ للقرار مفعولاً سياسياً لم يقصده المجلس ولم يرد في نصّه. فالقانون أقرّه مجلس النواب في الثاني عشر من آب، ووقّعه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في الرابع من أيلول، ووُجِّه إلى النشر فوراً في عددٍ خاص من الجريدة الرسمية، ثم عُلّق مفعوله بعد ستة أيام. وأيّاً يكن ما يُتداول في أروقة السياسة عن مقدار الارتياح أو التحفّظ الذي رافق ذلك التوقيع -وهو ما لا سبيل إلى الجزم به- فإنّ النتيجة الموضوعية أنّ الكلفة السياسية للنصّ انتقلت من بعبدا إلى المجلس الدستوري، وأنّ رئيس الجمهورية بات في موقع من احترم الأصول الدستورية بتوقيعه، من غير أن يتحمّل وحده تبعات قانونٍ لم يكن هو صاحبه ولا واضعه.
ولا يقدح شيءٌ ممّا تقدّم في صواب ما انتهى إليه المجلس. فالقضاء لا يزن نوايا المستدعي بل جدّية أسبابه، ولو رُدّت المراجعات بحسب دوافع أصحابها لأُقفلت المحاكم. غير أنّ هذا بعينه يضاعف مسؤولية المجلس في قرار الأساس: عليه أن ينزع عن الملف طابعه التعبوي، وأن يبني قضاءه على الميزان الدستوري وحده -المساواة، وموضوعية معيار التفريق، وحقوق الضحايا، والحقّ في محاكمة ضمن مهلة معقولة- لا على هوية المستفيدين ولا على هوية الطاعنين. عندئذٍ يكون قد أنقذ العفو من السياسة، وأنقذ الدستور من الفتنة، في آنٍ معاً.
ويبقى على القرار مأخذٌ واحد، لا ينال من صوابه بل من اكتماله: أنّه صدر من غير أسبابٍ موجبة. فالمجلس أثبت الحضور وأعلن النتيجة ولم يقل لماذا. ولئن كانت القرارات الاحتياطية في حِلٍّ من إسهاب التعليل، فإنّ سلطة القاضي الدستوري كلّها مستمدّة من الإقناع، والإقناع لا يقوم على الصمت. والمنتظر أن يجبر قرار الأساس هذا النقص جبراً كاملاً.
إنّ ما فعله المجلس الدستوري ليس إغلاقاً لباب الرحمة، بل رفضٌ لأن تُمنح الرحمة رخيصةً على حساب من لا صوت لهم. فالصفح الذي لا يملكه أهل الحقّ ليس صفحاً بل مصادرة، والدولة التي تنسى قتلاها تعلّم أحياءها أنّ الدم زهيد. أمام المجلس الآن مهلةُ شهرٍ ليكتب قراراً سيُقرأ بعد جيل: إن أبطل، فليقل للمشترع أين اختلّ الميزان؛ وإن أجاز، فليقل للضحايا لماذا. وليقل في الحالين كلمةً في أولئك الذين يموتون في الزنازين قبل أن يمثلوا أمام قاضٍ، فهؤلاء أيضاً من رعايا الدستور. وهو في الحالين يكون قد أدّى ما وُجد لأجله، وهو أن يذكّر السلطة بأنّ للنسيان في الجمهورية حدوداً، وأنّ الدستور هو آخر من يملك حقّ النسيان.




