الشيعيّة والشيعة: بين الخيار والاضطرار

أحمد جابرالسبت 2026/09/12
1000.jpg
تواجه الشيعية السياسية مسؤولية مراجعة خياراتها (مصطفى جمال الدين
حجم الخط
مشاركة عبر

شيئاً فشيئاً، ينزلق الخطاب السياسي إلى اعتماد التماهي بين الشيعة كطائفة أهلية، وبين الشيعيّة كتعبير سياسي ينطق به جمع مختلط، سياسي واقتصادي وثقافي وديني، ويتولّى الدفاع عنه في إطار نظام المحاصصة اللبنانية.

رسم خط تمييز بين الشيعة والشيعية، ضرورة ملحّة تمليها تطورات الوضع اللبناني في حاضره، وتوجبها مسؤولية الإعلان "المصيري" عن التحذير من أخذ الطائفة الشيعية كلّها، في سياق الاختلاف الداخلي، حول سياسات وممارسات شيعيّتها.

أن تكون الطائفة في موقع الاضطرار اليوم، فهذا لأنّ شيعيّتها كانت في موقع الاختيار منذ عقود، اختيار السياسات والتحالفات والرهانات، التي لمّا تضعْ أوزار نتائجها حتى تاريخه.

 

لأسبابٍ شتّى، كانت الطائفة من "أهل" خيار شيعيّتها، من مدخل غضّ النظر عن مجمل ممارساتها، ومن مدخل مشاركتها في حصيلة "الأرباح" التي وفّرتها هذه الممارسات.

الآن تقف الطائفة مجتمعة أمام ما هي مضطرّة لمعاينته ومن ثمّ مراجعته، وهو كثير، مثلما تواجه الشيعيّة مسؤوليّة مراجعة خياراتها، وهذه كانت وما زالت شديدة الوطأة على البنية الوطنية الداخلية.

من مدخل الوضوح، تصدّر الثنائي الشيعي، حركة أمل وحزب الله، تجمّع الشيعية، وقادَ المصالح بشراكة انتظمها التفاهم الإجمالي، وإن لم يغب عنها بعض ألوان الاختلاف. وإذْ احتفظت حركة أمل، ممثّلة برئيسها الأستاذ نبيه بري، "بحقيبة" الديبلوماسية العامة، في مخاطبة الداخل والخارج، فإن حزب الله، وباسم مقاومته، احتكر "الحقيبة" العسكرية. كانت القسمة قسمة واقع حال، وفي ميزان واقع الحال، كان التوازن مختلاًّ بوضوح لصاحب الآلة العسكرية.

نعود إلى شيعيّة الخيار، لنذكُرَ وليس لنذكّر، بحقبات الطفرة التي سيطر خلالها حزب الله على المشهد العام، ولنعيد التأكيد على مجموع الخيارات التي اعتمدت خلال حقبات الطفرة، فهذه كانت قفزاً متوالياً من فوق المصالح الوطنية اللبنانية، ومن فوق مجموع المصالح القومية العربية.

 

البدء من عام التحرير، عام 2000، نقطة تأسيسية، والتنقل بين الأعوام الحَدَثية اللاحقة، يتيح فهم خيار ما بعد لحظة التأسيس، مثلما يتيح الربط بين متواليات الخيارات السياسية التي رسمت مسالك "المقاومة الإسلامية" وحدَّدت لها أساليبها وحركاتها وتحرّكاتها.

إذن وبعد عام 2000 الذي سبق ذكره، افتتح حزب الله مسار تغليب خارجيته على داخليته. مزارع شبعا كانت اقتراحاً "أسديّاً"، ذلك أن النظام الحاكم لم يستسغ فقدان "دجاجة المقاومة التي باضت له ذهباً". باسم المزارع جرى تعليق المسار الوطني كله على سارية شعار: استكمال التحرير. 

من دون وقفة طويلة، نسرد المحطات، بعد المزارع كانت حرب 2006، وبعدها كان الانخراط في الحرب الأهلية السورية، وفي المسار ذاته كانت المشاركة في العراق وفي اليمن وفي عدد من البلدان غير العربية.

لم يكن إسناد غزّة كافياً لتغطية خارجية حزب الله برداء القومية العربية، ومن قبيل الاستطراد، لقد ألحقت الإسلامية السياسية الفلسطينية الخسارة التاريخية الفادحة بقضية فلسطين، مع الانقلاب الذي قامت به حماس في غزة، سنة 2007، وهذه مسألة تقتضي معالجة مستفيضة خاصة.

 

الآن، يحصد لبنان نتائج الإسناد الثاني، الذي جاء انتقاماً لاستشهاد المرشد الإيراني، وردّاً على تمادي إسرائيل في خرق وقف إطلاق النار الذي وقعته الأطراف سنة 2024. كل ما سبق ذكره كان خيار طرف في الشيعية السياسية، أما الطرف الآخر وهو حركة أمل، فلم يقدّم مطالعة تميّزه، بل استمر في إدارة علاقته بالبلد، وبالأطراف، وبالخارج، وفق النسق السياسي نفسه الذي جرى اختباره، فكان ناجعاً في ظروف مختلفة ثم صار غير نافع بعد أن تبدَّلت الظروف.

نطرح السؤال: هل الغاية من سرد المحطات، التي يعلمها القاصي والداني، الدعوة إلى محاسبة الشيعة كطائفة؟ الجواب بالنفي. وسؤال إضافي، هل المطلوب فتح دفتر محاسبة للشيعية، وفي طليعتها الثنائي الذي لم يتقدم في خطابه خطوات معقولة ومقبولة إلى الأمام؟ الجواب بالنفي أيضاً. إذن ما المطلوب؟ المطلوب دعوة الطائفة إلى الحركة من أجل ضبط ما كان خيارات خاسرة لنخبة شيعيتها، هذه الحركة هي حركة خيار واضطرار، فالطائفة مسؤولة عن استدراك السياسات العامة التي تمَّت باسمها، وهي مسؤولة عن فك الاستعصاء الذي تمارسه "نخبتها"، وعليها أن تدرك، أن جمودها في الوقت الراهن، يحيلها إلى "حصن" معلق ومحاصر، بسبب من سياسات تمادت في الزمن لحقبات، ثم حطّت رحالها في ميدان خسارة مُدوّية. "بيدي لا بيد عمرو"، تلك هي حال الشيعة، وبيدها هي، يكون الممكن والضروري والاضطراري المطلوب، أمّا بيد غيرها، فستكون خراباً عميماً يصيب الجميع.

 

لم نعرج على إسرائيل في هذه العجالة. من أراد تعريفاً لها، ووصفاً لعدوانيتها، وتذكيراً بأحلامها التوسّعية... يستطيع أن يسمع ذلك في الشارع وفي المقهى، وفي بيت البغاء، وفي مجالس الحكماء والقوميين البلغاء... إذن لا فائدة من التحذير الكلامي، ما دام المضمون معلوماً، ولا فائدة من تذكير الجمهور بضرورة التركيز على مسؤولية "المؤامرة" الصهيو – أميركية، التي يحلو "للثوريين" التذكير بها.

فائدة الكلام هي في نَصّ الجواب عن سؤال: ما الذي يستطيعه اللبنانيون في مواجهة العدوانية الإسرائيلية المرعية أميركيّاً؟ وماذا في حوزتهم لاستعادة ما فقدوه من أرضهم؟ وكيف يحافظون على سلامة ما بقي لهم من أراضٍ مهددة بالاجتياح والدمار؟

 

هذه أسئلة ذاتية، وجوابها ذاتي، والجواب الأول يجب أن يأتي من الشيعة، أي من الشيعية التي أحسَّت بثقل الخسارة، فسعت، أو ستسعى إلى إدارة يومياتها بحكمة الانفتاح، وبوعي الاستماع، وبخطاب المسؤولية...

على المقلب الوطني الآخر، سيجد صوت الطائفة الهادئ، أصواتاً كثيرة تنضمّ إلى هدوئه، وانشغال الشيعة بهموم إعادة اندراجهم في السياق الانقاذي العام، سيجد شركاء يجتمعون على الانشغال ذاته، وينضمون إلى جهود الاشتغال على نقل البلد من حالٍ إلى حال.

شيعة وشيعية. لا بديل من مراجعة اضطرارية، والاضطرار الآن هو الخيار.

طائفة وطوائف لبنانية، افتحوا السبيل أمام العائدين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث