مرحلة "ما بعد علي الطاهر": هل من رؤية لبنانية لمواجهة الخطر؟

مانشيت - المدنالجمعة 2026/09/11
تفجير تلة علي الطاهر (المدن)
المشكلة في قراءة انتهاء معركة علي الطاهر باعتبارها مجرد انسحاب إسرائيلي من التلة.
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلق التدمير الممنهج لأنفاق علي الطاهر مرحلة جديدة من شأنها أن تُعيد تعريف "المنطقة الأمنية"، "من الساحل وصولًا إلى مرتفعات جبل الشيخ". والسؤال الأكثر خطورة اليوم يتعلّق بالمسار المقبل. فهل ستكتفي إسرائيل بالسيطرة على هذه التلّة الاستراتيجية وتتمركز على خطوط خلفية تعتمد أسلوب النيران الذكية والمراقبة، أم إنّ ما حدث هو نقطة الانطلاق لنزولٍ نحو عمق النبطية أو صعودٍ نحو ارتفاعات إقليم التفاح وسجد وتومات نيحا، كما توقّع العديد من الخبراء؟

لا معطيات مؤكّدة حول ما تحتويه منشآت علي الطاهر، وكم عدد عناصر حزب الله الذين كانوا في داخلها. وماذا سيكون موقف حزب الله الذي قلّل من أهمية السيطرة على المنشأة أو تفجيرها في الآونة الأخيرة؟ لكن مصادر مطّلعة على موقف الحزب أكّدت لـ"المدن" أنّ مقاتليه انسحبوا جميعًا من علي الطاهر في الوقت المناسب. وأضافت المصادر أنّ إسرائيل أعلنت منذ بداية المعركة أنّها ستجعل المقاتلين يخرجون مستسلمين ورافعين أيديهم، "إلّا أنّ هذا الهدف لم يتحقّق، فاستعاضت عن ذلك بالتفجير".

أما في الجانب الإسرائيلي، فقام اليوم بنيامين نتنياهو بزيارة المطلة الواقعة على الحدود مع لبنان، عارضًا الأسلحة التي تمّ إخراجها من علي الطاهر، فيما حرص وزير الأمن يسرائيل كاتس على تأكيد أنّ المنطقة الأمنية تمتد من الساحل إلى جبل الشيخ. وأوضح رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أنّ الخط الأصفر "سيبقى تحت سيطرتنا الكاملة من دون تغيير"، وأنّ أيّ تقدّم في تنفيذ اتفاق الإطار سيكون مرهونًا بفاعلية الجيش اللبناني.

وبمعزل عن الاتجاه الذي ستختار إسرائيل سلوكه في الجنوب ميدانيًّا، فإنّ الاتجاه السياسي لا يبدو أقل خطورة على لبنان. وهذا ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى القول: "الوضع خطير والحلول كلها بعيدة، اتفاق الإطار طار، وإذا أراد الإسرائيلي أن يحتل فإنّه يستطيع ذلك".

واللافت أنّ إسرائيل أعلنت، عبر إعلامها، عن انعقاد جولة المفاوضات المقبلة في روما الثلاثاء والأربعاء المقبلين، علمًا أنّ لبنان لم يتبلّغ شيئًا من هذا القبيل حتى الساعة. والمغزى من تحديد إسرائيل للموعد المفترض، في هذا التوقيت، هو أنّها ستفرض على الطاولة ثمار ما حقّقته على الأرض جنوبًا. وقالت مصادر رسمية لـ"المدن" إنّ "لبنان كان قد أبلغ تفضيله عدم تزامن موعد جلسة التفاوض مع موعد المؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني الذي سيُعقد في العاصمة الفرنسية". فالرئيس جوزاف عون سيتوجّه الخميس المقبل إلى باريس، ومعه وفد عسكري برئاسة قائد الجيش رودولف هيكل، لحضور المؤتمر الذي سيشارك فيه ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

أمام هذا المشهد المعقّد، يبرز السؤال الجوهري: هل هناك رؤية استراتيجية واضحة للبنان في التعامل مع مرحلة "ما بعد علي الطاهر"، أم إنّ اللبنانيين سيستمرّون بإدارة الأزمة وينزلقون في الكارثة؟

 

انسحاب إسرائيلي أم صيغة جديدة للسيطرة؟

المشكلة في قراءة انتهاء معركة علي الطاهر باعتبارها مجرّد انسحاب إسرائيلي من التلّة، أنّ إسرائيل نفسها لا تقدّم الأمر بهذه الطريقة. فبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، انسحبت القوات إلى خطوط خلفية في منطقة قلعة الشقيف، لكنّها تعتزم الاحتفاظ بالقدرة على السيطرة على التلّة "عن بُعد"، بالنيران والمراقبة. وهذا التفصيل يختصر، إلى حدّ بعيد، الشكل الذي قد تسعى إسرائيل إلى تكريسه في مناطق أخرى من الجنوب، أي تقليص الانتشار المباشر، من دون التخلّي عن حرية العمل العسكري أو القدرة على منع العودة الطبيعية إلى الأرض.

بمعنى آخر، قد لا تكون إسرائيل بحاجة إلى احتلال كلّ نقطة تريد السيطرة عليها. النموذج الذي ظهر في علي الطاهر يسمح لها بالفصل بين "الاحتلال" بمعناه التقليدي وبين "التحكّم" بالأرض. خطوط خلفية، تفوّق ناري، مراقبة جوية واستخبارية، وقدرة على التدخّل متى قرّرت أنّ تهديدًا ما يتشكّل. وهنا تحديدًا تكمن خطورة كلام كاتس عن منطقة أمنية تمتد من الساحل غربًا إلى الشقيف وجبل الشيخ شرقًا، لأنّه لا يصف موقعًا عسكريًّا واحدًا، بل يرسم مفهومًا إسرائيليًّا جديدًا للجغرافيا الأمنية في الجنوب.

إذا ترسّخ هذا النموذج، تصبح المسألة أكبر من علي الطاهر. السؤال ينتقل إلى النبطية وإقليم التفاح والمرتفعات المحيطة بهما، وإلى ما إذا كانت إسرائيل تريد حدودًا فعلية جديدة لحرية حركتها العسكرية، من دون أن تضطر إلى دفع كلفة الانتشار الدائم داخل كلّ منطقة.

 

معركتان على رواية واحدة

في المقابل، يخوض حزب الله معركة مختلفة على معنى ما حصل. فالمصادر المطّلعة على موقفه تصرّ على أنّ الموقع لم يكن "مركزًا استراتيجيًّا" بالحجم الذي تصفه إسرائيل، وأنّ المقاتلين انسحبوا منه، فيما فشلت إسرائيل في الحصول على الصورة التي كانت تريدها، أي خروج مقاتلي الحزب مستسلمين. وبذلك يحاول الحزب تحويل تفجير المنشأة من "انتصار إسرائيلي" إلى نهاية مكلفة لمعركة لم تحقّق هدفها الأصلي.

لكنّ التنافس بين الروايتين لا يلغي حقيقة سياسية أكثر أهمية. فإسرائيل تمكّنت، بصرف النظر عن حجم الموقع الحقيقي، من تحويل علي الطاهر إلى مادة سياسية وإعلامية وعسكرية. نتنياهو عرض أسلحة قال إنّها أُخرجت من المنشأة، فيما قدّم الجيش الإسرائيلي شبكة الأنفاق باعتبارها بنية عسكرية واسعة، ثم جاء كاتس لينقل النقاش من التلّة نفسها إلى حدود "المنطقة الأمنية". أي إنّ إسرائيل لم تكتفِ بتدمير المنشأة، بل حاولت استثمارها في صياغة المرحلة التي تليها.

وهنا لا يعود السؤال اللبناني المفيد هو مَن ربح حرب الروايات. الأهم هو مَن بات يمتلك القدرة على وضع القواعد الجديدة على الأرض، ومَن يستطيع تحويل تلك القواعد إلى شروط سياسية في المفاوضات.

 

النبطية: الدولة تدخل لكن هل يتراجع العدوان؟

لهذا السبب تحديدًا، يكتسب تعزيز حضور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في النبطية أهمية تتجاوز البعد الأمني المحلّي. فالجيش كثّف مهمّاته ودورياته، بالتوازي مع حضور أمن الدولة والاستعداد لتعزيز دور الأمن العام وقوى الأمن الداخلي. والهدف السياسي الواضح هو الانتقال من نموذج "وجود الجيش" إلى نموذج أوسع، تكون فيه الدولة، بمؤسّساتها الأمنية المختلفة، صاحبة الإدارة الفعلية للأرض.

لكنّ هذا المسار يواجه معضلة شديدة الحساسية: ماذا لو قامت الدولة بكلّ ما هو مطلوب منها، فيما استمرّت إسرائيل في الاحتفاظ لنفسها بحقّ الضرب والتوغّل والسيطرة بالنار؟

عندها يصبح خطر المعادلة الجديدة واضحًا، لبنان يتحمّل مسؤولية ضبط الأرض، بينما تحتفظ إسرائيل بحرية تحديد ما إذا كان هذا الضبط "كافيًا". وهذه تحديدًا هي دلالة كلام زامير عن ربط التقدّم في الاتفاق بفاعلية الجيش اللبناني. فالمطلوب إسرائيليًّا لم يعد مجرّد انتشار الجيش، بل أن يخضع هذا الانتشار في نهاية المطاف لتقييم إسرائيلي لمستوى "الفاعلية".

وهذا اختبار سيادي لا أمني فقط. إذ لا يمكن أن تتحوّل الدولة اللبنانية من صاحبة سيادة إلى جهة مطالبة بصورة مستمرّة بإثبات أهليتها أمام إسرائيل كي تحصل، في المقابل، على انسحاب أو وقف للغارات.

 

المدنيون يدفعون ثمن المساحة الرمادية

وفي قلب هذه الحسابات العسكرية والتفاوضية، تستمرّ الكلفة البشرية. فمجزرة كفررمان، التي أودت بحياة 12 فردًا من عائلة واحدة، بينهم أطفال ورضيع، دفعت ذوي الضحايا إلى مطالبة الدولة بتحويل الجريمة من مجرّد إدانة سياسية إلى ملف دبلوماسي وقانوني أمام الأمم المتحدة والجهات الدولية.

وهذه المطالب لا تنفصل عن السؤال الأكبر المطروح على الدولة. فإذا كان لبنان يتّجه إلى تكريس حضور مؤسّساته في الجنوب، فلا يمكن أن يقتصر مفهوم "الحضور" على الدوريات والنقاط العسكرية. الدولة مطالبة أيضًا بأن تكون صاحبة الملف السياسي والقانوني والدبلوماسي، وأن تنقل حماية المدنيين من مستوى البيانات إلى استراتيجية ضغط موحّدة.

وإلّا يصبح الجنوب عالقًا في مساحة رمادية شديدة الخطورة، لا حرب شاملة تنتهي بتسوية، ولا وقف فعليًّا للنار يعيد الحياة، ولا سيادة لبنانية مكتملة تمنع إسرائيل من فرض قواعدها.

 

روما: إسرائيل تريد التفاوض من فوق التلّة

لهذا تبدو جولة روما أكثر حساسية من سابقاتها. إسرائيل أعلنت عبر إعلامها أنّ المفاوضات ستُعقد الثلاثاء والأربعاء، بينما لم يكن لبنان قد تبلّغ رسميًّا الموعد، وأبلغ الجانب الأميركي تفضيله عقد الجولة بعد مؤتمر باريس لدعم الجيش. وتحدّث الإعلام الإسرائيلي أيضًا عن بحث آلية للتحقّق من خلوّ ما يسمّى "المناطق التجريبية" من حزب الله، وعن رغبة أميركية في توسيع المناطق التي يمكن أن تنسحب منها إسرائيل ويتولّى الجيش اللبناني الانتشار فيها.

المشكلة هنا ليست في الموعد وحده. أن تحدّد إسرائيل موعدًا إعلاميًّا للمفاوضات بعد أيام من علي الطاهر يعني أنّها تريد الانتقال سريعًا من تثبيت وقائع ميدانية إلى محاولة ترجمتها سياسيًّا. وبذلك تدخل المفاوضات وهي تقول، عمليًّا، إنّ لديها "خطًّا أصفر"، و"منطقة أمنية"، وشروطًا تتعلّق بفاعلية الجيش اللبناني، فيما يدخل لبنان مطالبًا بالانسحاب ووقف الاعتداءات واستعادة سيادته.

من هنا تكتسب زيارة عون إلى باريس ومؤتمر دعم الجيش في 17 أيلول وزنًا سياسيًّا مضاعفًا. فالمؤتمر، بمشاركة عون وماكرون والملك عبد الله الثاني، ليس اختبارًا لقدرة لبنان على جمع مساعدات للجيش فحسب، بل لقدرته على جعل دعم المؤسسة العسكرية جزءًا من معادلة سياسية واضحة، الجيش ينتشر لأنّه جيش الدولة وصاحب السيادة، لا لأنّه أداة لتنفيذ اشتراطات إسرائيلية مقابل انسحابات جزئية.

 

ما بعد علي الطاهر: الدولة أو إدارة الانهيار

من هذه الزاوية، يمكن فهم تشاؤم برّي وإعلانه أنّ "اتفاق الإطار طار". فالاتفاق، حتى لو لم يسقط رسميًّا، بات أمام اختبار جوهري، هل يبقى إطارًا لتنفيذ انسحاب إسرائيلي متدرّج واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها، أم يتحوّل تدريجيًّا إلى آلية تفاوض على حجم المنطقة التي تسمح إسرائيل للبنان باستعادتها وشروط إدارتها؟

الفارق بين الأمرين هائل.

مرحلة ما بعد علي الطاهر تحتاج لذلك إلى أكثر من ردود فعل منفصلة، انتشار أمني هنا، مؤتمر دعم هناك، وجولة تفاوض في مكان آخر. المطلوب ربط هذه المسارات في استراتيجية واحدة، لأنّ إسرائيل تفعل ذلك بالفعل. عملياتها العسكرية مرتبطة بتعريفها للمنطقة الأمنية، وتعريف المنطقة مرتبط بشروطها التفاوضية، وشروط التفاوض مرتبطة بما تعتبره دورًا مطلوبًا من الجيش اللبناني.

أما لبنان، فإن لم يفعل الشيء نفسه، فسيستمرّ في التعامل مع كلّ خطوة باعتبارها أزمة مستقلة، بينما تتشكّل حوله، خطوة بعد أخرى، قواعد مرحلة جديدة.

وهنا تحديدًا يصبح علي الطاهر أكبر من تلّة، وأكبر من الأنفاق التي دُمّرت تحتها. إنّه الاختبار الأول لما إذا كانت الدولة اللبنانية ستدخل المرحلة المقبلة بصفتها صاحبة مشروع سياسي وسيادي متكامل، أم ستكتفي بمحاولة اللحاق بالوقائع بعدما تكون إسرائيل قد رسمتها على الأرض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث