تعزيز انتشار الجيش اللبناني في النبطية ومحيطها يفتح نقاشاً حول طبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب، وما إذا كان هذا الانتشار يشكل خطوة أولى لتوسيع حضور المؤسسة العسكرية خارج ما سُمّي "المناطق النموذجية"، أم أنه إجراء موضعي فرضه التصعيد الإسرائيلي ومطالب الأهالي بتعزيز وجود الدولة؟
السؤال يكتسب أهمية إضافية بعدما شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال الاجتماع الأمني الذي ترأسه في بعبدا، على أن أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات ومساساً بالسيادة، وربط الانتشار في النبطية بالتزامات الدولة اللبنانية وبموقعها التفاوضي مع إسرائيل. وهو موقف يعيد إلى الواجهة النقاش حول مستوى حضور الدولة في المدن والبلدات غير الخاضعة للاحتلال، ومدى قدرتها على ملء أي فراغ يمكن أن تستغله إسرائيل لتبرير عملياتها.
ولا ينحصر النقاش في مسألة وجود الجيش في المنطقة من عدمه، إذ أكدت قيادة المؤسسة أن وحداتها كانت منتشرة أساساً في النبطية، وأن الخطوة الأخيرة تمثلت في تكثيف المهمات وتعزيز الانتشار. إلا أن السؤال الفعلي يتعلق بمدى فاعلية هذا الحضور وقدرته على تكريس سلطة الدولة، وضبط الأمن والسلاح، وإقامة الحواجز والنقاط وتسيير الدوريات، وصولاً إلى تنفيذ القرارات السياسية المرتبطة بحصرية السلاح.
من هنا، تصبح النبطية مؤشراً إلى مسألة أوسع، هل تتجه الدولة إلى الانتقال من نموذج أمني محصور في مناطق محددة إلى انتشار أكثر شمولاً، أم أن وتيرة التحرك ستبقى مرتبطة بكل تطور ميداني على حدة؟
بين الخطة والتنفيذ
تقدم قيادة الجيش في بيانها الأخير جزءاً من الإجابة عن أسباب بطء هذا المسار. فالجيش يقول إنه أبدى منذ توقيع اتفاق الإطار استعداده الكامل لتنفيذ التزاماته، وبدأ اتخاذ الإجراءات لفرض "السيطرة العملياتية" في المناطق النموذجية بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان.
وشملت الإجراءات، وفق القيادة، إقامة ستة حواجز ثابتة و13 نقطة مراقبة في زوطر الغربية وفرون وصريفا ومحيطها، وتسيير دوريات على مدار الساعة، إلى جانب مصادرة نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها منصات صواريخ وصواريخ ومسيّرات وذخائر مختلفة، فضلاً عن فتح الطرقات وتفتيش عدد من المنازل وفق القوانين اللبنانية.
وتظهر هذه الأرقام أن الجيش بدأ فعلياً تطبيق نموذج أمني وعسكري مكثف في مناطق محددة. لكن البيان يكشف في المقابل حدود المرحلة الحالية، إذ يشير إلى أنه "لم يتم الاتفاق الكامل على مراحل هذه المناطق ولا الخطوات اللاحقة". وهنا تبرز الإشكالية الأساسية، لماذا لا ينتشر الجيش في مناطق أخرى خارج نطاق المناطق النموذجية، ما دامت هذه المناطق تقع ضمن الأراضي اللبنانية الخاضعة لسيطرة الدولة ولا ترتبط مباشرة بالمناطق المحتلة ؟
في هذا السياق، يرى النائب مارك ضو، في حديث لـ"المدن"، أن المشكلة لا تبدأ مع الانتشار الحالي في النبطية، بل تعود إلى المرحلة السابقة، عندما أعيد تموضع وحدات عسكرية كانت موجودة في الجنوب.
ويقول ضو إنه "عندما انسحب الجيش من بعض النقاط الحدودية مع تطور المواجهات، كان يفترض أن يحافظ على كثافة وجوده في القرى والمدن الجنوبية التي بقي سكانها فيها أو ظلت معرضة للخطر". ويشير إلى "أن نحو تسعة آلاف عسكري كانوا مخصصين للانتشار في الجنوب ضمن ترتيبات إنهاء حرب 2024"، وكان يفترض، بحسب رأيه، "أن يبقى الجزء الأكبر منهم في نطاق الجنوب، وخصوصاً في صور والنبطية ومحيطهما".
ووفق ضو، فإن "إعادة إرسال وحدات، بينها أفواج تدخل، لتعزيز النبطية اليوم تطرح سؤالاً عن سبب عدم المحافظة أساساً على مستوى أعلى من الحضور في المرحلة السابقة". ويعتبر ضو "أن على الجيش وضع خطة واضحة وشاملة للانتشار وبسط الأمن على كامل الأراضي اللبنانية".
في المقابل، يرى النائب غسان حاصباني، في حديث لـِ "المدن"، "أن تجربة الانتشار في المناطق النموذجية يفترض ألا تبقى محصورة فيها، بل أن تتحول إلى نموذج يمكن توسيعه وتطبيقه في أماكن أخرى". وبالنسبة إليه، فإن "أهمية هذا المسار تكمن في إظهار قدرة الدولة على فرض سلطتها وضبط الأمن والسلاح بواسطة الجيش".
ومن هذه الزاوية، لا يفترض أن تكون النبطية "انتشاراً يتيماً"، بل خطوة ضمن مسار أوسع لتوسيع حضور الدولة وتثبيت سلطتها في الجنوب.
أين تقف القرارات الحكومية؟
هذا النقاش لا ينفصل عن ملف حصر السلاح، خصوصاً أن القرار السياسي في هذا الشأن اتُخذ. فقد سبق أن تبنت الحكومة مساراً لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح، قبل أن تؤكد مجدداً ضرورة تنفيذ القرارات المتعلقة بالنشاطات العسكرية والأمنية غير الشرعية.
وهنا تظهر مسألة الفصل بين القرار السياسي والتقدير العسكري. فقيادة الجيش تحدد كيفية الانتشار، وحجم القوى، وأولويات الوحدات، والتوقيت المناسب لكل خطوة، لكن هل يمكن للتقدير الميداني أن يؤخر تنفيذ الهدف السياسي نفسه؟
حاصباني يميز بين المستويين، مشيراً إلى أن "الجيش يملك هامشاً مشروعاً وضرورياً في تحديد آليات التنفيذ وانتشار الوحدات وتوزيعها وفق الظروف العسكرية والأمنية". لكنه يشدد في المقابل على أن هذا الهامش "لا يمكن أن يتحول إلى هامش لعدم تنفيذ القرار السياسي".
فالتفاصيل العسكرية، وفق حاصباني، "تقع ضمن صلاحيات قيادة الجيش، فيما التوجهات الأساسية، وفي مقدمها بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، هي قرارات صادرة عن السلطات الدستورية ويتوجب تنفيذها". وهو يرى أن "الجيش يسير في الاتجاه الصحيح، وإن كانت تظهر أحياناً فجوة بين القرار السياسي والعمل الميداني"، سواء في الوتيرة أو آليات التنفيذ.
أما ضو أكثر تشدداً في هذه النقطة. فهو يعتبر أنه "لا يوجد سبب يبرر عدم التنفيذ، وأن نقص التجهيزات أو الإمكانات لا يجوز أن يتحول إلى عذر دائم، خصوصاً في ظل المساعدات التي تحصل عليها المؤسسة العسكرية ومؤتمر دعم الجيش المرتقب".
لكن تحميل الجيش وحده مسؤولية هذه الفجوة يبقى تبسيطاً للمسألة. فالجيش، وفق ضو، "مطالب بأن يضع أمام الحكومة بصورة واضحة احتياجاته وخطته والجدول المطلوب لتنفيذها، في مقابل مسؤولية السلطة السياسية عن توفير الغطاء والموارد ومعالجة الانعكاسات السياسية والأمنية لأي عملية واسعة لحصر السلاح".
بذلكَ، تصبح المسؤولية مشتركة ولكن بأدوار مختلفة، الحكومة تقرر وتؤمن الغطاء السياسي، والجيش يضع الآليات وينفذ. والمشكلة تبدأ عندما يبقى القرار واضحاً بينما يغيب الجدول التنفيذي أو تتباطأ خطواته على الأرض.
تحديات إسرائيلية.. لكن ماذا عن المناطق غير المحتلة؟
في المقابل، لا يتحرك الجيش في ظروف طبيعية. وبيانه الأخير يضع الاعتداءات الإسرائيلية في مقدمة العوامل التي تعرقل استكمال مهماته، متحدثاً عن نحو 7700 خرق منذ توقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران، إضافة إلى استهداف المناطق السكنية وإطلاق النار قرب عناصر الجيش ودورياته.
وتعتبر القيادة أن وقف الاعتداءات والخروقات يشكل العامل الأساسي لاستكمال الانتشار وتنفيذ المهمات وفق اتفاق الإطار، خصوصاً أن التصعيد الأخير أدى إلى موجة نزوح جديدة من مناطق كان يفترض أن تكون آمنة.
وهذا التحدي يفرض تمييزاً بين الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي والمناطق الخاضعة لسيطرة الدولة. ففي الأولى، لا يستطيع الجيش تنفيذ مهماته كاملة قبل انسحاب القوات الإسرائيلية، وهي نقطة يشدد عليها حاصباني أيضاً. أما في الثانية، فيبقى السؤال قائماً حول أسباب عدم توسيع الانتشار وتطبيق قرارات الحكومة بوتيرة أسرع.
كما يواجه الجيش تحديات أخرى، من نقص العديد والتجهيزات إلى اتساع رقعة المهمات والحاجة إلى حماية الطرقات والبنى التحتية ومواكبة عودة الأهالي، فضلاً عن الحساسية السياسية والأمنية لملف السلاح. لكن هذه الصعوبات لا تلغي أن استمرار الوضع الحالي يضع الدولة أمام اختبار مزدوج، مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، وإثبات قدرتها على فرض سلطتها في المناطق التي تقع فعلياً تحت سيادتها من جهة أخرى.
من هنا، قد تكون النبطية أكثر من مجرد تعزيز عسكري موضعي. فإذا انتقل النموذج منها إلى صور وعربصاليم وسائر البلدات غير المحتلة، يمكن اعتبارها بداية مرحلة جديدة لتوسيع سلطة الدولة جنوباً. أما إذا بقي حضور الجيش يتعزز منطقة بعد أخرى فقط تحت ضغط الغارات أو "مطالب الأهالي"، فستبقى الفجوة قائمة بين ما تقرره السلطة السياسية وبين ما يتحول فعلياً إلى واقع على الأرض.
وفي النهاية، ليست الإشكالية ما إذا كان الجيش منتشراً في الجنوب أم لا، بل أي نوع من الانتشار تريده الدولة، وما إذا كانت تملك خطة متكاملة لتحويله من حضور عسكري إلى سيطرة فعلية. فالنبطية تطرح اليوم السؤال، لكن الإجابة لن تظهر فيها وحدها، بل في ما إذا كان ما يجري فيها سيتحول إلى قاعدة تُعمّم على بقية الجنوب.




