نفّذت إسرائيل تهديداتها بتفجير تلة علي الطاهر، في واحدة من أعنف العمليّات التي شهدها الجنوب، بالتزامن مع الإعلان الإسرائيلي عن جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يُفترض أن تُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين في العاصمة الإيطاليّة روما. وفيما تحدّثت هيئة البثّ الإسرائيليّة عن رغبة أميركيّة في توسيع مناطق الانسحاب التي سيتولّى الجيش اللبناني السيطرة عليها جنوبًا، أكّدت مصادر رسميّة لـ"المدن" أنّ لبنان لم يتبلّغ حتّى الآن أيّ موعد رسمي لجولة تفاوض جديدة.
ميدانيًّا، فجّرت إسرائيل ما قالت إنّها أنفاق وبنى تحتيّة تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، مستخدمةً، وفق الرواية الإسرائيليّة، أكثر من 1100 طنّ من المتفجّرات، في عمليّة أحدثت ارتجاجًا رصدته هيئة المسح الجيولوجي الأميركيّة بقوّة 4.1 درجات، تبعها يومٌ طويل من الغارات والتفجيرات والقصف المدفعي والتحليق للطيران الحربيّ، في مناطق متنوعة من الجنوب. وسياسيًّا، جاء التصعيد قبيل المؤتمر التّحضيري لدعم الجيش اللبناني في باريس، وفي لحظة يحاول فيها لبنان إعادة فتح نافذة التفاوض بوصفها المسار الوحيد المتاح لوقف العدوان الإسرائيلي المتمادي جنوبًا.
وفي المقابل، يلتزم حزب الله الصمت حيال التطوّر الميداني الأخطر في مرتفعات علي الطاهر، بعدما كان الاعتقاد السائد أنّ لهذه المنطقة أهميّة استراتيجيّة بالنسبة إليه، وأنّ خسارتها أو تفجير منشآتها قد يفتحان الباب أمام ردّ أو تصعيد أوسع، وربّما تدخّل إيراني لمنع تثبيت واقع جديد فيها. لكنّ شيئًا من ذلك لم يحصل حتّى الآن.
وهكذا، استبقت إسرائيل أيّ جولة تفاوضيّة محتملة بتصفية حسابها الميداني مع حزب الله في علي الطاهر، فيما يتمسّك لبنان بإعادة التفاوض إلى الواجهة، بعدما طرق مختلف الأبواب في محاولة لإحياء الدبلوماسيّة كمتنفّس وحيد لمواجهة التصعيد الإسرائيلي، وفتح الطريق أمام الانسحاب وعودة الاستقرار إلى الجنوب.
لبنان لم يتبلّغ موعدًا لجولة تفاوض جديدة
سياسيًّا، أكّدت مصادر رسميّة لـ"المدن" أنّ "لبنان لم يتبلّغ بعد أيّ موعد لانعقاد جلسة مفاوضات جديدة"، لافتةً إلى أنّ لبنان كان قد أبلغ المعنيّين بأنّه يفضّل عدم تزامن موعد الجلسة مع موعد انعقاد المؤتمر التّحضيري لدعم الجيش اللبناني في باريس.
وبحسب المصادر، يتوجّه رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، الخميس المقبل، إلى باريس، على رأس وفد يضمّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل، للمشاركة في المؤتمر الذي سيحضره أيضًا الملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتأتي هذه المعطيات في وقت أعلنت فيه هيئة البثّ الإسرائيليّة أنّ جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ستُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين في العاصمة الإيطاليّة روما، ما يكشف، حتّى الآن، تباينًا بين ما يُعلن إسرائيليًّا وما أُبلغت به بيروت رسميًّا.
ماذا بعد تفجير علي الطاهر؟
الهزّة التي شعر بها سكّان الجنوب لم تكن بفعل عوامل طبيعيّة، بل نتيجة استخدام إسرائيل، وفق الرواية الإسرائيليّة، أكثر من 1100 طنّ من المتفجّرات في العمليّة التي استهدفت مرتفعات علي الطاهر، وطالت أنفاقًا وبنى تحتيّة مرتبطة بحزب الله، وصفتها إسرائيل بأنّها "استراتيجيّة".
لكنّ السؤال الأساسي اليوم لا يتعلّق فقط بما جرى، بل بما سيأتي بعده.
هل تكتفي إسرائيل بتفجير منشآت علي الطاهر، أم تتّجه نزولًا نحو النبطيّة، أو صعودًا باتجاه مرتفعات الريحان وسجد وإقليم التفاح وتومات نيحا المشرفة على مشغرة والبقاع؟ وهل تحاول تثبيت نقاط عسكريّة دائمة في التلة أو قربها، أم أنّ العمليّة هدفت أساسًا إلى تدمير ما تقول إنّه بنى عسكريّة تحت الأرض؟
لا معطيات مؤكّدة ومستقلّة حتّى الآن حول حجم المنشآت الموجودة في علي الطاهر، أو عدد عناصر حزب الله الذين كانوا داخلها، أو حجم الخسائر الفعليّة التي أصابت الحزب. كما يبقى السؤال حول موقف حزب الله، الذي قلّل خلال الفترة الأخيرة من أهميّة السيطرة على المنشأة أو تفجيرها، واعتبر أنّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة دليل على فشل خيار الدولة في التفاوض.
وأعلنت إسرائيل أنّها دمّرت ما قالت إنّها أنفاق وبنى عسكريّة تحت التلة. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموقع بأنّه "أكبر موقع إيراني خارج إيران"، فيما أعلن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أنّ الجيش الإسرائيلي دمّر البنى التحتيّة التابعة لحزب الله تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، وتحدّثا عن "استكمال المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان.
ارتجاج بقوّة 4.1 درجات
أحدثت التفجيرات ارتجاجات ودويًّا قويًّا تردّد صداه في النبطيّة ومناطق واسعة من الجنوب.
ووفق القناة الـ12 الإسرائيليّة، استخدمت القوات الإسرائيليّة أكثر من 1100 طنّ من المواد المتفجّرة لتدمير ما سمّته "أنفاق علي الطاهر"، مشيرةً إلى أنّ المتفجّرات أُدخلت إلى المنطقة ضمن عمليّة سرّيّة.
وعلى وقع شدّة الانفجارات، أشارت هيئة المسح الجيولوجي الأميركيّة إلى رصد حدث زلزالي بقوّة 4.1 درجات في جنوب لبنان، فيما نقلت صحيفة "معاريف" عن المعهد الجيولوجي الإسرائيلي أنّه رصد حدثًا زلزاليًّا في المنطقة نفسها، نتيجة ما وصفه بـ"انفجار مسيطر عليه".
وقال نتنياهو وكاتس إنّ تدمير هذه البنى التحتيّة منح الجيش الإسرائيلي "السيطرة العمليّاتيّة" على مرتفعات علي الطاهر فوق الأرض وتحتها، مؤكّدين أنّ الجيش سيبقى في ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة"، وسيواصل تدمير البنى التي يعتبرها تابعة لحزب الله، وإحباط أيّ محاولة لإعادة التموضع في المنطقة أو استعادة القدرات العسكريّة فيها.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه دمّر مسارات أنفاق تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر بهدف "تحييد قدرة حزب الله بشكل نهائي"، على حدّ تعبيره، مشيرًا إلى أنّ العمليّة جاءت بعد "نشاط تحضيري مطوّل".
الرواية الإسرائيليّة لعمليّة علي الطاهر
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ قوات الفرقة 36، وتشكيل الكوماندوس، ووحدة "يهلوم" الهندسيّة كثّفت خلال الأشهر الماضية الضغط العسكري على عناصر حزب الله الذين قالت إنّهم تحصّنوا داخل منشآت تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر.
وبحسب الرواية الإسرائيليّة، شملت المرحلة الأولى فرض ما سمّته "السيطرة العمليّاتيّة" على المنطقة فوق الأرض، عبر عمليّات هجوميّة وكمائن واستهداف فتحات الأنفاق بالرصاص والقنابل والطائرات المسيّرة والغارات، قبل أن تنتقل القوات إلى محاولة السيطرة على شبكة الأنفاق نفسها.
وقالت إسرائيل إنّ قواتها حاصرت المنشآت تحت الأرض، وحدّدت مخارجها، ومنعت محاولات إيصال الإمدادات إلى العناصر الموجودين داخلها. كما ادّعى الجيش أنّ بعض عناصر حزب الله قُتلوا، فيما انسحب آخرون من المنطقة، وأنّه استهدف جوًّا وبالقصف المدفعي كلّ من حاول الخروج من الأنفاق أو إدخال الإمدادات إليها.
ووفق الجيش الإسرائيلي، ضمّت الشبكة ثمانية مسارات بلغ طولها الإجمالي أكثر من 5400 متر، واستخدمت القوات أكثر من 1100 طنّ من المواد المتفجّرة لتدميرها. وأضاف أنّ معظم المسارات دُمّرت بحيث لم تعد صالحة لتحصّن المقاتلين أو التخطيط لعمليّات انطلاقًا منها.
وزعم الجيش العثور داخل الشبكة على عشرات المسيّرات الانتحاريّة والطائرات من دون طيّار، ورشاشات، وصواريخ مضادّة للدروع، إلى جانب مئات الألغام، وقذائف "آر بي جي"، وعبوات ناسفة ومعدّات عسكريّة أخرى.
كما قال إنّ المجمّع احتوى على غرف قيادة، ومستودعات أسلحة، ومولّدات كهربائيّة، وغرف مبيت، وحمّامات ومطبخ، وإنّه كان يشكّل مركزًا رئيسيًّا للقيادة والسيطرة تابعًا لوحدة "بدر" في حزب الله، فضلًا عن موقعه المشرف على منطقة النبطيّة.
وأضاف الجيش أنّ تدمير الشبكة جاء بعد عمليّات مماثلة استهدفت، وفق روايته، مسارات رئيسيّة في مرتفعات الشقيف والقرى المحيطة بها، ومنها أرنون ويحمر وتبنين.
إسرائيل أخذت الردّ الإيراني في الحسبان
ولم يغب احتمال التدخّل الإيراني عن الحسابات الإسرائيليّة خلال العمليّة.
فقد ذكرت "يديعوت أحرونوت" أنّ حزب الله ضغط على طهران للتدخّل بهدف وقف العمليّة الإسرائيليّة، وأنّ المؤسّسة الأمنيّة أخذت في الحسبان احتمال توجيه إيران ردًّا مباشرًا إلى إسرائيل.
وبحسب الصحيفة، قدّرت المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة أنّ احتمال اندلاع تصعيد واسع مع إيران ليس مرتفعًا في المرحلة الحاليّة، لكنّها استعدّت لاحتمال تنفيذ طهران ردًّا محدودًا، أو اندلاع جولة من القتال على الجبهة الشماليّة، إلى جانب سيناريوهات أخرى تشمل أكثر من جبهة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي قوله إنّ إيران "ليس لديها أيّ سبب للتدخّل في ما يجري في لبنان"، مهدّدًا بأنّها ستواجه ردًّا قويًّا وسريعًا إذا قرّرت التدخّل.
وذهب كاتس أبعد من ذلك، مهدّدًا بأنّ أيّ هجوم إيراني على إسرائيل سيحرّرها، وفق تعبيره، من "كلّ القيود"، وأنّ الردّ سيطاول مختلف البنى التحتيّة الإيرانيّة، بما فيها منشآت الطاقة.
وادّعى كاتس أنّ هناك مؤشرات إلى أنّ الضغوط الاقتصاديّة التي تواجهها إيران، إلى جانب خشية النظام من اندلاع اضطرابات داخليّة، قد تدفع طهران إلى اتخاذ "خطوات يائسة"، مؤكّدًا أنّ إسرائيل مستعدّة دفاعيًّا وهجوميًّا لمختلف الاحتمالات.
وفي السياق نفسه، أعلن كاتس أنّ إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من المنطقة التي تحتلّها في جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله وإزالة ما تصفه بالتهديد الموجّه إلى مستوطنات الجليل.
حزب الله يلتزم الصمت
في مقابل هذا التصعيد، بقي حزب الله ملتزمًا الصمت حيال عمليّة علي الطاهر والتطوّرات التي أعقبتها.
ويكتسب هذا الصمت دلالة إضافيّة بالنظر إلى المكانة التي اكتسبتها المرتفعات في الأسابيع الأخيرة، وإلى الاعتقاد بأنّ الحزب، أو إيران من خلفه، قد يتحرّكان لمنع إسرائيل من السيطرة عليها أو تدمير منشآتها، ولو استدعى ذلك توسيع رقعة المواجهة مجدّدًا.
لكنّ شيئًا من ذلك لم يحصل.
بل مضت إسرائيل في عمليّتها حتّى نهايتها، وأعلنت تدمير المنشآت، فيما ظلّ الحزب خارج دائرة الردّ المباشر. وهو ما يفتح بدوره باب الأسئلة حول المرحلة المقبلة، وما إذا كان الحزب سيواصل امتصاص الضربات الإسرائيليّة، أم أنّ ما جرى في علي الطاهر سيترك تداعيات مختلفة على حساباته وعلى مقاربته للتفاوض الذي تتولّاه الدولة.
روما بعد الانفجار
وسط هذا التصعيد، أفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة بأنّ جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان ستُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين في العاصمة الإيطاليّة روما.
وأضافت الهيئة أنّ الجولة تهدف إلى البحث في تشكيل القوّة التي ستتولّى التحقّق من خلوّ المناطق المشمولة بالمرحلة التجريبيّة من وجود حزب الله، مشيرةً إلى أنّ الحكومة الإسرائيليّة تعارض مشاركة فرنسا وبريطانيا في هذه القوّة.
وفي المقابل، تحدّثت الهيئة عن سعي الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل وتنتقل السيطرة عليها إلى الجيش اللبناني.
وهنا يصبح توقيت عمليّة علي الطاهر أكثر دلالة. فإسرائيل صعّدت ميدانيًّا قبل أيّ جولة تفاوض جديدة، وفرضت وقائع على الأرض، فيما يتمسّك لبنان بمسار التفاوض باعتباره الباب المتبقّي لوقف الاعتداءات وإعادة تثبيت دور الدولة والجيش في الجنوب.
وما بين الإعلان الإسرائيلي عن موعد روما ونفي لبنان تبلّغه رسميًّا، وبين تفجير علي الطاهر والتحضير لمؤتمر دعم الجيش، يدخل الجنوب مرحلة جديدة تبدو فيها المفاوضات، إذا انعقدت، محكومة بما جرى على الأرض قبل الوصول إلى الطاولة.
فإسرائيل تريد أن تفاوض من موقع ما تعتبره تقدّمًا ميدانيًّا، بينما يراهن لبنان على تعزيز الجيش وفتح باب الدبلوماسيّة لإعادة فرض الانسحاب الإسرائيلي.
وبين الميدان والطاولة، يبقى السؤال نفسه معلّقًا: هل كان تفجير علي الطاهر نهاية عمليّة عسكريّة محدّدة، أم مقدّمة لمرحلة جديدة من الضغط الإسرائيلي، يكون الجنوب فيها ورقة التفاوض الأولى؟




