النبطية تختبر الدولة وأمنها..درعٌ ثابت أم مسكّنٌ مؤقت؟

مانشيت - المدنالخميس 2026/09/10
النبطية في تموز 2026
يأتي التحرك الداخلي فيما رسمت واشنطن حدوداً واضحة للمرحلة المقبلة. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعيش النبطية ومحيطها مرحلة وجودية. وبينما تتجه المقاربة الرسمية في بيروت إلى الانتقال التدريجي من الاكتفاء بوجود الجيش إلى إشراك الأجهزة الأمنية كافة، من أمن دولة وأمن عام وقوى أمن داخلي، لتثبيت نموذج الإدارة الرسمية، تدور في الكواليس أسئلة أكثر تعقيداً: هل تشكل هذه "الجرعات الأمنية" ضمانة حقيقية تحمي المدينة وتنزع ذريعة العدوان، أم إن إسرائيل ستعتبر هذه "الجرعات" مجرد ترتيبات شكلية، فتكون النبطية ضحية جديدة لمسار التدمير الذي طال الكثير من القرى والمناطق حتى اليوم، وآخرها تلال علي الطاهر؟
الساعات الأخيرة شهدت حراكاً رسمياً مكثفاً تجسد في اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا قبيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، توازياً مع إشاعة أجواء عن "أولوية دعم صمود النبطية". وتسعى السلطة من خلال توسيع حضورها الأمني هناك، إلى إرساء نموذج جديد للإدارة الرسمية في المناطق المعرضة للضغط الإسرائيلي، في محاولة لسد الثغرات الميدانية وسحب الذرائع. لكن هناك خشية متزايدة لدى الكثيرين من أن تظل هذه الخطوات في إطار "المسكنات" إذا لم تقترن بغطاء سياسي دولي يوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية.
ويأتي هذا التحرك الداخلي فيما رسمت واشنطن حدوداً واضحة للمرحلة المقبلة، إذ أعلنت السفارة الأميركية في بيروت بوضوح أن "جنوب لبنان لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات"، مؤكدة دعم إدارة واشنطن لرغبة الحكومة اللبنانية في فرض سيادتها وحصر قرارَي الحرب والسلم بيد المؤسسة العسكرية والدولة حصراً. وفيما يصب هذا الموقف ظاهرياً في مصلحة التوجه الرسمي عبر تعزيز مشروع الدولة، فإنه يحمل في أبعاده مخاطر مزدوجة، إذ يمكن لحكومة بنيامين نتنياهو استغلال التشديد الأميركي على حصرية السلاح للضغط مجدداً ومطالبة بيروت بخطوات ملموسة لنزع سلاح حزب الله، متخذة من "بطء المسار الرسمي" حجة لمواصلة اعتداءاتها وتوسيع نطاق التدمير.
وإذ أكدت مصادر رسمية أن لبنان لم يتبلغ عبر القنوات الرسمية أو عبر السفير ميشال عيسى أي رسائل إسرائيلية تتحدث عن نيات تصعيدية مسبقة، فإن هذا النفي لا يبدد مخاوف القادة الميدانيين. وتشير التقديرات السياسية إلى أن نتنياهو يخوض سباقاً انتخابياً محموماً لاستحقاق 27 تشرين الأول، متخذاً من التصعيد في لبنان والضفة وغزة وسوريا ورقته الرابحة لاستقطاب الشارع الإسرائيلي اليميني المتطرف.
وللتذكير، تسببت المماطلة ورفض العروض السابقة لتسلم الجيش منطقة علي الطاهر في خسارتها وتدميرها. وهذا السيناريو يخشى الكثير من أهل الجنوب تكراره في النبطية والمنصوري وسواهما، حيث تجاوزت إسرائيل الـ 7,700 خرق لاتفاق الإطار، بالتفجيرات والغارات والقصف وعمليات الجرف والإحراق.
وتضع هذه المعطيات لبنان الرسمي وأهالي الجنوب أمام المأزق الجوهري: هل يقتنع الجانب الإسرائيلي بأن الانتشار المكثف للقوى الأمنية والعسكرية في النبطية يمثل ضمانة كافية لتعطيل دور حزب الله والسلاح غير الشرعي، أم سيعتبره مجرد غطاء شكلي، خصوصاً في ظل تصريحات جديدة صادرة عن نواب في حزب الله حول القدرة على "رسم معادلات جديدة مع إيران" والتمسك بالصمود؟
الأيام المقبلة ستكون كفيلة بكشف ما إذا كانت خطة "حضور الدولة" ستشكل درعاً حقيقياً للنبطية، أم إن المدينة ستدفع ثمن التقاطع الصعب بين حسابات نتنياهو وحال الاستعصاء السياسي الداخلي الذي يتخبط فيه لبنان.

 

من انتشار الجيش إلى عودة الدولة

في هذا المعنى، لا يبدو ما يجري في النبطية مجرّد تعزيز تقني لعديد الجيش. قيادة الجيش نفسها أوضحت أنّ وحداتها موجودة أساسًا في المدينة وفي المناطق التي لا تحتلّها إسرائيل، وأنّ المستجدّ هو تكثيف المهمّات والدوريّات. الجديد سياسيًّا هو إدخال أمن الدولة والأمن العام وقوى الأمن الداخلي في المشهد، بما يعني الانتقال من صورة الجيش المنتشر تحت ضغط الحرب إلى صورة الدولة التي تدير منطقة كاملة بمؤسّساتها. وهو ما عبّر عنه عون في مجلس الوزراء بقوله إنّ الوقت حان "لعودة الدولة إلى الجنوب"، فيما ربط سلام بين هذا الحضور وتأمين بيوت جاهزة تتيح للأهالي العودة إلى قراهم.

وهنا يكمن الفارق بين خطّة أمنيّة وخطّة سياسيّة. فإذا أُريد للنبطية أن تتحوّل إلى نموذج، فلا يكفي أن تظهر الآليات العسكرية في الشوارع. المطلوب أن تصبح الدولة صاحبة الإدارة والأمن والقرار والخدمة، وأن يشعر المقيم والنازح معًا بأنّ بقاءه لا يحتاج إلى مظلّة حزبيّة، وأنّ العودة لا تتطلّب انتظار تسوية عسكريّة جديدة. حتى قرار مجلس الوزراء منع البيوعات العقارية في المناطق التي يحتلّها الجيش الإسرائيلي يدخل في هذا السياق، لأنّ حماية الجنوب لم تعد مسألة أرض عسكرية فقط، بل حماية للملكيّات ومنع الدمار والنزوح من التحوّل إلى وقائع دائمة في الجغرافيا والديموغرافيا.

 

علي الطاهر: كلفة الوقت الضائع

لكنّ تجربة علي الطاهر تقف خلف هذه الاندفاعة كإنذار ثقيل. بحسب التقديرات الرسمية، سبقت خسارة المنطقة عروض لتسلّم الجيش إيّاها، إلّا أنّ المماطلة ورفض هذه الطروحات أضاعا أسابيع انتهت إلى النتيجة الأسوأ: التدمير ثم خسارة القدرة على فرض وقائع لبنانية فيها. ولهذا، لا يُقرأ تسريع الانتشار في النبطية بمعزل عمّا حصل هناك. الدولة تحاول، ولو متأخّرة، ألّا تصل إلى المكان بعد تدميره، بل قبله.

والضغط لا ينتظر اكتمال النقاش اللبناني. فالمنصوري تحوّلت خلال الأيام الأخيرة إلى أحد أكثر النماذج فجاجة لسياسة النسف التدريجي، مع عشرات عمليات التفجير والغارات ونسف المنازل، فيما ظلّت النبطية الفوقا ودوحة كفررمان ووادي السلوقي وكفرتبنيت ضمن دائرة الغارات والقصف والتفجيرات المتكرّرة. وفي التاسع من أيلول وحده، سُجّلت عشرات عمليات التفجير في المنصوري، إلى جانب استهدافات موزّعة على أكثر من محور جنوبي.

وهذا تحديدًا ما يجعل عبارة "دعم الصمود" ناقصة إذا لم تُترجم إلى قرار سياسي سريع. فالصمود ليس إبقاء الناس في منطقة مكشوفة، ولا مطالبتهم بدفع كلفة صراع لا يملكون قرار إدارته. الصمود، في معناه الدولتي، هو منع تكرار نموذج القرية التي تُخلى، ثم تُنسف، ثم يبدأ البحث عن كيفية استعادتها.

 

إسرائيل ترفع معيار الانتشار

لكنّ المعضلة الأكثر حساسيّة تظهر في القراءة الإسرائيلية نفسها. فـ"مركز ألما" الإسرائيلي، وهو مركز بحثي وليس جهة رسمية، لم يعترض على انتشار الجيش في النبطية بحدّ ذاته، بل شكّك في وظيفته. واعتبر أنّ تعزيز وجود المؤسسة العسكرية قد يقيّد حرية العمل الإسرائيلي من دون أن يقود، بالضرورة، إلى تفكيك بنية حزب الله، وصولًا إلى التحذير من أن يتحوّل الجيش إلى ما يشبه "العازل" الذي يحمي المدينة من الاستهداف من دون نزع السلاح الموجود فيها.

خطورة هذه القراءة ليست في صدقيّة ادّعاءاتها، بل في المعيار الذي تكشف أنّ إسرائيل تحاول فرضه. فتل أبيب لا تريد أن يكون وجود الجيش اللبناني هو الحدّ الفاصل الذي تتوقّف عنده عملياتها، بل تريد تقييم هذا الجيش انطلاقًا ممّا يفعله بسلاح حزب الله. وبذلك تصبح المعادلة أكثر صعوبة: الدولة مطالبة ببسط سيادتها لحماية الأرض، فيما تحاول إسرائيل اشتراط احترام هذه السيادة بما تعتبره هي مستوى مقبولًا من نزع السلاح.

وهذا فارق جوهري. حصر السلاح قرار لبناني ومصلحة لبنانية، لكن تحويل إسرائيل نفسها إلى الجهة التي تفحص سرعة التنفيذ ونوعه ومكانه يمنحها عمليًّا حقًا مفتوحًا في تحديد متى تكون الدولة اللبنانية "كافية"، ومتى يحق لها استئناف الغارات. وهنا تقع الثغرة التي يفترض ببيروت أن تعمل دبلوماسيًّا على إغلاقها: تنفيذ التزامات الدولة يجب أن يترافق مع إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها، لا أن يتحوّل التنفيذ اللبناني إلى امتحان مفتوح لا نهاية له.

 

بين واشنطن والانتخابات الإسرائيلية

الموقف الأميركي يزيد هذا المشهد تعقيدًا. واشنطن تمنح الدولة اللبنانية دعمًا سياسيًّا واضحًا في مسألة حصر السلاح، وتقول إنّ قرارَي الحرب والسلم يجب أن يكونا بيد الدولة وحدها. لكنّ قيمة هذا الدعم ستُختبر في نقطة أكثر صعوبة: هل يتحوّل الضغط الأميركي أيضًا إلى إلزام إسرائيل بحدود واضحة، أم يبقى موجّهًا في اتجاه واحد، أي مطالبة لبنان بالمزيد، فيما تستمر الغارات كلّما قرّرت تل أبيب أنّ الخطوات غير كافية؟

ويزداد السؤال إلحاحًا كلّما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول. فالاستحقاق يجري وسط تنافس حادّ داخل إسرائيل، فيما بات لبنان جزءًا من الحسابات الانتخابية والأمنية الأوسع. وفي هذه المرحلة، يصبح الخطر أن يتحوّل الجنوب إلى مساحة لإنتاج الرسائل الانتخابية الإسرائيلية، خصوصًا إذا بقي المسار اللبناني الداخلي متباطئًا ومفتوحًا على النزاع حول السلاح ودور الدولة.

لذلك، لا تقع مسؤولية حماية النبطية على الجيش وحده، ولا على الأهالي الذين يرفعون النداءات، ولا حتى على انتشار أمني أوسع مهما بلغ حجمه. الاختبار الفعلي هو قدرة السلطة على تحويل اللحظة إلى مسار سياسي متكامل: دولة تتقدّم بدل التنظيمات، قرار أمني واحد، حضور إداري وخدماتي، خطوات جدّية لمعالجة السلاح خارج الشرعية، ودبلوماسية تفرض في المقابل وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي.

فالوقت في الجنوب لم يعد تفصيلًا تفاوضيًّا. علي الطاهر أثبتت أنّ الأسابيع الضائعة يمكن أن تتحوّل إلى أرض مفقودة، والمنصوري تثبت كلّ يوم أنّ البيت الذي لا تحميه السياسة اليوم قد لا يبقى قائمًا غدًا. وبين الاثنين تقف النبطية، لا أمام سؤال عمّن يدخل إليها، فالجيش موجود، بل أمام السؤال الأصعب: هل تدخل الدولة إليها كاملةً، قبل أن تدخلها آلة التدمير؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث