الانسحاب من لبنان الكبير

يوسف بزيالخميس 2026/09/10
إهدن (المدن)
إهدن، مصيف أهل زغرتا ومعقلهم المنيع (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

القداسة والقسوة، الجمال والخوف، الجبال الشاهقة والوديان السحيقة، وأيضاً الإيمان والتجديف، التاريخ والخرافة. مزيج لا يخلو من الرهبة والسحر، هناك في ذاك المعقل القديم للجماعة المسيحية المارونية بالقرب من غابة الأرز وقمة القرنة السوداء، أو بالأحرى بالقرب من السماء.

 

وإهدن، مصيف أهل زغرتا ومعقلهم المنيع، ومقصد سكان بلدات الكورة ومدينة طرابلس والجوار الشمالي، المهجورة شتاء، عادت كما سائر بلدات جبل لبنان، أو ذاك النطاق الذي كان ذات يوم "المتصرفية"، ملجأ لبعض أهل لبنان بعيداً عن المدن المنكوبة والخربة والفوضوية والمكتظة (بيروت وطرابلس خصوصاً)، كما لو أنه نكوص أو انسحاب جماعي من "لبنان الكبير" وعاصمته، وهروب من الجغرافيا المفتوحة إلى حصون أهلية قديمة، حيث الحماية والانسجام الاجتماعي والسياسي.. والسعي إلى أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي.

 

بالنسبة لشطر كبير من اللبنانيين، فإن النجاة باتت بالابتعاد عن مصير الجنوب وبعدم الاكتراث بما يحدث في البقاع مثلاً، والمناطق البعيدة التي تقطنها "الجماعات الأخرى"، وما عادت العاصمة هي المكان الضروري للعمل أو الاختلاط أو تجربة العيش الحديث أو للتعلم الجامعي والتبضع والاستشفاء. 

لا يعوز سكان إهدن، أو أي بلدة شبيهة، الذهاب إلى أي مكان آخر لتلبية حاجاتهم أو رغباتهم، فهنا سيجد المرء مستشفاه أو فندقه أو مطعمه الإيطالي أو ناديه الرياضي أو الفرع التابع لجامعة خاصة مرموقة، أو مصرفه. وهنا أيضاً الحياة الاجتماعية المكتفية بنفسها ومناسباتها وطقوسها. وفوق هذا، هي مكان البديل لمعظم الطبقة الوسطى والأثرياء الذين يهربون من طرابلس طلباً لنمط حياة وسياحة وسهر وتمضية الوقت بعيداً عن مدينتهم المنهارة والكئيبة.

 

في زيارتنا، صادفنا الإهدنيين-الزغرتاويين، الذين نعرفهم من بيروت، كتّاباً وأساتذة جامعيين وباحثين وشعراء وممثلي مسرح وسينما وصحافيين، وهم على الأغلب من أصحاب التجارب الحزبية اليسارية والذين "انشقوا" عن الأهل والحياة الريفية، ونزلوا منذ الستينات إلى طرابلس وبيروت، وانخرطوا في الحياة الطلابية والحزبية وفي الفضاء الثقافي ومجالات الفنون والكتابة، وها هم يعودون إلى حضن الأهل والمعقل.

يجوز هذا تماماً على معظم المدن الصغيرة والبلدات في جغرافيا "المتصرفية"، وعلى أجيال مخضرمة وشابة. بما يوحي ليس فقط بنشوء واقعي للامركزية، إنما بهزيمة مشروع الجمهورية، ومجتمعها "المفتوح".

 

أبعد من ذلك، وبالنظر إلى تجربة 1975-1990، حين انعزلت "المناطق المسيحية" بسبب الحرب والتطهير الطائفي، وراحت جونية-الكسليك مثلاً تقدم نفسها كمدينة حديثة بكل التسهيلات والبنى التحتية والمؤسسات التي تلبي شروط الرفاهية والخدمات، وبديلاً عن العاصمة المنقسمة والمتحاربة.. يبدو أن الأمر يتكرر اليوم، وعلى نطاق أوسع، تكريساً لقناعة تترسخ يومياً بأن البلد الواحد والمتجانس بدولة واحدة ما عاد ممكناً، لا سياسياً ولا ثقافياً. 

 

ويحدث هذا من دون مشروع سياسي صدامي وعلني، من دون حرب أهلية أو استنفار عصبيات واستفزازات طائفية. بل ويمكن القول إن هذا الانسحاب يتم مع إبقاء الأبواب مفتوحة للآخرين الذين ينحازون (ثقافياً وسياسياً) لهذا التصور عن لبنان- الفكرة، المسيحي أصلاً، الذي يحتفل بمظاهر الحداثة المدينية ويتغنى إلى حد الأسطرة بجماليات الريف وفلكلوره. 

في تلك الليلة على تراس فندق الخمسينات، والمغنية تؤدي أغنيات الروك وأديث بياف وفيروز والقدود الحلبية والأوبرا الإيطالية، أمام جمهور من الساهرين أغلبيتهم الساحقة من السيدات (وهذه ظاهرة لبنانية إذ يبدو وكأن الرجال يختفون)، كانت مناطق أخرى بعيدة تعيش رعب الغارات. بدا ذلك وكأننا في بلدين منفصلين. وهو أمر ما عاد صادماً. إذ يمكننا حتى رؤية أهل مدينة صور مثلاً يمضون أفضل أوقاتهم على شاطئهم، يسبحون ويلهون ويسترخون.. وأمام أنظارهم تماماً يتصاعد دخان الغارات على السفوح القريبة.

على هذا المنوال ترتسم صورة لبنان كقطع جغرافية متباعدة، بقليل من العداوة وقليل من التعايش والكثير من اللامركزية الشديدة غير المعلنة، كما لو أن هناك "توافقاً وطنياً" نادراً، فحواه: فليعش كل منا وفق خياره.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث