في سلسلة عمليات تفخيخ هائلة استخدمت فيها 1100 طن من المواد المتفجرة، وأحدثت هزات ارتدادية متلاحقة، فجّر الجيش الإسرائيلي، مساء اليوم، البنية التحتية التابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس أن العملية تستكمل ما وصفاه بـ"إقامة المنطقة الأمنية في جنوب لبنان". وتزامنت هذه التطورات الميدانية مع حديث إسرائيلي عن جولة مفاوضات جديدة مع لبنان في روما يومي الثلاثاء والأربعاء.
وفي بيان مشترك، قال نتنياهو وكاتس إن عملية تدمير الأنفاق نُفذت بتوجيه منهما، وإنها أدت، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى استكمال السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر فوق الأرض وتحتها.
وادعى البيان أن البنية التحتية في المنطقة أُنشئت على مدى عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين، وأنها كانت تضم مركز قيادة وتهدف إلى توفير قاعدة لعملية باتجاه الجليل، فضلاً عن قدرات للرصد والسيطرة النارية على مستوطنتي المطلة وكريات شمونة.
وأكد نتنياهو وكاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى في ما سمّياه "المنطقة الأمنية" لمنع حزب الله من العودة إليها، وأن الجيش سيواصل تدمير البنى التحتية وإحباط محاولات إعادة التموضع وبناء القدرات.
كما جاء في البيان أن إسرائيل ستواصل، بحسب تعبيره، "الدفاع عن التجمعات السكنية في الشمال انطلاقاً من الأراضي اللبنانية"، مع التهديد بالرد بقوة على أي استهداف لمدنييها أو قواتها.
وسبقت عملية التفجير إجراءات إسرائيلية واسعة، إذ رفع الجيش حالة التأهب القصوى على مختلف الجبهات، وأبلغ مجالس مستوطنات الشمال بأنه سينفذ سلسلة من الغارات والتفجيرات على جبهة لبنان، محذراً من سماع أصداء الانفجارات في الجليل الأعلى وسهل الحولة والجولان.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد أفادت قبل تنفيذ العملية بأن الجيش يستعد لتفجير أنفاق علي الطاهر، فيما تحدثت القناة 13 عن تخوف إسرائيلي من رد محتمل لحزب الله.
وجاء التفجير بعد ساعات من رفع نتنياهو سقف التهديدات، إذ قال إن إسرائيل تواصل توجيه ضربات إلى ما سمّاه "المحور الإيراني"، مضيفاً: "لقد دمرنا تلة بوفور، ونحن نتعامل الآن مع تلة علي طاهر"، ومهدداً بأن "المزيد قادم".
وفي السياق نفسه، نُقل عن مسؤول في الجيش الإسرائيلي قوله إن إيران "ستتلقى ضربة قوية" إذا تدخلت رداً على ما يجري في لبنان.
وفي موازاة التصعيد، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وإسرائيل ستُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء في العاصمة الإيطالية روما.
ووفق الهيئة، ستبحث الجولة الجديدة تشكيل قوة تتولى التحقق من خلو "المناطق التجريبية" من وجود حزب الله، في إطار الترتيبات المطروحة بشأن المناطق التي يُفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها.
كما ذكرت الهيئة أن الولايات المتحدة ترغب في توسيع مناطق الانسحاب الإسرائيلي التي سيتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها والسيطرة عليها.
وحتى الآن، لم يصدر أي تأكيد رسمي من الجانب اللبناني بشأن موعد الجولة أو جدول أعمالها، فيما بقيت هذه المعلومات محصورة بالمصادر الإسرائيلية.
ويعكس تزامن الاستعدادات لتفجير أنفاق علي الطاهر مع التحضير لجولة روما استمرار المسارين العسكري والتفاوضي بالتوازي، وسط ترقب لما ستشهده الساعات المقبلة ميدانياً، وما إذا كانت الجولة الجديدة ستفتح الباب أمام توسيع مناطق الانسحاب وترتيبات أمنية إضافية في الجنوب.
هرتسوغ يطرح لقاءً ثلاثياً
تقاطعت دعوة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى عقد اجتماع ثلاثي بين رؤساء لبنان وقبرص وإسرائيل مع ما نقله السفير الأميركي السابق لدى لبنان ديفيد هيل، بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون في بعبدا، عن وجود "جهة يمكن التحدث إليها في الطرف الآخر". فبعد حديث هيل عن انطباعه بوجود استعداد لبناني للمضي أبعد في المسار السياسي والدبلوماسي، جاء هرتسوغ ليطرح علناً فكرة اللقاء على مستوى الرؤساء، في مؤشر إلى تصاعد الحديث الإسرائيلي عن فتح قنوات سياسية مباشرة مع لبنان.
ويكتسب طرح هرتسوغ دلالة إضافية لكونه صدر من قبرص وخلال لقائه الرئيس نيكوس خريستودوليديس، إذ قال إنه "يحلم" بعقد اجتماع مع رئيسي لبنان وقبرص هناك، فيما كان هيل قد تحدث، استناداً إلى انطباعاته بعد لقائه عون، عن وجود فرصة للانتقال من الترتيبات الأمنية القائمة إلى مسار سياسي أوسع.
وبذلك، تضع التصريحات المتتالية مسألة العلاقة اللبنانية-الإسرائيلية أمام مستوى جديد من الطروحات، بين رسالة هيل بأن في بيروت من يمكن التحاور معه، وبين دعوة هرتسوغ العلنية إلى لقاء ثلاثي، من دون أن يعني ذلك حتى الآن وجود موقف لبناني رسمي بالموافقة على مثل هذا الاجتماع.
وفي سياق متصل، أعلنت السفارة الأميركيّة في لبنان أنّ "الشعب اللبناني يُبدي كلّ يوم بوضوح تفضيله لمؤسّسات الدولة اللبنانيّة على سلاح حزب الله"، مؤكّدةً دعم واشنطن هدف الحكومة اللبنانيّة بفرض سيادتها وحصر قرارَي الحرب والسلم بالدولة.
وقالت السفارة في بيان إنّ "جنوب لبنان لا ينتمي إلى جهات إقليميّة أو ميليشيات"، مشيدةً بالمجتمعات المحليّة التي تتمسّك، بحسب تعبيرها، بمؤسّسات الدولة.
وأضافت أنّ الولايات المتحدة تدعم الحكومة اللبنانيّة في هدفها المعلن المتمثّل في فرض السيادة، على أن يتولّى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان بقاء قرارات الحرب والسلم "بيد الدولة اللبنانيّة حصرًا".
ويأتي الموقف الأميركي في خضمّ تصاعد النقاش الداخلي والخارجي حول دور الجيش في الجنوب، وحصر السلاح، وتوسيع سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانيّة.
وعلى وقع الانتخابات الإسرائيلية، التي تشهد تنافسًا محمومًا بين الإطاحة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو عودته إلى الحكم مجددًا، تبقى الأوضاع في لبنان عاملًا أساسيًا يُستخدم موضوعًا جوهريًا لاستقطاب عناصر المجتمع الإسرائيلي المتنوعة، حيث تتجه الأمور إلى منافسة بين اليمين والأكثر تشددًا. ويبدو أن عامل التصعيد الإسرائيلي في لبنان سيكون عنصر الحسم الذي يرجح موازين القوى بين نتنياهو ومنافسيه، وكذلك الأمر في الضفة الغربية وغزة وسوريا، التي زارها نتنياهو مع وزير دفاعه كاتس، متحديًا الشرعية الدولية وموجهًا رسالة إلى الدولة في سوريا.
وحتى الرهان على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لم يعد ذا زخم عند الذين كانوا يعولون عليها كملاذ لوقف المجازر الإسرائيلية، في ظل التصعيد الحاد الذي تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان، وبالتالي سحب الحجج والأوراق التي يمكن أن تُستخدم في مواجهة أي عمل عسكري أو مقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وتتقدم الأوضاع في الجنوب مع تعقيداتها وخطورتها المتزايدة، حيث سجلت إسرائيل رقمًا قياسيًا في التفجيرات التي شملت عددًا من البلدات، وكان أكثفها في بلدة المنصوري التي تعرضت لموجة تدميرية واسعة، حيث سجل الجيش اللبناني نحو 7 آلاف و700 خرق إسرائيلي لاتفاق الإطار منذ توقيعه في 26 يونيو/حزيران.
عدوان إسرائيلي وأزمة داخلية
ويشهد لبنان تداخلًا بين ما يجري في الجنوب وتصاعد الأزمات المعيشية والمالية التي تنذر بأن الحكومة أمام استحقاقات جوهرية، لا سيما مع دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة لمناقشة سياساتها، والتي تجري على وقع التصعيد العسكري واعتصام العسكريين المتقاعدين واحتجاجهم، بعد نزولهم إلى وسط بيروت. وفي وقت تشير الأجواء إلى أن رقعة الاحتجاج الشعبي قد تتسع مع تفاقم أزمة الكهرباء والمولدات وارتفاع أسعار المحروقات، فضلًا عن عدم اتخاذ أي من الخطوات العملية لجهة عودة النازحين وإعادة الإعمار حتى الآن.
تصعيد إسرائيلي جنوباً
وقد شهد الجنوب تصعيدًا واسعًا، وسُجل تحرك لجرافات وآليات ثقيلة تتحرك في المنطقة الممتدة بين أرنون وكفرتبنيت وتلة علي الطاهر. وبينما يتحضر لبنان لمؤتمر دعم الجيش التحضيري الذي سينعقد في باريس، لم يُحدد موعد لجلسة مفاوضات جديدة بعد. وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن جولة محادثات في روما ستُعقد قريبًا، تماشيًا مع الخطط الموضوعة، بالتزامن مع استمرار النقاشات في بيروت والقدس وواشنطن.
ويستمر رهان لبنان على واشنطن رغم تعدد المبادرات، حيث سُجل دخول الأردن وتركيا على خط الوساطة، فضلًا عن عودة مرتقبة لدور فرنسي أكبر على الساحة اللبنانية. لكن إسرائيل، التي لا تأبه للمبادرات، تستمر في عدوانها متجاوزة اتفاق الإطار، الذي ضاع في زحمة تحضيراتها الانتخابية، وهو ما دفع الجيش اللبناني إلى التحذير من أن استمرار خروقات الاحتلال يهدد التفاهمات.
الجيش يحذّر
وأصدر الجيش اللبناني بيانًا أوضح فيه الشروط الأساسية لاستكمال الانتشار وتنفيذ اتفاق الإطار، وحذّر من أن التصعيد الإسرائيلي يهدد تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وقال إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية "يهدد التفاهمات والترتيبات القائمة، ويعيق جهود الجيش الرامية إلى إرساء الاستقرار" في الجنوب.
وفي بيان مرفق بمقطع فيديو، على حسابه على منصة "إكس"، عدّد الجيش الإجراءات التي اتخذها لتطبيق الاتفاق، مشيرًا في المقابل إلى تسجيل نحو 7 آلاف و700 خرق إسرائيلي لاتفاق الإطار منذ توقيعه في 26 يونيو/حزيران.
واعتبر الجيش أن هذه الاعتداءات والخروقات "أكدت أن غاية الاحتلال الإسرائيلي هي ضرب مصداقية الجيش في الداخل اللبناني وأمام المجتمع الدولي".
وأضاف بيان الجيش اللبناني أن "استمرار هذه الاعتداءات وتصعيدها، بالتزامن مع أعمال الهدم والتفجير الوحشية في الجنوب (من قبل الاحتلال الإسرائيلي)، لا يترك مجالًا للشك حيال نواياه العدوانية، ويناقض القوانين الدولية، ويهدد التفاهمات والترتيبات القائمة، ويعيق جهود الجيش الرامية إلى إرساء الاستقرار، كما يمثل خرقًا فاضحًا لسيادة لبنان وأمنه".
هيل من بيروت: هناك من يمكن التحدث إليه لبنانيًا
وبرز كلام خطير نقله السفير الأميركي السابق لدى لبنان ديفيد هيل عن رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي التقاه مؤخرًا في قصر بعبدا، ونقلته هيئة البث الإسرائيلية. حمل هيل في المقابلة رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها أن "هناك جهة يمكن التحدث إليها في الطرف الآخر"، في إشارة إلى إمكان التواصل مع الجانب اللبناني في ظل المساعي السياسية والدبلوماسية الجارية.
وتطرق هيل إلى معلومات قال إنه اطلع عليها بشأن الجهود اللبنانية للعثور على جثامين عدد من قادة الجالية اليهودية الذين قُتلوا في بيروت، من دون أن تُكشف حتى الآن تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه الجهود أو نتائجها.
وقال هيل إن انطباعه بعد الاجتماع هو أن عون والمحيطين به ملتزمون إنجاز مسار نزع سلاح حزب الله حتى نهايته. وأضاف أن الرئيس، بصفته قائدًا سابقًا للجيش وضابطًا محترفًا، ينظر إلى وجود ميليشيا مسلحة تتحدى سلطة الجيش بوصفه وضعًا لا يمكن للدولة القبول باستمراره.
وبحسب هيل، يرى عون أن التطورات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة أوجدت فرصة أمام الدولة اللبنانية لإنهاء واقع ازدواجية السلطة العسكرية، وتثبيت احتكار المؤسسة العسكرية للسلاح والقرار الأمني.
وقال إن عون يؤمن بأن استقرار لبنان يرتبط بالتخلص من النفوذ الإيراني، وبإنهاء وضع حزب الله كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
وقال إن ما استشفّه من عون لا يقتصر على تنفيذ الملحق الأمني لـ"اتفاق الإطار"، بل يتجاوز ذلك، بحسب تعبيره، إلى رغبة في "المضي قدمًا وبسرعة أكبر نحو السلام وإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل". وأضاف هيل: "من كان ليحلم قبل عام بأن نصل إلى هذا الحد؟"، معتبرًا أن التحولات التي شهدتها المنطقة فتحت نافذة جديدة أمام مسار العلاقات بين البلدين.




