في موازاة التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، وما رافقه خلال الأيام الماضية من غارات وأعمال هدم وتفجير واستهداف لمناطق سكنيّة ومؤسّسات، خرج الجيش اللبناني ببيانٍ مفصّل يضع فيه حصيلة ما نفّذه منذ توقيع "اتفاق الإطار"، في مقابل ما يعتبره استمرارًا إسرائيليًّا في تقويض الترتيبات القائمة وإعاقة مهمّاته الميدانيّة.
وجاء موقف الجيش بعد موجة جديدة من الاعتداءات الإسرائيليّة، كان آخرها، وفق البيان، مقتل اثني عشر شخصًا على الأقل، بينهم أطفال ونساء، في بلدة كفررمان في النبطية. واعتبرت قيادة الجيش أنّ تصاعد الغارات، بالتزامن مع أعمال الهدم والتفجير في الجنوب، "لا يترك مجالًا للشكّ حيال نوايا الاحتلال الإسرائيلي العدوانيّة"، ويهدّد التفاهمات القائمة ويعرقل الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار.
وفي خلفيّة البيان، تبدو قيادة الجيش معنيّة بإظهار معادلة واضحة أمام الداخل والخارج: المؤسّسة العسكريّة بدأت تنفيذ الالتزامات المترتّبة عليها بموجب الاتفاق، فيما لا يقابل انتشارها والتدابير التي اتخذتها التزامٌ إسرائيلي موازٍ. وهي معادلة تكتسب أهميّتها في لحظة سياسيّة وأمنيّة شديدة الحساسيّة، مع ارتفاع مستوى الضغط على الجيش لتثبيت سيطرة الدولة في مناطق الجنوب، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة.
انتشار ميداني وسيطرة عملياتيّة
وبحسب قيادة الجيش، فإنّ المؤسّسة العسكريّة أبدت منذ توقيع "اتفاق الإطار" استعدادها الكامل لتنفيذ الالتزامات المترتّبة عليها، وباشرت اتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض "السيطرة العملياتيّة" في المناطق النموذجيّة، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصّة بلبنان، ووفق الخطّة التي أعدّتها قيادة الجيش.
لكنّ البيان أشار، في الوقت نفسه، إلى أنّ الاتفاق على مراحل العمل في هذه المناطق والخطوات اللاحقة لم يُستكمل بصورة كاملة بعد، ما يعني أنّ الإجراءات الجارية تندرج ضمن مرحلة أولى من مسار أوسع لا تزال تفاصيله التنفيذيّة موضع بحث.
ميدانيًّا، ركّز الجيش ستّة حواجز ثابتة وثلاث عشرة نقطة مراقبة على الطرق المؤدّية إلى بلدات زوطر الغربيّة وفرون وصريفا، وكذلك داخل هذه البلدات، بالتوازي مع تسيير دوريّات راجلة ومدولبة على مدار الساعة.
ولا تقتصر هذه الإجراءات، وفق الجيش، على تثبيت الحضور العسكري، بل تشمل أيضًا التحكّم بحركة الدخول والخروج داخل منطقة العمليّات، بما يمنح الوحدات المنتشرة قدرة أكبر على مراقبة المنطقة ومنع أيّ نشاط مسلّح غير مصرّح به.
مصادرة أسلحة وذخائر وفتح الطرق
وفي واحدة من أبرز الأرقام التي أوردتها قيادة الجيش، أعلنت أنّ الوحدات المختصّة صادرت نحو ألف وثمانمئة وثماني عشرة قطعة من الأسلحة والذخائر خلال عمليّاتها.
وشملت المضبوطات، وفق البيان، عشر منصّات لإطلاق الصواريخ، وسبعة صواريخ، وستّ مسيّرات، وواحدًا وخمسين "مُذنّبًا"، وعشر قنابل طيران، وألفًا وخمسمئة وستّين قطعة من الذخائر الخفيفة، إضافةً إلى عدد كبير من الألغام والعبوات.
كما عملت الوحدات العسكريّة على إزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلّفات الحرب، وفتح طرق يبلغ طولها الإجمالي نحو اثني عشر كيلومترًا، في إطار محاولة إعادة تأهيل المناطق المتضرّرة وتأمين حركة السكّان والوحدات العسكريّة فيها.
وشدّدت قيادة الجيش على أنّ هذه المهمّات تأتي ضمن تطبيق القوانين اللبنانيّة، ومنع وجود الجماعات المسلّحة أو تنفيذ أيّ أنشطة غير مصرّح بها.
كذلك، نفّذت الوحدات العسكريّة عمليّات تفتيش في عدد من المنازل، وفق القوانين اللبنانيّة وبموافقة أصحابها. وأشارت القيادة إلى تعاون الأهالي مع الإجراءات، خصوصًا تلك المرتبطة بإزالة الذخائر ومصادر الخطر المتبقّية من الحرب.
وهذه النقطة تحديدًا تحمل بالنسبة إلى الجيش أهميّة تتجاوز بعدها الأمني المباشر، إذ تسعى المؤسّسة العسكريّة إلى إظهار أنّ توسيع حضورها لا يجري في مواجهة البيئة المحليّة، بل بالتعاون معها، في منطقة تحضر فيها حساسيّات سياسيّة وأمنيّة شديدة التعقيد.
عودة السكان تصطدم بحجم الدمار
إلى جانب الإجراءات العسكريّة، يقول الجيش إنّه باشر خطوات تهدف إلى تأمين العودة الآمنة للسكان، شملت رفع الركام، وفتح الطرق، وتفعيل برامج التعاون العسكري المدني لتوفير بعض الحاجات الأساسيّة للأهالي.
كما شاركت وحداته في عمليّات انتشال جثامين القتلى من عدد من المناطق المتضرّرة.
إلّا أنّ الواقع العمراني على الأرض يضع حدودًا واضحة أمام إمكان العودة الفعليّة للسكان. ففي بلدة زوطر الغربيّة، تمكّن نحو سبعين في المئة من الأهالي من العودة إلى البلدة وتفقّد ممتلكاتهم، لكنّ عدد العائلات التي استطاعت الاستقرار مجدّدًا بقي محدودًا، وبلغ، وفق الأرقام الواردة في بيان الجيش، نحو ستّين عائلة من أصل أربعمئة وخمسين عائلة.
ويربط الجيش هذا الواقع بحجم الدمار الواسع الذي لحق بالبلدة، إذ أشار إلى تدمير نحو خمسة وثمانين في المئة من المنازل بصورة كلّية، فيما تعرّضت خمسة عشر في المئة منها لأضرار جزئيّة.
وهكذا، لا تعود مسألة الانتشار العسكري وحدها كافية لإعادة السكان. فالسيطرة العملياتيّة قد تفتح الطريق إلى العودة، لكنّ الدمار الواسع، واستمرار الغارات، والخشية من تجدّد الاستهداف، تبقي الاستقرار الفعلي للسكان مرتبطًا بمسار أمني وسياسي يتجاوز قدرة الجيش وحده.
7700 خرق منذ توقيع الاتفاق
وفي مقابل عرضه الإجراءات التي اتخذها، خصّص الجيش الجزء الأكثر سياسيّة في بيانه للحديث عن السلوك الإسرائيلي منذ توقيع "اتفاق الإطار" في 26 حزيران 2026.
وبحسب قيادة الجيش، بلغ عدد الخروقات الإسرائيليّة منذ ذلك التاريخ نحو سبعة آلاف وسبعمئة خرق، شملت اعتداءات متعدّدة، إضافةً إلى إطلاق النار في عدد من الحالات على مقربة من عناصر الجيش ودوريّاته.
ويريد الجيش من خلال عرض هذه الحصيلة تثبيت نقطة أساسيّة: استكمال مهمّته في الجنوب لا يتوقّف فقط على قدرته العسكريّة أو استعداد وحداته للانتشار، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة ميدانيّة تسمح بتنفيذ الخطّة من دون أن تتحوّل نقاط الانتشار نفسها إلى ساحات استهداف.
فكلّما وسّع الجيش انتشاره في منطقة، ثم استمرّت إسرائيل في تنفيذ الغارات والعمليّات العسكريّة داخلها، تصبح قدرة المؤسّسة العسكريّة على تقديم وجودها بوصفه ضمانة للأمن موضع اختبار مباشر.
معركة على مصداقيّة الجيش
لهذا، لم يكتفِ البيان بوصف الاعتداءات الإسرائيليّة بأنّها انتهاك للسيادة والقانون الدولي، بل ذهب إلى اعتبار أنّ أحد أهدافها يتمثّل في "ضرب مصداقيّة الجيش في الداخل اللبناني وأمام المجتمع الدولي".
فالجيش يجد نفسه أمام مهمّتين متوازيتين: الأولى ميدانيّة، تتعلّق بتوسيع انتشاره وضبط المناطق التي تدخل ضمن خطّته العملياتيّة، والثانية سياسيّة، تتمثّل في إثبات أنّ مؤسّسات الدولة قادرة على الإمساك بالأرض وتوفير الأمن للسكان.
لكنّ استمرار إسرائيل في استهداف مناطق دخلها الجيش أو صُنّفت آمنة، وما أنتجه ذلك من موجات نزوح جديدة، يضرب عمليًّا هذه المعادلة. إذ يصبح السكان أمام سؤال بسيط وقاسٍ: ما الذي تغيّر بعد انتشار الجيش إذا بقي خطر الغارة أو التهجير قائمًا؟
ومن هنا، يحاول بيان القيادة نقل جزء أساسي من مسؤوليّة تعثّر المسار إلى الجانب الإسرائيلي، والتأكيد أنّ الجيش أنجز ما يقع ضمن قدرته في المرحلة الراهنة، فيما يشكّل استمرار الخروقات العائق الأساسي أمام استكمال الانتشار وتوسيع نطاق السيطرة.
وبهذا المعنى، يتجاوز البيان كونه عرضًا تقنيًّا لعدد الحواجز والدوريّات والأسلحة المصادرة. فهو في جوهره رسالة سياسيّة إلى الداخل اللبناني، وإلى الأطراف الدوليّة المعنيّة بمتابعة "اتفاق الإطار"، مفادها أنّ نجاح الرهان على الجيش يحتاج إلى وقف إسرائيل استخدام القوّة في المناطق التي يُطلب من المؤسّسة العسكريّة تثبيت سلطة الدولة فيها.
فالمعادلة التي تطرحها قيادة الجيش باتت واضحة: الانتشار ممكن، والسيطرة العملياتيّة بدأت، لكن تحويلها إلى استقرار دائم يحتاج إلى وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والخروقات.
وعليه، تعتبر قيادة الجيش أنّ وقف هذه الاعتداءات ليس بندًا منفصلًا عن تنفيذ "اتفاق الإطار"، بل شرطًا أساسيًّا لاستكماله. إذ لا يمكن مطالبة الجيش بتوسيع انتشاره، وإعادة السكان، وتثبيت سلطة الدولة، فيما تبقى المناطق نفسها عرضةً للقصف والهدم والنزوح المتجدّد.




