الجيش يعدّد مهماته المنفّذة جنوباً: اعتداءات إسرائيل تعوقنا

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/09/09
النبطية في تموز 2026 (مصطفى جمال الدين)
هل إن هذا النمط المستعاد في معالجة الاستحقاقات الجنوبية، سيكون كافيًا لتجنيب النبطية ما تواجهه من أخطار (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتحرّك الأحداث الميدانيّة في الجنوب بإيقاع أسرع بكثير من المسار الدبلوماسي. ويواجه لبنان منزلقًا خطرًا يضع الدولة أمام استحقاق وجودي. وفيما تواصل الاتصالات الدوليّة مساعيها للحدّ من اندفاعة الهجمة الإسرائيليّة، وتأمين المناخات الملائمة لعقد مؤتمر دعم الجيش المنتظر في باريس، تفرض المعارك على الأرض تحدّيات جديدة ومعالجات جذريّة.

وتُظهر التحرّكات الأخيرة للجيش اللبناني داخل مدينة النبطية وأحيائها أنّ الدولة تحاول إثبات حضورها في المساحات الأكثر تعرّضًا لخطر التمدّد الإسرائيلي. غير أنّ هذه الإجراءات لا ترتقي إلى التموضع المكثّف الدائم أو الترتيب الأمني الحاسم وفق ما يطلبه الجانب الأميركي من لبنان.

وفيما موعد الجولة التفاوضيّة المقبلة يبقى معلّقًا، تعكس خطوات الدولة في النبطية والجوار محاولة رسميّة لإبقاء الوضع هناك تحت مستوى معيّن من السيطرة، وتجنّب استغلال إسرائيل للواقع الأمني فتقوم بعمليّة ساحقة تستهدف المدينة. وهذا ما أكّده رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في الاجتماع الأمني الذي ترأّسه في بعبدا، إذ حذّر من أنّ إسرائيل تريد استغلال أيّ فراغ أمني في الجنوب كذريعة لمواصلة الاعتداءات.

لكن السؤال المطروح هو: هل إنّ هذا النمط المستعاد في معالجة الاستحقاقات الجنوبيّة سيكون كافيًا لتجنيب النبطية ما تواجهه من أخطار؟ فالمعالجات التي جرى اعتمادها في التجارب السابقة لم تمنع سقوط المناطق والنقاط الحيويّة في الجنوب، وكان آخرها مرتفعات علي الطاهر التي أضحت بـ"سقوطها العملياتي" تحت سيطرة إسرائيل بوّابة مباشرة للتمدّد نحو مدينة النبطية. ومن "النقاط الخمس" قبل عامين إلى التطوّرات الأخيرة، تبدو خطط الدولة لمواجهة الواقع قاصرة عن ردع الآلة العسكريّة الإسرائيليّة ونزع ذرائع التدمير. وهذا الانسداد الميداني يضع لبنان بأسره، أي السلطة السياسيّة وقيادة الجيش وحزب الله، أمام معادلة واضحة: هل سيتوافق اللبنانيّون على سبيل واضح لإدارة المرحلة في الجنوب؟ من سيتولّى هذه الإدارة الدقيقة؟ بأيّ أدوات، وأيّ أثمان؟

في منطق الدولة أنّ حماية النبطية ومنع انجرافها نحو خيار التدمير الشامل يستوجب خطوات استراتيجيّة تتجاوز منطق الحضور المؤقّت، وتتطلّب انتقال الدولة المباشر والكامل إلى إدارة الملف الأمني والإمساك بالقرار العسكري في الجنوب من دون تجزئة، وإقدام حزب الله على تسليم سلاحه وقراره العسكري رسميًّا لمصلحة المؤسّسة العسكريّة، بما يقطع الطريق أمام ذرائع إسرائيل. وهذا ما يتيح للجنة المراقبة معاينة الميدان والتحقّق من الترتيبات الجديدة. وبذلك، قد تكون في يد لبنان ورقة ضغط سياسيّة ودبلوماسيّة تُعزّز موقفه، سواء في جولة المفاوضات المقبلة أو في مؤتمر باريس، بحيث يصبح المجتمع الدولي ملزمًا بدفع إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها وبدء الانسحاب من الجنوب. لكن حزب الله ما زال يعتبر أنّ هذا النهج سيمنح إسرائيل هامش توسّع أكبر، ولن يدفعها إلى الوفاء بأيّ التزام، بل على العكس سيزيدها تعنّتًا. ومن هنا، واقعيًّا، مشكلة لبنان شبه مستعصية، والجنوب معرّض لبلوغ الأسوأ.

 

وجود الجيش ليس هو القرار

المفارقة أنّ السجال الدائر حول النبطية لا يتعلّق، في جوهره، بما إذا كان الجيش موجودًا فيها أم لا. قيادة الجيش حسمت هذه النقطة عندما أوضحت، في الثامن من أيلول، أنّ وحداتها منتشرة في جميع المناطق التي لا وجود فيها للاحتلال الإسرائيلي، ولا سيّما منطقة النبطية، وأنّ ما طرأ أخيرًا هو تكثيف المهمّات بهدف طمأنة الأهالي.

وأعلنت قيادة الجيش اليوم أن التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي طاول مناطق سكنية ومؤسسات وأوقع عدداً كبيراً من الضحايا، بينهم 12 شهيداً على الأقل في كفررمان، يهدد التفاهمات القائمة ويعيق جهود الجيش لإرساء الاستقرار واستكمال انتشاره في الجنوب.

وأكدت أن الجيش أبدى استعداده الكامل لتنفيذ التزاماته منذ توقيع اتفاق الإطار، وباشر إجراءات فرض السيطرة العملياتية في المناطق النموذجية، رغم عدم الاتفاق الكامل حتى الآن على مراحل هذه المناطق والخطوات اللاحقة.

وأوضحت أن الإجراءات شملت إقامة 6 حواجز ثابتة و13 نقطة مراقبة في زوطر الغربية وفرون وصريفا، وتسيير دوريات على مدار الساعة، إضافة إلى مصادرة نحو 1818 قطعة من الأسلحة والذخائر، بينها منصات صواريخ وصواريخ ومسيّرات وذخائر مختلفة، وفتح نحو 12 كيلومتراً من الطرقات وتفتيش عدد من المنازل وفق القوانين اللبنانية وبموافقة أصحابها.

ولفتت إلى أن هذه الإجراءات أتاحت للجيش فرض السيطرة العملياتية والتحكم بحركة الدخول والخروج، بالتوازي مع العمل على تأمين عودة السكان ورفع الركام وفتح الطرقات.

وفي المقابل، قالت قيادة الجيش إن إسرائيل سجلت نحو 7700 خرق لاتفاق الإطار منذ توقيعه في 26 حزيران 2026، إضافة إلى إطلاق النار قرب عناصر الجيش ودورياته، معتبرة أن الاعتداءات الأخيرة أدت إلى موجة نزوح جديدة وتستهدف ضرب مصداقية المؤسسة العسكرية.

وشددت على أن وقف الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية يشكل العامل الأساسي لتمكين الجيش من استكمال انتشاره وتنفيذ مهماته وفق اتفاق الإطار.

 

علي الطاهر غيّر قواعد السؤال

لكن ما حصل في علي الطاهر جعل هذا النقاش أكثر إلحاحًا. فالموقع لم يعد مجرّد خسارة عسكريّة إضافيّة، بل صار دليلًا على أنّ الوقت نفسه أصبح عنصرًا في المعركة. وكلّ مساحة لا تنتقل سريعًا إلى إدارة الدولة يمكن أن تتحوّل، في ظلّ ميزان القوى الحالي، إلى مساحة تضغط إسرائيل باتجاهها، عسكريًّا أو تفاوضيًّا.

ومن هنا يتضاعف القلق على النبطية، لا لأنّ سقوطها أصبح حتميًّا، بل لأنّ إسرائيل أظهرت قدرتها على تحويل التقدّم الميداني إلى وقائع سياسيّة، ثم إدخال هذه الوقائع إلى طاولة التفاوض من موقع الأمر الواقع. وما كان يمكن مناقشته قبل أشهر بوصفه ترتيبًا أمنيًّا لبنانيًّا، قد يصبح بعد خسارة الأرض تفاوضًا على كيفيّة استعادتها.

ولهذا أيضًا اكتسبت النداءات الصادرة من النبطية دلالة سياسيّة تتجاوز بعدها الأهلي. ففي "نداء النبطية الثاني" لم يعد المطلب زيادة عديد الجيش وحسب، بل تولّي الدولة المسؤوليّة الكاملة عن أمن المدينة، خشية تكرار النموذج الذي أصاب بلدات أخرى. كما وضعت الأصوات الصادرة من المدينة ما جرى في علي الطاهر في صلب التحذير من انتقال الخطر إلى بوّابة النبطية نفسها.

وفي الأيام الأخيرة، لم تعد المخاوف مجرّد استشراف نظري. فالاعتداءات طاولت النبطية ومنشآت رسميّة وخدماتيّة فيها، وكان رئيس الجمهوريّة قد دان في السادس من أيلول استهداف مبنى وزارة الماليّة وتدمير مستشفى غندور، في مؤشر إلى أنّ المدينة دخلت بالفعل في دائرة الضغط الإسرائيلي المباشر.

 

باريس بين تمويل الجيش وتحديد وظيفته

في السابع عشر من أيلول، تستضيف باريس الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم القوات المسلّحة اللبنانيّة وقوى الأمن الداخلي. والهدف المعلن هو تأمين الموارد والتجهيزات والتدريب وبناء القدرات وفق الأولويّات والحاجات التي حدّدها الجيش اللبناني.

لكن خلف اللغة التقنيّة سؤال سياسي أوضح: أيّ جيش يريد المجتمع الدولي أن يدعم، ولأيّ مهمّة؟

الدعم هذه المرّة يرتبط، أكثر من مراحل سابقة، بقدرة الجيش على تثبيت سلطة الدولة. ولذلك، فإنّ ما ستفعله بيروت قبل باريس قد يكون أكثر أهميّة من البيانات التي ستصدر في باريس نفسها. الدول المانحة تريد خطّة قابلة للتنفيذ، مهمّات محدّدة، وسلسلة قرار واضحة. أمّا لبنان، فيريد تحويل التزامه ببسط سلطة الدولة إلى التزام دولي مقابل بإجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي التي تحتلّها.

هنا تقع المقايضة السياسيّة الفعليّة. كلّما أثبتت الدولة أنّها قادرة على الإمساك بالميدان، ارتفعت قدرتها على القول إنّ الذريعة الإسرائيليّة سقطت وإنّ على الوسطاء الانتقال من الضغط على لبنان إلى الضغط على إسرائيل. وكلّما بقيت المعادلة رماديّة، بين جيش موجود وسلاح آخر موجود وقرار عسكري غير موحّد، بقيت إسرائيل أقدر على استخدام هذه المنطقة الرماديّة لتبرير استمرار عمليّاتها.

وهذا تحديدًا ما يجعل مؤتمر باريس جزءًا من المعركة السياسيّة على الجنوب، لا مجرّد مؤتمر لجمع الأموال والعتاد.

 

مأزق حزب الله والدولة معًا

حزب الله، من جهته، لا يتعامل مع المسألة بوصفها إجراءً أمنيًّا بسيطًا. بالنسبة إليه، تسليم السلاح والقرار في لحظة استمرار الاحتلال والاعتداءات يعني التخلّي عن ورقة القوّة قبل الحصول على مقابل، ويعتبر أنّ إسرائيل لن تكافئ هذا المسار بالانسحاب، بل قد تقرأه بوصفه فرصة لزيادة شروطها وضغوطها.

لكن هذه الحجّة تواجه اليوم سؤالًا أشدّ قسوة: ما الذي تبقّى من الوظيفة العمليّة للسلاح إذا كان لم يمنع خسارة نقاط أساسيّة، ولم يمنع تدمير القرى، فيما بات وجوده نفسه يُستخدم دوليًّا وإسرائيليًّا لتبرير استمرار الضغط على لبنان؟

السؤال هنا ليس أخلاقيًّا ولا أيديولوجيًّا. إنّه سؤال في ميزان النتائج.

فالاحتفاظ بالأداة نفسها بعد انهيار الشروط التي أنتجت وظيفتها لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بالقوّة نفسها. وقد يصبح السلاح، في معادلة مختلفة تمامًا، أقلّ قدرة على تحقيق الردع، وأكثر قدرة على إبقاء الدولة عاجزة عن استخدام الأدوات الدبلوماسيّة المتاحة لها.

هنا لا يعود النقاش بين "الدولة" و"المقاومة" كما كان قبل سنوات. الوقائع نفسها تغيّرت. ميزان الردع تبدّل، مساحات جنوبيّة واسعة تعرّضت للدمار، إسرائيل تقدّمت في نقاط حسّاسة، والمجتمع الدولي بات يربط دعمه للبنان بقدرته على توحيد القرار العسكري. لذلك، فإنّ بقاء المعادلة القديمة كما هي لا يحافظ على الوضع القائم، بل قد يسرّع تفكّكه لمصلحة إسرائيل.

وفي الجهة المقابلة، لا تستطيع الدولة مطالبة حزب الله بتسليم كامل أوراقه، ثم الاكتفاء هي نفسها بانتشار شكلي وبخطاب دبلوماسي لا ينتج انسحابًا إسرائيليًّا. انتقال القرار إليها يرتّب عليها مسؤوليّة مضاعفة، أن تمسك بالأرض فعليًّا، وأن تبني شبكة ضمانات دوليّة تجعل استعادة السيادة مسارًا ملموسًا لا شعارًا.

 

النبطية كمهلة أخيرة

لبنان، في كلّ الأحوال، لا يملك ترف اختبار السيناريوهات طويلًا. النبطية ليست موقعًا حدوديًّا يمكن إدخاله بسهولة في حسابات الكرّ والفرّ. إنّها مركز محافظة، وحاضرة اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة للجنوب، وأيّ انزلاق نحو تدمير واسع فيها سيعني انتقال الحرب إلى مستوى آخر بالكامل.

من هنا، تبدو الخيارات اللبنانيّة أقلّ اتساعًا ممّا توحي به السجالات. إمّا أن تُبنى سريعًا صيغة وطنيّة واضحة تنتقل بموجبها إدارة الجنوب أمنيًّا وعسكريًّا إلى الدولة، بالتوازي مع مسار تفاوضي ودولي يضمن انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، وإمّا أن يستمرّ التعايش مع ازدواجيّة القرار إلى أن تفرض إسرائيل، بقوّة النار، صيغة مختلفة لا يملك لبنان دورًا فعليًّا في رسمها.

وحصريّة السلاح هنا ليست تفصيلًا منفصلًا عن الحرب، كما أنّ الانسحاب الإسرائيلي ليس مكافأة ينبغي انتظارها بعد إنجاز المطلوب داخليًّا. الاثنان يجب أن يصبحا جزءًا من مسار واحد، استعادة الدولة لقرارها من جهة، واستعادة لبنان لأرضه وسيادته من جهة أخرى. وأيّ فصل بين المسارين سيعيد إنتاج الحلقة نفسها، حزب الله يقول إنّه لا يستطيع التخلّي عن سلاحه قبل الانسحاب، وإسرائيل تقول إنّها لن تنسحب ما دام السلاح موجودًا، فيما يخسر لبنان مزيدًا من الأرض والناس والوقت.

النبطية اليوم ليست فقط مدينة تحت التهديد. إنّها المكان الذي تُختبر فيه قدرة الدولة على أن تتحوّل من حضور إلى سلطة، ومن بيان إلى قرار، ومن طلب للحماية الدوليّة إلى امتلاك أوراق تجعل هذه الحماية جزءًا من تسوية ملزمة.

وفي الجنوب، حيث صار الميدان أسرع من الجميع، قد يكون التأخّر في اتخاذ القرار هو القرار الأكثر كلفة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث