قليلة هي القضايا في لبنان التي استمرّت عقودًا طويلة خارج منطق السّياسات العامّة كما استمرّت قضية اللّجوء الفلسطيني. منذ نكبة 1948، تعامل لبنان مع هذه القضية باعتبارها استثناءً دائمًا. استثناءً أمنيًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا، وقانونيًّا. تراكمت المقاربات المرحليّة، وتبدّلت موازين القوى، وتعاقبت الحروب والتسويات، فيما بقي السؤال الأساسي معلّقًا، متى تنتقل الدولة اللبنانية من إدارة اللّجوء الفلسطيني إلى بناء سياسة عامّة واضحة تجاهه؟
المسألة اليوم أكثر إلحاحًا. الشرق الأوسط يدخل مرحلة جيو-سياسيّة مختلفة، ولبنان نفسه أمام فرصة للانتقال من اللّادولة إلى الدولة. لذلك لم يعد ممكنًا إبقاء ملف بهذا الحجم خارج إعادة بناء السيادة والمؤسّسات. لا يمكن بناء دولة تحتكر القرار والأمن على كامل أراضيها، فيما تبقى المخيمات الفلسطينيّة خاضعةً لترتيبات استثنائيّة نشأت في ظروف تاريخيّة لم تعد قائمة. المطلوب ليس تهميش القضية الفلسطينيّة، بل إنهاء الاستثناء اللبناني في إدارتها.
دعم حق الفلسطينيين مقيمين، ولاجئين، وشتات، في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم، والتمسّك بحقوق اللاجئين وفق المرجعيّات الدوليّة، لا يتعارضان مع حق الدولة اللبنانية وواجبها في تنظيم أوضاع الموجودين على أراضيها. العكس هو الصحيح. غياب الدولة لم يحمِ الفلسطينيين، كما لم يحمِ لبنان. على مدى عقود، تداخل الإنساني بالسياسي، والسياسي بالأمني، والأمني بالإقليمي-الدّولي. تحوّلت المخيمات في مراحل مختلفة إلى مساحات نفوذ لقوى فلسطينيّة ولبنانيّة وإقليميّة ودوليّة. ومع كل أزمة، كانت المعالجة تتم بمنطق الاحتواء لا بمنطق الحل، وبالتسوية الأمنيّة لا بالسياسة العامّة. هذه الحلقة يجب أن تنتهي. الدولة التي تستعيد سيادتها لا تتعامل مع اللاجئ باعتباره مشكلة أمنيّة، ولا مع المخيم باعتباره جزيرةً خارجة عن القانون. الدولة، في المقابل، لا تقبل استمرار أي سلاح أو سلطة أمنيّة مستقلة على أراضيها. المعادلة واضحة. حقوق إنسانيّة مصانة، وسيادة لبنانيّة غير قابلة للتجزئة.
لا يمكن فصل معالجة اللّجوء الفلسطيني عن حصرية السلاح بيد الدولة. السلاح الفلسطيني في لبنان ارتبط بسياق سياسي وعسكري إقليمي بدأ قبل أكثر من نصف قرن. لقد تغيّر هذا السياق جذريًّا. الدولة اللبنانية هي وحدها المسؤولة عن الأمن داخل المخيمات وخارجها. الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة الشرعيّة هما المرجعيّة الحصريّة في حماية المقيمين على الأراضي اللبنانية، لبنانيين وفلسطينيين وسواهم. تجربة مخيّم نهر البارد (2007) نموذج صارخ. إنهاء السلاح الفلسطيني ليس إجراءً موجّهًا ضد اللّاجئين الفلسطينيين، بل خطوة في اتجاه إنهاء الاستثناء الذي أبقاهم أنفسهم داخل منظومات أمنية مغلقة. اللاجئ يحتاج إلى القانون أكثر مما يحتاج إلى سلطة موازية، ويحتاج إلى مؤسسة دولة أكثر مما يحتاج إلى تنظيم مسلّح. إستعادة المخيمات إلى نطاق السيادة لا تعني اقتحامها سياسيًّا أو اجتماعيًّا، بل إدماجها ضمن النظام العام للدولة. أمنًا، وقضاءً، وإدارةً، وخدماتٍ، وحمايةً للحقوق. لا للتوطين... ولا للتهميش.
هناك ثنائية حكمت النقاش اللبناني طويلًا. إمّا إبقاء الفلسطيني في ظروف استثنائيّة، وإمّا الخوف من التوطين. هذه الثنائية لم تعد منتجة. رفض التوطين ثابتة دستوريّة لبنانيّة. لكن رفض التوطين لا يعني إنتاج الحرمان، كما أن تحسين الظروف الإنسانيّة والقانونيّة للاجئين لا يعني منحهم الجنسيّة أو إسقاط حقهم في العودة. يمكن للدولة أن تكون واضحة في الأمرين معًا. تحمي خصوصيّة لبنان وتوازناته الدستوريّة والديموغرافيّة، وفي الوقت نفسه تنظّم حق اللّاجئ الفلسطيني في العمل والعيش الكريم والحماية الاجتماعيّة ضمن قواعد واضحة تأخذ في الاعتبار قدرة الاقتصاد اللبناني ومصلحة المجتمع المضيف. إن تحويل اللاجئ إلى إنسان يعيش لعقود في الهامش القانوني والاجتماعي لا يحمي لبنان. بل ينتج الفقر، والاقتصاد غير النظامي، والهشاشة الأمنية، وقابلية الاستثمار السياسي والتطرف. الكرامة ليست توطينًا. والسيادة ليست تهميشًا.
لا يستطيع لبنان، وهو يواجه أزماته الاقتصاديّة والمؤسّساتيّة، تحمّل أعباء اللّجوء منفردًا. كما لا يجوز للمجتمع الدولي أن يتعامل مع استمرار اللّجوء باعتباره عبئًا لبنانيًّا دائمًا. دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" يبقى أساسيًّا ما دامت قضية اللاجئين بلا حلّ عادل. وأي تراجع غير منظّم في خدماتها سينقل أعباءً هائلة إلى الدولة اللبنانية وإلى اللاجئين معًا. لكن المطلوب يتجاوز تمويل إدارة الوضع القائم. لبنان يحتاج إلى استراتيجية تفاوضية مع المجتمعين العربي والدولي حول مستقبل اللّجوء الفلسطيني، تتناول التمويل، والحقوق، والمسؤوليات، والعودة، والخيارات المستقبلية، ضمن رؤية سياسية واضحة لا ضمن إدارة سنوية للأزمات.
إحدى أكثر النتائج خطورةً للمقاربة السابقة كانت تحوّل المخيم من مكان إقامة مؤقت للاجئين إلى فضاء ذي بنية سياسية وأمنية خاصة. هذا النموذج وصل إلى نهايته. المخيم جزء من الأراضي اللبنانية، ويخضع للسيادة اللبنانية. وسكانه يتمتعون بالحماية التي يضمنها القانون والالتزامات الدولية للدولة. لا تناقض بين الأمرين. الانتقال إلى هذه المعادلة يحتاج إلى مسار تدريجي ومنظّم، بالتعاون مع القيادات والمرجعيات الفلسطينية، لا إلى مواجهة مع المجتمع الفلسطيني. المطلوب نقل العلاقة من علاقة بين الدولة وتنظيمات إلى علاقة بين الدولة وأفراد يخضعون للقانون ويتمتعون بحقوق محددة بموجبه. هذا التحول جوهري في بناء الدولة.
التحوّلات الجارية في المنطقة تجعل ملف اللاجئين أكثر حساسية، لا أقل. وأي مسار سياسي إقليمي جديد لا يمكن أن يجعل لبنان مكانًا لإقفال القضية الفلسطينية على حساب تركيبته وسيادته. لهذا يحتاج لبنان إلى موقف تفاوضي استباقي. لا ينتظر الحلول التي يصوغها الآخرون ثم يبحث عن كيفية مواجهتها. يحدّد منذ الآن ثوابته ومصالحه وخياراته. رفض التوطين، التمسّك بالحقوق المشروعة للاجئين، حماية حق العودة ضمن أي تسوية نهائية، رفض نقل أعباء الصراع إلى لبنان، والمطالبة بمشاركة دولية فعلية في معالجة النتائج الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية للجوء. هذه ليست سياسة ضد الفلسطينيين. إنها سياسة لبنانية مسؤولة يمكن أن تكون في الوقت نفسه أكثر عدالة تجاه الفلسطينيين.
آن أوان إنهاء الاستثناء. قضية اللّجوء الفلسطيني في لبنان ليست ملفًا منفصلًا عن مشروع استعادة الدولة. إنها أحد اختباراته الأساسية. لا دولة بسيادتين. ولا دولة بسلاحين. ولا دولة بمناطق تخضع لترتيبات أمنية موازية. لكن لا دولة أيضًا من دون قانون عادل، وحقوق إنسان، وسياسات اجتماعية، وقدرة على التمييز بين حماية الهوية الوطنية وبين إنتاج التهميش. بعد أكثر من سبعة عقود، لم يعد مقبولًا أن يبقى الفلسطيني في لبنان أسير وضع "مؤقت" أصبح دائمًا، ولا أن يبقى اللبناني أسير الخوف من أن تتحول كل معالجة إنسانية إلى توطين. المطلوب الخروج من الاثنين معًا. سيادة كاملة للدولة اللبنانية. حصرية كاملة للسلاح والقرار الأمني. رفض نهائي للتوطين. حقوق إنسان وعيش كريم للاجئين. مسؤولية عربية ودولية واضحة. تمسّك بحلّ عادل ودائم للقضية الفلسطينية وحق اللاجئين في العودة.
إن الانتقال من اللّادولة إلى الدولة لا يتحقق بقرار واحد. إنه إعادة إخضاع كل الملفات التي عاشت في فضاء الاستثناء لمنطق الدستور والمؤسسات والسياسات العامة. اللّجوء الفلسطيني واحد من أكثر هذه الملفات إلحاحًا. بعد عقود من إدارة الاستثناء، آن للبنان أن ينتقل من إدارة اللّجوء إلى سياسة دولة تجاهه.




