يتبيّن في الأيام الأخيرة أنّ سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر كانت تدشينًا لإعادة رسم الخريطة الأمنيّة للجنوب. ومع عودة إنذارات الإخلاء التي طاولت مناطق جديدة كدير الزهراني، وتصاعد الغارات والقصف والتفجير في النبطية وكفررمان وكفرتبنيت والمنصوري وزوطر الشرقية، موقعةً 27 شهيدًا في 3 أيام، يتكشّف السعي الإسرائيلي إلى فرض أحد خيارين: إمّا توسيع النطاق الأمني تحت التهديد الناري ليطاول النبطية، وكذلك إقليم التفاح وجبل الريحان لقطع خطوط الإمداد عن حزب الله، وإمّا تثبيت حزام أمني متشدّد يحظى بالاعتراف كأمر واقع. ومن هذا القبيل، جاء طرح الخط الجديد، المسمّى "رماديًّا". وهذا الإصرار الإسرائيلي على فرض الوقائع بالنار يهدف بوضوح إلى تجريد اتفاق الإطار من مقوّماته، وإرغام لبنان على التفاوض تحت مقصلة التهجير والتدمير.
وتتذرّع إسرائيل بتنفيذ حزب الله عمليات ضدّها. وآخر الذرائع اليوم إعلانها أنّ عنصرًا من الحزب أطلق النار على قوّاتها عن قرب في منطقة الشقيف، وأنّها ردّت عليه وقتلته. وكانت إسرائيل قد تذرّعت بإطلاق مسيّرات مفخّخة باتجاه قوّاتها في مرتفعات علي الطاهر، لمواصلة غاراتها وعمليات القصف وتفجير القرى واستكمال مسح البنى التحتيّة، كما حدث في تفجير مدينة الملاهي الممتدّة بين زوطر الشرقية وكفرتبنيت، ما يهدّد بتحويل الجنوب أرضًا محروقة، ويدفع السكان إلى نزوح كثيف. وفي غارة على الريحان، عصرًا، استهدفت إسرائيل دراجة ناريّة، ما أدّى إلى سقوط شهيد.
في مقابل هذا التدهور العسكري، ليس في الأفق ما يشير إلى ثغرة يمكن للبنان أن ينفذ منها إلى نهاية النفق. واليوم، وضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الاعتداءات الإسرائيلية في خانة تقويض اتفاق الإطار، متطلّعًا نحو تحصين الجنوب عبر قوّة أوروبيّة فرنسيّة، إيطاليّة تملأ الفراغ العسكري بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل". وفي الموازاة، جاءت كلمة وزير الخارجية يوسف رجّي أمام جامعة الدول العربية، مطالبًا بانسحاب إسرائيل الكامل، ولكن مصوّبًا السهام أيضًا بشكل مباشر نحو حزب الله، ومحذّرًا من تبعات "جرّه لبنان إلى أتون حروب مدمّرة"، ومؤكّدًا تبنّي القرار الحكومي القاضي بالحظر الفوري لنشاطات الحزب العسكريّة والأمنيّة، وإلزامه بتسليم سلاحه وحصر السلاح بالأجهزة الشرعيّة وحدها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يقف لبنان اليوم على أعتاب لحظة حاسمة، فيما تستعدّ إسرائيل لطاولة المفاوضات في روما بـ"سلّة إنجازات ميدانيّة ضاغطة" تمتدّ من مرتفعات علي الطاهر وتتمدّد في اتجاهات غير محدّدة، ولا سيّما النبطية التي باتت على رمية حجر من الخطر القاتل.
من "السيطرة على الأرض" إلى "السيطرة بالنار"
المشكلة في قراءة "الخط الرمادي" بوصفه خط انسحاب محتمل فقط، أنّها تمنحه مضمونًا أكثر إيجابيّة ممّا يحمله فعليًّا. فوفق التصوّر الذي نقلته هيئة البث الإسرائيلية، لا يدور البحث حول خروج الجيش الإسرائيلي من لبنان، بل حول تقليص انتشاره البرّي من "الخط الأصفر" إلى نطاق أقرب من الحدود، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، مع إنشاء نحو عشرين موقعًا عسكريًّا دائمًا. أمّا المناطق التي قد تنسحب منها القوّات، فتبقى تحت المراقبة الجويّة والاستهداف عن بُعد.
بهذا المعنى، لا ترسم إسرائيل خطًّا واحدًا، بل منطقتين أمنيّتين متداخلتين. الأولى شريط برّي يحتفظ الجيش داخله بمواقع ثابتة، والثانية منطقة أوسع تخضع لمنطق "السيطرة بالنار". هنا تصبح النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان جزءًا من معادلة الأمن الإسرائيلي، حتّى من دون دخول دبّابة إسرائيلية إليها. فالإنذارات والغارات ونسف المنشآت تؤسّس لقاعدة مفادها أنّ العمق اللبناني نفسه قابل للتحوّل إلى نطاق مهدّد متى رأت إسرائيل أنّ نشاطًا عسكريًّا لحزب الله يتحرّك فيه.
النبطية تتحوّل إلى جبهة ضغط
لذلك، تبدو كثافة الاستهداف في النبطية ومحيطها أبعد من ملاحقة أهداف منفردة. فالمدينة، بثقلها السكاني والسياسي والاقتصادي، عقدة مركزيّة في الجنوب، ونقل النار إليها يعني توسيع الضغط من القرى الحدوديّة إلى الحاضرة التي تستوعب حركة السكان والخدمات والاقتصاد. وحين تترافق الغارات مع إنذارات إخلاء ونسف منشآت واستهداف طرق ومركبات، يصبح الأثر مزدوجًا، ضرب البنية التي تعتبرها إسرائيل مرتبطة بالحزب، ودفع المدنيّين إلى إعادة حساب إمكان البقاء والعودة.
وتظهر هنا الوظيفة التفاوضيّة للنار. فإسرائيل أبلغت لبنان، بحسب هيئة البث، أنّها لن تسمح في المرحلة الراهنة بعودة السكان إلى المناطق المخلاة، وربطت بحث العودة بمفاوضات روما. وهذا ينقل حقّ السكان في العودة من خانة النتيجة الطبيعيّة للانسحاب إلى خانة "البند التفاوضي". أي أنّ إسرائيل تستخدم الوجود العسكري ومصير القرى وسيلةً لرفع الكلفة على لبنان وتحسين شروطها قبل الجلوس إلى الطاولة.
روما تحت سقف الوقائع العسكريّة
لا تدخل إسرائيل جولة روما من نقطة الصفر. فهي تسعى إلى جعل الواقع الذي فرضته عسكريًّا نقطة الانطلاق الجديدة للمفاوضات. وبذلك، لا يصبح السؤال كيف تعود الأمور إلى ما كانت عليه، بل كم يمكن لإسرائيل أن تتراجع عن مكاسبها الميدانيّة، وبأيّ ثمن. وهنا يكمن التحوّل الأخطر، لأنّ الانسحاب، الذي يفترض أن يكون التزامًا، يتحوّل إلى "تنازل" قابل للمقايضة بضمانات أمنيّة، وترتيبات حدوديّة، وقيود على عودة السكان، وتقدّم إضافي في ملفّ سلاح حزب الله.
وهذه هي معضلة الدولة اللبنانيّة. فكلّ إنجاز ميداني إسرائيلي جديد يرفع سقف تل أبيب ويخفض قيمة أوراق بيروت. وإذا نجحت إسرائيل في جعل "الخط الرمادي" مرجعيّة تفاوضيّة، ولو غير رسميّة، تكون قد نقلت النقاش من مبدأ الانسحاب الكامل إلى خرائط الانسحاب وشروطه ومراحله. وهكذا تصبح السيطرة المؤقّتة مشروعًا لترتيب أمني دائم.
حزب الله واستنزاف ورقة الدولة
لكنّ تحميل إسرائيل وحدها مسؤوليّة اختلال ميزان التفاوض لا يشرح الصورة كاملة. فالدولة تدفع أيضًا ثمن قرار عسكري بقي لسنوات خارج مؤسّساتها. استمرار حزب الله في الاحتفاظ ببنية مسلّحة مستقلّة، وأيّ عمليات ينفّذها من دون قرار رسمي، يمنح إسرائيل الذريعة التي تحتاجها لتوسيع عملياتها، حتّى حين يكون الردّ الإسرائيلي مفرطًا ويتجاوز الهدف العسكري المعلن إلى تدمير يطاول المدنيّين والبنى المدنيّة.
وهذا جوهر الرسالة التي حملها يوسف رجّي إلى الجامعة العربيّة. فالموقف الرسمي يحاول تثبيت معادلة في اتجاهين، مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل ووقف اعتداءاتها، وفي المقابل رفض بقاء قرار الحرب والسلم والسلاح خارج الدولة. وأعاد رجّي التأكيد التمسّك بالقرار 1701 والمسار الدبلوماسي، بالتوازي مع دعم قرار الحكومة حظر النشاطات العسكريّة والأمنيّة لحزب الله وحصر السلاح بالقوى الشرعيّة.
عمليًّا، يصعب على لبنان مطالبة المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل بسيادته، فيما تبقى هذه السيادة منقوصة في الداخل. وهذه الثغرة هي إحدى أكثر الأدوات فاعليّة في الخطاب الإسرائيلي، وتتحوّل اليوم إلى ورقة تفاوضيّة. وكلّما تأخّرت الدولة في إظهار تقدّم فعلي في احتكار السلاح والقرار الأمني، ازدادت قدرة إسرائيل على تسويق بقائها في الجنوب بوصفه "ضرورة أمنيّة"، لا احتلالًا مطلوبًا إنهاؤه.
ما بعد "اليونيفيل": سباق على ملء الفراغ
إلى جانب معركة الخطوط، تبرز معركة على شكل القوّة التي ستضبط الجنوب بعد انتهاء مهمّة "اليونيفيل". ترحيب عون بالمبادرة الفرنسيّة، الإيطاليّة لتشكيل قوّة أوروبيّة لا ينفصل عن الخشية من تحوّل الفراغ الدولي إلى مساحة إضافيّة للأمن الإسرائيلي الأحادي. فلبنان يريد حضورًا يثبّت الحدود الدوليّة ويدعم الجيش وعودة السكان، لا منطقة عازلة تحدّد إسرائيل عمقها وقواعد الحركة فيها.
لكنّ نجاح هذا الطرح يبقى مشروطًا بقدرة الدولة على تحويل الدعم الدولي إلى سيطرة فعليّة. فالقوّات الدوليّة، أيًّا يكن اسمها، لا تستطيع أن تكون بديلًا من قرار لبناني موحّد، ولا من جيش يمتلك حرّيّة الانتشار والعمل، ولا من تسوية داخليّة تحسم مسألة السلاح. وإلّا سيتغيّر شكل القوّة، بينما يبقى أصل الأزمة على حاله.
لحظة رسم الخريطة
المواجهة إذًا لم تعد على مرتفعات علي الطاهر وحدها. ما يجري هو صراع على الخريطة التي ستدخل قاعة روما. إسرائيل تريد خريطة تبدأ من الوقائع التي صنعتها قوّاتها، "خط رمادي"، مواقع ثابتة، قرى معلّقة العودة، وعمق لبناني خاضع للتهديد الناري. أمّا لبنان فيحتاج إلى إعادة النقاش إلى الأصل، الحدود الدوليّة، الانسحاب الكامل، عودة السكان، وانتشار الدولة وحدها.
وبين الخريطتين، يضيق الوقت. فإذا دخل لبنان المفاوضات فيما تتحوّل النبطية وإقليم التفاح إلى امتداد عملي للمنطقة الأمنيّة، يصبح وقف النار نفسه هدفًا تفاوضيًّا بدلًا من أن يكون شرطًا للتفاوض. عندها تكون إسرائيل قد قلبت المعادلة، لا تفاوض لإنهاء الضغط العسكري، بل ضغط عسكري مستمر لانتزاع اتفاق على قياس الوقائع التي صنعتها. وهذا ما يجعل الأيام المقبلة أخطر من جولة تصعيد جديدة، لأنّها قد تكون الأيام التي يُرسم فيها الجنوب المقبل بالنار قبل أن تُرسم حدوده على الورق.




