لم يكن يوم الأحد مجرّد جولة جديدة من الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان، بل بدا انتقالًا منظّمًا إلى مرحلة أكثر اتّساعًا وخطورة. أربعة شهداء وعشرون جريحًا في حصيلة أوليّة، غارات طالت أحياء النبطية وبلداتها، واستهداف مبنى وزارة المالية والمبنى القديم لمستشفى غندور، بالتوازي مع تثبيت إسرائيل وجودها العسكري في مرتفعات علي الطاهر، والتلويح بأنّ الطريق إلى البقاع وبيروت بات مفتوحًا. وفيما أدان رئيسا الجمهورية والحكومة التصعيد، كانت تل أبيب ترفع مستوى جهوزيّتها عبر مناورة مفاجئة تحاكي حربًا متعدّدة الجبهات، وتستغل رواية إطلاق "حزب الله" مسيّرتين لتوسيع دائرة القصف وفرض قواعد اشتباك جديدة. هكذا، حوّلت إسرائيل الميدان إلى أداة تفاوض بالنار، ووضعت الجولة الثامنة المرتقبة في روما أمام اختبار صعب: إمّا أن تنتج ضغطًا دوليًّا يلجم الحرب، وإمّا أن تتحوّل إلى غطاء سياسي لمسارٍ ميداني يرسم الاحتلال من خلاله حدود ما يسمّيه "المنطقة الأمنية".
النبطية تحت نيران المعادلة الجديدة
بدأ التصعيد بإنذار إسرائيلي عند السادسة صباحًا لإخلاء مبنى ومحيطه في بلدة عربصاليم، قبل أن يستهدفه الطيران الحربي، بذريعة الردّ على إطلاق مسيّرتين مفخّختين باتجاه القوات الإسرائيلية. لكنّ الردّ لم يقتصر على الموقع المحدّد في الإنذار، بل تمدّد سريعًا إلى المدينة الصناعية في كفررمان، وحيَّي الراهبات والرويس في النبطية التحتا، وحي الدير في النبطية الفوقا، إضافة إلى غارة نفّذتها مسيّرة قرب دار المعلّمين.
وبحسب الحصيلة الأوليّة لوزارة الصحة، أدّت الغارات إلى استشهاد أربعة أشخاص وإصابة عشرين آخرين. سقط شهيدان وجريحان في النبطية الفوقا، وأصيب ثمانية أشخاص، بينهم سيدة وطفلة، في حي الراهبات، فيما استشهدت امرأتان وأصيب ستّة أشخاص، بينهم طفلتان، في عربصاليم، وأصيبت أربع سيدات في كفررمان. وظلّت فرق الدفاع المدني تعمل تحت القصف، باحثةً بين الأنقاض ومنتشلةً الضحايا والجرحى.
تكشف خريطة الاستهداف أنّ إسرائيل لم تكن تبحث عن ردٍّ موضعي ومحدود. فالانتقال من عربصاليم إلى أحياء النبطية وكفررمان، وضرب مرافق مدنية وخدماتية، يعني أنّ تل أبيب أرادت تحميل البيئة المحيطة كلفة أيّ تحرّك عسكري، بصرف النظر عن الجهة التي تقف خلفه. بذلك، يتحوّل المدنيون والمؤسّسات العامة إلى أدوات ضغط، وتغدو الذريعة العسكرية مدخلًا لإعادة إخضاع منطقة كاملة لمنطق العقاب الجماعي.
استهداف الدولة لا "حزب الله" وحده
اكتسب التصعيد دلالة إضافيّة مع تضرّر مبنى وزارة المالية في النبطية وتدمير المبنى القديم لمستشفى غندور، وإن كان خاليًا وخارج الخدمة لحظة استهدافه. فالضربات لم تعد محصورة بمواقع تزعم إسرائيل أنّها تابعة لـ"حزب الله"، بل طالت منشآت ترمز إلى حضور الدولة واستمراريّة خدماتها.
وهنا تكمن خطورة ما جرى. ففي مرحلة تحاول فيها الدولة استعادة دورها في الجنوب، وتشجيع الأهالي على العودة، وإعادة تشغيل الإدارات والمرافق، تضرب إسرائيل البنية التي يفترض أن تحمل هذا المسار. ليست المسألة أضرارًا ماديّة فحسب، بل تقويضًا لقدرة الدولة على تثبيت حضورها في المناطق المتضرّرة، ودفعًا للسكان إلى الاعتقاد بأنّ العودة لا تزال مؤقّتة، وأنّ أيّ حياة مدنية قابلة للتعطيل بقرار عسكري إسرائيلي.
وهذا ما أشار إليه رئيس الجمهورية جوزاف عون، حين اعتبر أنّ استهداف مبنى وزارة المالية، بعد الاعتداء السابق على مركز أمن الدولة، يكشف نمطًا يتجاوز الأهداف العسكرية المزعومة إلى الإدارات المدنية والمراكز الصحية. وحمّل إسرائيل المسؤولية الكاملة، مطالبًا الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتحرّك لوقف الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها.
إدانة رسمية أمام امتحان الفعل
بدوره، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام، خلال اتصالات أجراها مع رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين وإمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق ووزير المالية ياسين جابر، أنّ الاعتداءات لن تثني الحكومة عن دعم عودة الأهالي وصمودهم، ولا عن ضمان استمرار المرافق العامة وتأمين مصالح المواطنين.
لكنّ الموقف الرسمي، على أهمّيته، يعيد طرح السؤال المتكرّر عن المسافة بين الإدانة والقدرة على التأثير. فلبنان يلتزم مسارًا دبلوماسيًّا، ويؤكّد تمسّكه باتفاق وقف الأعمال العدائية و"اتفاق الإطار"، فيما تتعامل إسرائيل مع الاتفاقات باعتبارها أدوات مرنة، تطبّق منها ما يقيّد الطرف اللبناني، وتتجاوز منها ما يحدّ من حريّة حركتها العسكرية.
لذلك، لا يكفي تثبيت المسؤولية السياسية والأخلاقية على إسرائيل. المطلوب تحويل الاعتداء على مؤسّسات الدولة إلى ملفّ دبلوماسي مستقلّ، لأنّ السكوت الدولي عنه يسمح لتل أبيب بتوسيع تعريف "الهدف العسكري"، ليشمل أيّ مبنى أو منشأة تقع ضمن البيئة التي تريد إعادة تشكيلها أمنيًّا وديموغرافيًّا.
علي الطاهر: من السيطرة الميدانية إلى الاحتلال المفتوح
بالتوازي مع القصف، صعّدت إسرائيل خطابها بشأن مرتفعات علي الطاهر. وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس زعم أنّ السيطرة على التلال تمثّل "ختام إحكام القبضة على المنطقة الأمنية جنوب لبنان"، معتبرًا أنّها آخر موقع حصين للدفاع عن النبطية، ومعلنًا أنّ القوات الإسرائيلية لن تنسحب من هذه المنطقة قبل نزع سلاح "حزب الله" في جميع أنحاء لبنان.
يتجاوز هذا الكلام توصيف عمليّة عسكرية محدودة. فهو يربط الانسحاب الإسرائيلي بشرط داخلي لبناني شامل، لا بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية أو الانسحاب من الأراضي المحتلّة. وبذلك، تنقل إسرائيل احتلالها من وضع مؤقّت تدّعي أنّه مرتبط بضرورات ميدانية، إلى أداة ابتزاز مفتوحة زمنيًّا، وتمنح نفسها حقّ تحديد متى تنتهي مهمّتها وما الشروط الواجب تنفيذها قبل الانسحاب.
كما أنّ استخدام مصطلح "المنطقة الأمنية" يستعيد منطق الحزام الذي حكم الجنوب قبل عام 2000، وإن بصيغة مختلفة. فالهدف لا يبدو احتلال كلّ الأرض، بل الإمساك بنقاط مرتفعة وممرّات ومواقع نارية تمكّن الجيش الإسرائيلي من مراقبة العمق اللبناني، وتهديد النبطية، والتحكّم بوتيرة عودة السكان وإعادة الإعمار.
"الطريق مفتوح": حرب نفسيّة ورسالة عملياتية
في السياق نفسه، ذهبت صحيفة "معاريف" أبعد، معلنة أنّ الجيش الإسرائيلي سيطر على نفقين رئيسيين في علي الطاهر، وأنّ المنظومة هناك كانت آخر خطّ دفاع منظّم لـ"حزب الله" في الجنوب. وخلصت إلى أنّ "الطريق إلى بيروت والبقاع بات مفتوحًا".
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الحرب النفسيّة. فإسرائيل تريد تكريس صورة انهيار العمق الدفاعي للحزب، وإقناع اللبنانيين بأنّ السيطرة على المرتفعات فتحت المجال أمام تهديد مناطق أبعد. إلّا أنّه يحمل أيضًا رسالة عملياتية: تل أبيب لا تتعامل مع علي الطاهر بوصفه هدفًا نهائيًّا، بل منصة تتيح توسيع بنك الأهداف والضغط على البقاع وبيروت إذا قرّرت الانتقال إلى مرحلة أشدّ.
واللافت أنّ هذا الخطاب يتزامن مع استمرار العمل الإسرائيلي على تدمير الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، ومع عمليات تنفّذها وحدات خاصة تحت غطاء ناري كثيف. ما يعني أنّ إعلان "إحكام القبضة" لا يعبّر بالضرورة عن نهاية المعركة، بل قد يكون تمهيدًا لإعادة ترتيب القوات وتثبيت مواقعها والاستعداد لردّ محتمل.
مناورة مفاجئة وحرب متعدّدة الجبهات
هذا الاحتمال تعزّزه مناورة "طلوع الفجر 2.0"، التي أطلقها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بصورة مفاجئة لاختبار جاهزيّة هيئة الأركان والقيادات والقوات والاحتياط لمواجهة حرب واسعة ومتعدّدة الجبهات. وقد أُعلن استدعاء القادة، وفحص منظومات التأهّب وآليات اتخاذ القرار والاستجابة الميدانية، بالتزامن مع اقتراب الأعياد اليهودية.
صحيح أنّ المناورة قُدّمت باعتبارها اختبارًا دفاعيًّا، لكنّ توقيتها يمنحها وظيفة سياسية وردعيّة. فهي توجّه رسالة إلى "حزب الله" وإيران بأنّ أيّ ردّ على عمليات علي الطاهر قد يُقابل بتوسيع الحرب، كما تمنح الجيش الإسرائيلي غطاءً لرفع مستوى انتشاره وتحريك قواته وقطعه الجوية من دون أن يُفهم كلّ تحرّك بوصفه بداية هجوم.
مفاوضات روما تحت ضغط الميدان
وسط هذا المشهد، تبدو الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في روما أشدّ هشاشة. فالموعد المتوقع في منتصف أيلول لم يُثبّت بعد، وبات مرتبطًا بالموقف الأميركي وبالتحوّلات الميدانية.
المفارقة أنّ التفاوض، المفترض أن يخفّض التصعيد، يتحوّل إلى سبب إضافي لتكثيفه. إسرائيل تحاول الوصول إلى روما بعد تثبيت احتلالها للنقاط الحاكمة، وتدمير ما تستطيع من البنية العسكرية لـ"حزب الله"، وفرض معادلة تعتبر الانسحاب مكافأةً مشروطة بنزع السلاح. أمّا لبنان، فيدخل المسار مثقلًا بالخسائر، من دون ضمانة دوليّة توقف القصف أو تلزم إسرائيل بجدول انسحاب واضح.
وفي المقابل، يهاجم "حزب الله" المسار التفاوضي، معتبرًا أنّه يمنح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لفرض شروطها، فيما تعيد طهران، عبر تصريحات قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني، تأكيد ارتباط الحزب بمعادلتها الإقليمية. وبين الضغط الإسرائيلي والخطاب الإيراني، يبقى التحدّي اللبناني واحدًا: منع تحويل الجنوب إلى ساحة تفاوض بين مشاريع خارجية، وتثبيت مرجعيّة الدولة وحدها في قرار الحرب والسلم.
لقد لخّص يوم النبطية المأزق بأكمله. إسرائيل توسّع عدوانها وتحوّل الاحتلال إلى ورقة تفاوض، "حزب الله" يشكّك في المسار الرسمي من دون تقديم مخرج يحمي البلاد، والمجتمع الدولي يكتفي بإدارة التصعيد بدل وقفه. أمّا الدولة، فلا يكفي أن تدين وتتعهد بالصمود. عليها أن تنتزع من الوسطاء التزامًا واضحًا بوقف الاعتداءات والانسحاب، لأنّ التفاوض تحت النار، ومن دون ضمانات، لا يصنع تسويةً متوازنة، بل يتيح للأقوى أن يرسمها بالقصف.




