لبنان الرسمي ومأزق التفاوض: بين نار إسرائيل وسجال الداخل

مانشيت - المدنالسبت 2026/09/05
الجنوب (مصطفى جمال الدين)
يبدو لبنان محاصراً بين نار الضغوط الدولية الممارسة عليه في ملف السلاح (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

ارتفعت حصيلة الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت القرى والبلدات الجنوبية ليل أمس إلى أربعة شهداء واثنين وثلاثين جريحاً. وكانت تلك أعلى موجة عنف يتعرض لها الجنوب منذ فترة طويلة. لكن المشهد الميداني لم يستقر مع ساعات الصباح، إذ تتواصل الاعتداءات عبر غارات جديدة وتفجيرات واسعة النطاق طالت بلدة المنصوري، إلى جانب قصف مدفعي مكثف استهدف عدداً من البلدات المتاخمة وفي مقدمها زوطر الشرقية، في إشارة صريحة إلى استمرار خيار التصعيد بالنار، وتوسيع نطاق الاستهداف المباشر للقرى والبلدات.

كل هذا فيما تتكثف المساعي الأميركية لتأمين انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات في روما، في الموعد الذي أعلنت عنه واشنطن، منتصف الشهر الجاري. ولذلك، يبدو لبنان الرسمي في مواجهة مع تحدي الموعد، ما دامت إسرائيل تطلق العنان لآلتها العسكرية في الجنوب، وتدفع بالمفاوضات لتجري تحت وطأة النار والدم.

وهذا التحدي الرسمي، في مواجهة إسرائيل، يوازيه التحدي الداخلي الصعب. فمن جهته، أصدر حزب الله اليوم موقفاً لافتاً في توقيته ومضمونه. ورغم أنه تجنب التطرق المباشر إلى التطورات الميدانية الأخير في مرتفعات علي الطاهر، إلا أنه شن هجوماً عنيفاً على المسار السياسي التفاوضي. واعتبر الحزب في بيانه أن انزلاق السلطة السياسية نحو المفاوضات هو عمل إذلال ولا جدوى منه. وهذا الموقف يعكس عمق الفجوة والتباين الحاد بين خيارات الحزب الميدانية والسلوك الرسمي للدولة، وهو يضع عراقيل سياسية داخلية أمام الدبلوماسية اللبنانية قبل انطلاق الجولة القادمة.  أرسل الحزب رسالة واضحة إلى السلطة بأن خياراتها لم تحمِ لبنان، وقال الحزب في البيان إنّ "ادعاءات السلطة أن مفاوضاتها المباشرة العقيمة واتفاق الإطار المشؤوم مع العدو يحقق إنجازات، يسقطها ويبددها استمرار الاحتلال والعدوان وسفك دم اللبنانيين والتدمير والتفجير. وإن الإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين، على أهميته، لا يمكن أن يكون غطاءً للتغاضي عن استمرار العدوان والاحتلال والقتل، ولا مبررًا للاستمرار في مسار أثبت فشله وعجزه عن حماية لبنان وشعبه، فيما سبق للسلطة أن أكدت مرارًا من أنها لن تذهب إلى أي مسار تفاوضي قبل وقف العدو لعدوانه".

في هذه الاثناء، تتعمد إسرائيل هندسة المناخ السياسي والدبلوماسي للجولة الثامنة عبر مراكمة أكبر قدر ممكن من أدوات الضغط الميداني والسياسي والإنساني، لتفرض على الجانب اللبناني تفاوضاً من موقع القوي. وتتلخص هذه الأدوات باستكمال فرض الواقع العملياتي في مرتفعات علي الطاهر وتفكيك البنية التحتية للأنفاق، والمقايضة الجزئية في ملف الأسرى المدنيين وربطها المباشر باستعادة رفات قادة الجالية اليهودية. والتمسك بالبقاء في "المنطقة الأمنية" والتلويح الدائم بتوسيع العمليات العسكرية لنزع سلاح حزب الله أو دفعه بعيداً عن الحدود.

لذلك، يبدو لبنان الرسمي محاصراً بين نار الضغوط الدولية الممارسة عليه في ملف السلاح، ورفض حزب الله الصارم للحد الأدنى من التنازلات عسكرياً وسياسياً. ويبقى رهانه الوحيد هو مدى الدعم الذي سيتلقاه من واشنطن، علماً أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بالتجاوب في ملف السلاح. وهنا يصبح المأزق أكثر تعقيداً.

 

دوريل في اليرزة مؤكداً دعم الجيش 

على مستوى دعم الجيش، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه - اليرزة السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل في زيارة تعارف بمناسبة تسلّمه مهامه في لبنان، يرافقه الملحق العسكري الفرنسي. وخلال اللقاء، شدّد السفير الفرنسي على أهمية دعم الجيش في ظل الأوضاع الراهنة، وأعرب عن تقديره لدور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على الاستقرار. كما جرى التداول في التحضيرات الجارية لانعقاد مؤتمر دعم الجيش في فرنسا.

 

باسيل: لن نقايض على دم الجيش

سياسياً، تطرق رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، خلال عشاء هيئة قضاء بعبدا في التيار، إلى مختلف الملفات السياسية، مؤكدًا أن التيار سيواصل اتخاذ ما وصفها بـ"المواقف الصعبة" مهما كانت الضغوط.

وفي ملف قانون العفو، شدد باسيل على أن لجوء كتلته إلى المجلس الدستوري حق دستوري، معتبرًا أن التيار لا "يحتكر العدالة" بل يحتكم إليها. وقال إن معالجة أوضاع الإسلاميين الذين أمضوا سنوات في السجن من دون محاكمة يجب أن تتم بقانون محدد يشمل من وقع عليهم الظلم، لا بعفو عام.

ورفض باسيل "المقايضة على دم الجيش"، معتبرًا أن من ثبت تورطه في قتل عسكريين عمدًا لا يمكن وضعه في الخانة نفسها مع من استحق الإفراج بعد سنوات من التوقيف. وحذّر من أن تكرار قوانين العفو يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ويشجع على الجريمة.

وفي الملف السياسي، أكد باسيل أن "التيار الوطني الحر" يؤيد أي تفاوض يؤدي إلى وقف الحرب وإنهاء الاحتلال، لكنه يرفض، في المقابل، أي مسار يؤدي إلى تكريس الاحتلال أو منحه غطاء. وقال إن التيار يتمسك في الوقت نفسه بمطلبين: انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، رافضًا وضعه في أي من المعسكرين المتقابلين بسبب هذا الموقف.

وأضاف أن موازين القوى تغيّرت وأن السلاح الذي كانت لديه، بحسب قوله، قدرة على الدفاع عن لبنان لم تعد لديه القدرة نفسها اليوم، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يمنح إسرائيل ذرائع لمواصلة اعتداءاتها. 

 

ورقة لبنان للمجلس الوزراي العربي

ولحشد الدعم العربي، أرسلت الحكومة اللبنانية، عبر وزارة الخارجية والمغتربين، مشروع قرار إلى اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري لتبنيه. ويتضمن مشروع القرار "التشديد على ضرورة التضامن العربي مع لبنان ودعم سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه، مع تأييد قرارات الحكومة اللبنانية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والقوى الشرعية، والتأكيد على أن أي سلاح خارج إطار الدولة يُعدّ مخالفًا للقانون". ويتضمن القرار تأكيد الدعم لقرار الحكومة اللبنانية الصادر بتاريخ 2 آذار 2026، بشأن الحظر الفوري لكافة النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله، واعتبارها خارجة عن القانون، وإلزام حزب الله بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

كما ينص مشروع القرار على إدانة التدخلات والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والمطالبة بوقفها والانسحاب من الأراضي اللبنانية، مع التشديد على تنفيذ القرار 1701 والالتزام بالقانون الدولي.

المشروع الذي كان شهد اعتراضاً من قبل حزب الله عند تقديمه إلى الجامعة العربية، إذ أعلن عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب النائب إبراهيم الموسوي اعتراضه على مشروع القانون، معتبرًا أن بعض بنوده تمس، بمضامين وثيقة الوفاق الوطني واتفاق الطائف. وقال الموسوي إن وزارة الخارجية أرسلت إلى الاجتماع مشروع قرار للتضامن مع لبنان يتضمن بنودًا رأى أنها تستدرج الدول العربية إلى التدخل في الأزمة الداخلية اللبنانية، وتدعم سياسة محاباة إسرائيل، فضلًا عن إلغاء بنود من اتفاق الطائف، سواء لناحية التفاهم الوطني وحفظ مكونات البلاد أو ما يتعلق بأعمال المقاومة ضد إسرائيل.

وأعلن الموسوي إدانته، بصورة خاصة، لمضمون البنود 2 و3 و5 من مشروع القرار، داعيًا الدول الأعضاء في المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية إلى التنبه والتحفظ على المشروع اللبناني، تجنبًا لما وصفه بالانقلاب على ما سبق للجامعة العربية أن تبنته ورعته منذ عام 1989 فيما يتعلق بلبنان واللبنانيين.

 

إسرائيل تستعد للمنظومة القتالية الشتوية

على المقلب الإسرائيلي، نشرت صحيفة "معاريف" العبرية تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن استعداد إسرائيل للمنظومة القتالية الشتوية، أشارت فيه إلى أنّه يُطلب من مقاتلي اللواء الآن الاستعداد للتغيير في طبيعة القتال والانتقال إلى منظومة قتالية شتوية. ويقول الضابط: "بدأنا الآن الاستعداد للقتال في الظروف الشتوية. في الصيف، أدخلنا أجهزة تكييف إلى أماكن إقامة المقاتلين، والآن سنفعل العكس، ويبدو أننا وجدنا وسيلة لتدفئتها. نحن نستعد وفقاً لذلك، عبر جميع الجهود المختلفة. كما عملنا على تحسين طرق التنقل من خلال فرش طبقة من الكركار يمكن السير عليها خلال الأيام الماطرة".  ويحتل موضوع الطائرات المسيّرة حيزاً كبيراً من اهتمام مقاتلي اللواء. وعلى الرغم من أن حزب الله لم يطلق فعلياً طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات باتجاههم خلال الجولة الأخيرة من القتال، فإن اللواء يوضح أن مقاتليه يتدربون، بمساعدة بالونات الهيليوم، على إسقاط المسيّرات الانتحارية، بحسب التقرير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث