"يديعوت": رفات يهود لبنان تدخل بازار التفاوض مع إسرائيل

المدن - سياسةالجمعة 2026/09/04
Image-1788511528.Jpg
بلغ عدد اليهود المقيمين في لبنان في مطلع ستينيات القرن الماضي نحو تسعة آلاف شخص (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعادت التفاهمات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة ملفًّا غامضًا يعود إلى سنوات الحرب الأهلية، بعدما ارتبط الإفراج عن خمسة محتجزين لبنانيين بتعهّد الحكومة اللبنانية البحث داخل أراضيها عن رفات يهود لبنانيين، فُقد أثرهم منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

وبحسب تقرير للصحافي إيتامار آيخنر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، يقوم التفاهم على إفراج إسرائيل عن اللبنانيين الخمسة، في مقابل تحرّك الحكومة اللبنانية للبحث عن رفات أشخاص من أبناء الطائفة اليهودية، اختُطفوا أو قُتلوا في سلسلة من الحوادث بين عامَي 1984 و1986.

وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن أنّ الأخير أصدر توجيهاته بتسريع الجهود الهادفة إلى تحديد أماكن جثامين شخصيات تولّت رئاسة الطائفة اليهودية في لبنان أو إدارة شؤونها، والعمل على استعادتها. وقال المكتب إنّ هؤلاء اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على أيدي جماعات مسلّحة.

وبذلك، يدخل ملفّ يعود إلى نحو أربعة عقود في صلب المسار التفاوضي الحالي، ليتحوّل من إحدى القضايا العالقة في ذاكرة الحرب اللبنانية إلى ورقة ضمن المفاوضات غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب.

 

طائفة انحسرت تحت وطأة الحرب

وفق التقرير الإسرائيلي، بلغ عدد اليهود المقيمين في لبنان في مطلع ستينيات القرن الماضي نحو تسعة آلاف شخص، وكانت أوضاع الطائفة مستقرّة نسبيًّا، قبل أن تبدأ أعداد أفرادها بالتراجع تدريجيًّا بفعل الهجرة والتوتّرات السياسية والأمنية.

ويشير التقرير إلى أنّ أمين سرّ الطائفة اليهودية اللبنانية، البروفيسور ألبرت إيليا، اختُطف في بيروت عام 1971، وكان يبلغ 69 عامًا. واقتيد إيليا إلى دمشق، حيث قُتل، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان عدد أفراد الطائفة قد تراجع إلى نحو 1800 شخص، قبل أن يتسارع انحسارها خلال السنوات اللاحقة، مع اتّساع رقعة الحرب وتزايد المخاطر الأمنية.

 

خطف قيادات الطائفة

بحسب "يديعوت أحرونوت"، بدأت إحدى أكثر مراحل هذا الملفّ غموضًا في 15 آب 1984، حين اختُطف سليم مراد جاموس، البالغ 45 عامًا، والذي كان يشغل منصب الأمين العام للطائفة اليهودية اللبنانية.

وتقول الرواية التي نقلتها الصحيفة إنّ ثلاثة مسلّحين أخرجوا جاموس من سيارته قرب الكنيس ومركز الطائفة في منطقة وادي أبو جميل، غرب بيروت، قبل أن يُفقد أثره. ولم يُعثر على جثمانه، فيما بقي مصيره مجهولًا طوال العقود اللاحقة.

وفي 29 آذار 1985، تعرّض عدد من الشخصيات المرتبطة بالطائفة اليهودية لعمليات خطف إضافية، كان من بينهم رئيس الطائفة إسحاق ساسون، والطبيب إيلي حلاق، وإيلي سرور، وحاييم كوهين حلالة، وكليمان دانا.

وبقي مصير عدد من هؤلاء مجهولًا، فيما ظهرت لاحقًا معلومات أو عُثر على جثامين مرتبطة ببعض المخطوفين.

وبعد نحو شهر، اختفى أيضًا إسحاق تراب، الذي عرّفته الصحيفة بأنّه أستاذ فخري في الرياضيات في "المدرسة الفرنسية للآداب" في بيروت.

 

جثامين ظهرت ومصائر بقيت مجهولة

في تموز 1985، اختُطف راوول مزراحي، الذي كان يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الطائفة اليهودية، قبل العثور على جثمانه بعد نحو عشرة أيام.

وفي تشرين الثاني من العام نفسه، أعلنت جهة حملت اسم "منظمة المستضعفين في الأرض"، ووصفتها "يديعوت أحرونوت" بأنّها واجهة مرتبطة بحزب الله، مسؤوليتها عن خطف عدد من اليهود.

وبحسب التقرير، اتّهمت الجهة المخطوفين بالارتباط بجهاز "الموساد" الإسرائيلي، وربطت الملفّ في حينه بمطالب شملت انسحاب إسرائيل من لبنان والإفراج عن موقوفين.

وفي كانون الأول 1985، عُثر على جثمان حاييم كوهين حلالة، بعدما قُتل برصاصة في الرأس، ثمّ عُثر، في 31 كانون الأول من العام نفسه، على جثمان إسحاق تراب.

وفي شباط 1986، اختُطف يهودا بنيستي وابنه إبراهيم، في وقت كان فيه ابن آخر للعائلة، يوسف بنيستي، قد اختُطف في مرحلة سابقة.

وتشير الصحيفة إلى أنّ جثمان إبراهيم بنيستي عُثر عليه لاحقًا، فيما بقي مصير والده يهودا وشقيقه يوسف مجهولًا.

وخلال الفترة نفسها، أعلن الخاطفون أيضًا قتل الطبيب إيلي حلاق، وأرسلوا إلى وسائل إعلام صورة قيل إنّها تظهر جثمانه. لكنّ الجثمان لم يُعثر عليه، وفق الرواية التي أوردها التقرير.

 

نتنياهو يعيد فتح الملفّ

يعود الملفّ اليوم إلى الواجهة في ظلّ الاتصالات الجارية بين لبنان وإسرائيل، بعدما أُدرجت قضية المفقودين اليهود ضمن المفاوضات المرتبطة بالإفراج عن المحتجزين اللبنانيين.

وكان نتنياهو قد التقى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هوكابي، في إطار المساعي الأميركية الهادفة إلى دفع الاتصالات بين الجانبين.

وأعلن مكتب نتنياهو أنّ جهودًا مكثّفة بُذلت خلال الأشهر الأخيرة من جانب لبنان وإسرائيل للعثور على الرفات، وشملت، وفق بيانه، عمليات ميدانية. وربط المكتب الإفراج عن اللبنانيين الخمسة بهذه الجهود، بعد إقرار السلطات الإسرائيلية بأنّهم مدنيون، ولا ينتمون إلى أيّ تنظيم مسلّح، ولم يشاركوا في أعمال أمنية.

ويمنح إدخال هذا الملفّ في المفاوضات نتنياهو فرصةً لتقديم الإفراج عن محتجزين لبنانيين على أنّه جزء من تبادل خطوات، لا إجراء منفصلًا جاء نتيجة انتفاء المبرّرات القانونية والأمنية لاستمرار احتجازهم.

 

من ذاكرة الحرب إلى حسابات الحاضر

مع إعلان التفاهم على بدء البحث داخل لبنان عن رفات المفقودين، تنتقل قضية ظلّت معلّقة نحو أربعة عقود من سجلات الحرب الأهلية إلى قلب المسار التفاوضي الراهن.

ولا تقتصر دلالة الخطوة على الجانب الإنساني المتّصل بكشف مصير المفقودين، بل تمتدّ إلى توسيع جدول التفاوض بين لبنان وإسرائيل، ليشمل قضايا مدنية وتاريخية تتجاوز الملفات الناتجة عن المواجهات الأخيرة.

لكنّ إعادة فتح هذا الملفّ تطرح أسئلة عملية وقانونية معقّدة، في مقدّمها الجهات التي ستتولّى البحث، والمعلومات التي تستند إليها، والمواقع المفترضة للرفات، وآلية التحقّق من الهويّات، إضافةً إلى مصير بقية المفقودين اللبنانيين وغير اللبنانيين منذ الحرب الأهلية.

وبذلك، يتحوّل ملفّ المفقودين اليهود من صفحة غامضة في الحرب اللبنانية إلى أحد مداخل التفاوض الحالي. غير أنّ معظم التفاصيل المتداولة عن هويّات المخطوفين، والجهات المسؤولة عن خطفهم، ومصائرهم، تستند إلى الرواية الإسرائيلية التي أوردتها "يديعوت أحرونوت"، في ظلّ غياب رواية لبنانية رسمية مفصّلة أو توثيق مستقلّ يؤكّد جميع هذه المعطيات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث