كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تفاصيل جديدة عن العملية العسكرية التي نفّذها الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر، مشيرةً إلى أنّ الأنفاق التي سيطر عليها شكّلت، وفق الرواية الإسرائيلية، أحد الأصول الاستراتيجية الرئيسية لحزب الله في جنوب لبنان، وضمّت مركز القيادة والسيطرة التابع لما يسمّيه الجيش الإسرائيلي "قوّة بدر".
وجاء الكشف بعد قرار المؤسسة الأمنية الإسرائيلية رفع جزء من القيود الرقابية التي فُرضت على العملية خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع إعلان الجيش استكمال السيطرة على الأنفاق و"تطهيرها".
لكنّ توقيت رفع الرقابة لا يرتبط، وفق "معاريف"، بانتهاء العملية العسكرية فحسب، بل بحسابات تتجاوز مرتفعات علي الطاهر. إذ تفيد تقديرات إسرائيلية بأنّ حزب الله، بعدما أدرك خسارة أحد أبرز أصوله الاستراتيجية في المنطقة، حاول دفع إيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل لمنع سقوط المرتفعات أو الردّ على السيطرة عليها.
مركز قيادة تحت الأرض
نقلت "معاريف" عن الجيش الإسرائيلي قوله إنّ النفقين الرئيسيَّين اللذين سيطر عليهما في مرتفعات علي الطاهر استُخدما مركزًا للقيادة والسيطرة تابعًا لـ"قوّة بدر".
وقال مصدر عسكري إسرائيلي للصحيفة إنّ الأنفاق كانت بمثابة "قاعدة معسكر حزب الله في جنوب لبنان"، موضحًا أنّها منشآت واسعة تضمّ غرف عمليات واتصالات، وعيادات، ومرافق لوجستية، وتجهيزات أخرى.
واعتبر المصدر أنّ سقوط هذه الأنفاق في أيدي الجيش الإسرائيلي يمثّل، وفق تقييمه، "ضربة استراتيجية وعملياتية ومعنوية" لحزب الله، نظرًا إلى موقعها ووظيفتها ضمن البنية العسكرية للحزب في المنطقة.
وبعد إعلان استكمال السيطرة عليها، بات بإمكان الجيش الإسرائيلي كشف مزيد من التفاصيل المتعلّقة بالقتال الذي شهدته المرتفعات، والذي تولّت قيادته الفرقة 36، بقيادة العميد يفتاح نوركين.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ العملية في علي الطاهر بدأت بالتزامن تقريبًا مع العملية الإسرائيلية للسيطرة على قلعة الشقيف، في ما يوحي بأنّ التحرّك الميداني كان جزءًا من خطة أوسع لإعادة تشكيل المشهد العسكري في محيط النبطية.
العملية بدأت في 14 حزيران
بحسب "معاريف"، بدأت العملية الإسرائيلية في مرتفعات علي الطاهر ليل 14 حزيران، ضمن خطة هدفت إلى فصل شبكة الأنفاق الموجودة في المنطقة عن النبطية، وقطع خطوط الاتصال بينها وبين المناطق المحيطة بها.
وفي ليلة 18 و19 حزيران، أُصيبت دبّابة قائد الكتيبة المدرّعة 52، المقدّم دور غداليا بن شمعون، بصواريخ مضادّة للدروع وطائرات مسيّرة، خلال عملية عسكرية واسعة قبالة بلدة الطيبة.
وقالت الصحيفة إنّ التحرّك الإسرائيلي في تلك المرحلة كان يهدف إلى إنشاء منطقة فصل بين أنفاق مرتفعات علي الطاهر ومنطقة النبطية، وعزل المقاتلين الموجودين داخل الشبكة عن محيطهم الميداني واللوجستي.
وأسفر استهداف الدبّابة، وفق الرواية الإسرائيلية، عن مقتل قائد الكتيبة وثلاثة جنود آخرين، هم يوآف كلاين، وليئاف كابايا، ونيف حبشوش.
ثلاثون مقاتلًا داخل الشبكة
يدّعي الجيش الإسرائيلي أنّ نحو 30 مقاتلًا من حزب الله كانوا موجودين داخل شبكة الأنفاق عند بدء العملية.
وفي المقابل، شدّد مصدر عسكري إسرائيلي تحدّث إلى "معاريف" على أنّه "لم يكن في أيّ مرحلة" من مراحل العملية جنود من الحرس الثوري الإيراني أو مستشارون إيرانيون داخل الأنفاق، في نفي للروايات التي تحدّثت عن وجود عسكري إيراني مباشر في المرتفعات.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، حاول عناصر حزب الله في المنطقة دفع إيران إلى التدخّل لمنع سقوط الأنفاق والمرتفعات في أيدي الجيش الإسرائيلي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إنّ القوات عثرت على جثامين 15 مقاتلًا داخل الأنفاق. ويقدّر الجيش الإسرائيلي أنّ بقية العناصر تمكّنوا من الفرار، فيما أُصيب بعضهم خلال محاولاتهم الخروج من المنطقة.
الروبوتات بدل اقتحام الأنفاق
أبقت القوات الإسرائيلية انتشارها في محيط الأنفاق لأسابيع، من دون أن تدخل وحداتها القتالية مباشرةً إلى أجزاء واسعة من الشبكة تحت الأرض.
وبحسب "معاريف"، استخدمت وحدات الهندسة القتالية أنظمة روبوتية لمسح الأنفاق والتحرّك داخلها، بهدف جمع المعلومات، وتحديد مواقع المقاتلين والمنشآت الموجودة تحت الأرض.
وفي بعض الحالات، استُخدمت هذه الأنظمة لتنفيذ عمليات داخل الأنفاق أدّت، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة، إلى "تحييد" مقاتلين، من دون إدخال الجنود الإسرائيليين مباشرةً إلى مواقعهم.
وفي محيط الشبكة، شاركت قوات من لواء الكوماندوز واللواء المدرّع السابع في تطويق المنطقة، وعزلها، ومنع إعادة الوصول إلى الممرّات تحت الأرض.
ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إنّ قائد لواء الكوماندوز أبقى المنطقة مغلقة لأكثر من 14 أسبوعًا، رافضًا إنهاء المهمّة قبل إحكام السيطرة على المرتفعات واستكمال العملية.
استراتيجية استنزاف بأقلّ خسائر
اعتمدت القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي أسلوبًا وصفته "معاريف" بـ"المحسوب والمركّز" في التعامل مع شبكة الأنفاق.
وقالت الصحيفة إنّ القيادة قرّرت استثمار تفوّقها التقني في التعامل مع الأنفاق والممرّات تحت الأرض، عوضًا عن إدخال القوات إليها وخوض مواجهات مباشرة في بيئة تعدّها شديدة الخطورة.
ولهذا السبب، اعتمد الجيش الإسرائيلي بصورة واسعة على النيران عن بُعد، والأنظمة الهندسية والروبوتية، ما أدّى إلى امتداد العملية أسابيع طويلة قبل إعلان انتهائها.
وتقدّم "معاريف" بطء العملية بوصفه قرارًا عملياتيًّا، لا نتيجة عجز القوات الإسرائيلية عن التقدّم. وبحسب روايتها، كان الهدف تقليص المخاطر على الجنود خلال التعامل مع شبكة معقّدة تحت الأرض، ولو جاء ذلك على حساب عامل الوقت.
لماذا رُفعت الرقابة الآن؟
كشفت الصحيفة عن نقاشات شهدتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت الإعلان، بشأن جدوى الكشف عن استكمال السيطرة على الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر.
وكانت تفاصيل العملية قد خضعت لقيود رقابية إسرائيلية طوال مراحل أساسية من تنفيذها، فيما قال وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنّ التعتيم فُرض بهدف حماية القوات المشاركة.
لكنّ الجيش قرّر في النهاية الكشف عن جزء من التفاصيل، بالتزامن مع إعلانه استكمال السيطرة على الأنفاق و"تطهيرها". ولم يكن رفع الرقابة، وفق الصحيفة، قرارًا إعلاميًّا محضًا، بل جزءًا من محاولة توظيف النتيجة الميدانية في مواجهة أوسع مع حزب الله وإيران.
فصل الجبهة اللبنانية عن إيران
ربطت "معاريف" الإعلان بتقييم إسرائيلي يفيد بأنّ حزب الله حاول استخدام معركة علي الطاهر لدفع إيران إلى التدخّل المباشر في المواجهة، سواء لمنع سقوط المرتفعات والأنفاق، أو للردّ على سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها.
وبحسب الصحيفة، قدّرت المؤسسة الأمنية أنّ الإعلان العلني عن انتهاء العملية من شأنه إفقاد إيران الدافع أو المبرّر الذي قد تستند إليه للدخول في مواجهة مباشرة بسبب علي الطاهر.
وبهذا المعنى، لا يستهدف الكشف تثبيت الإنجاز العسكري الإسرائيلي فحسب، بل إعادة الفصل بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، ومنع تحوّل القتال في جنوب لبنان إلى نقطة انطلاق لمواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران.
وتخلص "معاريف" إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يتعامل مع السيطرة على أنفاق علي الطاهر باعتبارها أكثر من عملية موضعية، إذ يرى في الشبكة مركزًا للقيادة والسيطرة، وقاعدةً لوجستية رئيسية لحزب الله، وفي خسارتها تحوّلًا في الوضع الميداني في جنوب لبنان.
غير أنّ الرواية المنشورة، بما تتضمّنه من أعداد للمقاتلين والقتلى، وتوصيف لوظيفة الأنفاق، وحديث عن محاولة حزب الله استدراج إيران إلى المواجهة، تستند بالكامل إلى تقديرات وتصريحات صادرة عن الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كما نقلتها صحيفة "معاريف"، من دون توفّر رواية مستقلة تؤكّد هذه التفاصيل.




