أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان أصبحت "تحت سيطرة" الجيش الإسرائيلي، زاعماً أن المنطقة لم تكن تشكّل تهديداً لكريات شمونة والمطلة فقط، بل كانت تُستخدم للتحضير لما وصفه بـ"غزو الجليل".
وقال نتنياهو إن القوات الإسرائيلية أخرجت من المنطقة أسلحة وأجهزة حاسوب، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال ما وصفه بـ"تطهير" مسارين تحت الأرض تابعين لحزب الله، وتحقيق "سيطرة عملياتية" على المرتفعات فوق الأرض وتحتها.
ويأتي هذا الإعلان بالتزامن مع ترقّب لبنان تسلّم أربعة محتجزين يُفترض أن تفرج عنهم إسرائيل، في خطوة جاءت نتيجة وساطة أميركية ومرتبطة بمحادثات روما الأخيرة بين الجانبين.
وفي الوقت نفسه، كان قد زعم الجيش الإسرائيلي استكمال ما وصفه بـ"تطهير البنى التحتية تحت الأرض التابعة لحزب الله" في مرتفعات علي الطاهر، مشيراً إلى أن قواته تواصل العمل على تحييد هذه المنشآت، على أن تعيد الانتشار دفاعياً بعد انتهاء العملية ووفقاً لتقييم الوضع.
وقال الجيش الإسرائيلي إن قوات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة على "تطهير" مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، التي وصفها بأنها تقع ضمن "المنطقة الأمنية"، مدعياً أنها حققت "سيطرة عملياتية" على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها.
وأضاف أن قواته اشتبكت مع عناصر من حزب الله داخل المنطقة، مشيراً إلى مقتل عدد منهم وفرار آخرين، فيما تستمر العمليات الرامية إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض بعد إخراج العناصر منها.
وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن العناصر الذين كانوا داخل هذه المنشآت عملوا على إعداد وتنفيذ مخططات تستهدف إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي، مدعياً أن العمليات التي نفذها خلال الأسابيع الأخيرة داخل المسارات تحت الأرض أدت إلى "تحييد القدرة" على استخدامها لتنفيذ عمليات ضد قواته أو داخل إسرائيل.
وكشف الجيش الإسرائيلي أنه عثر داخل المنشآت تحت الأرض على غرف عمليات، ومستودعات للأسلحة، وغرف للمولدات، وأماكن للمكوث، إضافة إلى مرافق للاستحمام ومطبخ، معتبراً أن تجهيزها بهذه الصورة كان يسمح للعناصر بالبقاء داخلها وإدارة القتال لفترات طويلة.
ووصف الجيش الإسرائيلي هذه المنشآت بأنها "بنية تحتية استراتيجية" بُنيت على مدى نحو عقدين، مدعياً أنها خُطط لها ومُوّلت من قبل إيران.
وأشار إلى أن قواته ستواصل العمل على ما وصفه بـ"تطهير المنطقة الأمنية في جنوب لبنان"، مؤكداً أنه لن يسمح لحزب الله بتنفيذ عمليات ضد قواته.
كما توعّد بمواجهة أي محاولة من حزب الله للتحرك ضد القوات الإسرائيلية "بقوة"، فيما ادعى في ختام بيانه أنه يواصل التزامه باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.
وقال نتنياهو إن القوات الإسرائيلية أخرجت من المنطقة أسلحة وأجهزة حاسوب، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال ما وصفه بـ"تطهير" مسارين تحت الأرض تابعين لحزب الله وتحقيق "سيطرة عملياتية" على المرتفعات فوق الأرض وتحتها، مشيراً إلى أن العمل لا يزال مستمراً لتحييد البنى التحتية فيها.
هذا وكان قد أكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون أنّ إسرائيل تواصل انتهاك "اتفاق الإطار"، من خلال استمرار القصف وتدمير القرى الجنوبية التي تحتلها، وجرف المنازل والممتلكات، مشدّدًا في المقابل على أنّ الجيش اللبناني يقوم بواجباته كاملةً في المناطق النموذجية التي أعاد الانتشار فيها.
كلام عون جاء خلال استقباله وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندي سيورد سيوردسما، حيث عرض معه الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة، إضافة إلى العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين لبنان وهولندا.
وقال عون إنّ "إسرائيل تواصل انتهاك اتفاق الإطار الذي تمّ التوصّل إليه في المفاوضات اللبنانية، الأميركية، الإسرائيلية في واشنطن، من خلال استمرار القصف وتدمير القرى الجنوبية التي تحتلها وجرف المنازل والممتلكات".
وشدّد على أنّ "الجيش يقوم بواجبه كاملًا في المناطق النموذجية التي أعاد الانتشار فيها، وكلّ ما يقال غير ذلك يستهدف الإساءة إلى الجيش والتشكيك بدوره والتزامه قرارات السلطة السياسية".
ولفت عون إلى أنّ إعادة إعمار الجنوب "مسؤولية الدولة اللبنانية"، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ هذه العملية لا يمكن أن تنطلق في ظلّ استمرار الوجود الإسرائيلي.
وفي ما يتعلّق بمستقبل قوات "اليونيفيل"، أكّد رئيس الجمهورية تمسّك لبنان ببقائها في الجنوب نظرًا إلى الدور الذي تؤدّيه، مشيرًا إلى أنّه في حال تعذّر تمديد مهمّتها، فإنّ لبنان يرحّب بأيّ دولة شقيقة أو صديقة ترغب في استكمال دورها، ولا سيّما في دعم الجيش وأهالي الجنوب في المجالات الإنسانية والاجتماعية والصحية والتربوية.
وأضاف أنّ الاتصالات مستمرّة لإيجاد الصيغة القانونية المناسبة لمثل هذا الوجود الدولي.
من جهته، أكّد الوزير الهولندي تضامن بلاده مع لبنان والشعب اللبناني في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد، مشيرًا إلى أنّ زيارته إلى النبطية أتاحت له الاطلاع عن كثب على حجم معاناة المواطنين وتداعيات الحرب على حياتهم ومناطقهم.
الاعتداءات مستمرّة
واصلت اسرائيل تصعيدها المبرمج في الجنوب. وشهدت منطقة النبطية ومحيطها واحدة من أعنف موجات القصف والتفجير والغارات منذ أشهر، مستهدفة محاور علي الطاهر، والدبشة، ودوحة كفررمان، والنبطية الفوقا، وصولاً إلى أحياء سكنية في مدينة النبطية وبلدة عربصاليم، إلى جانب تفجيرات وعمليات تمشيط واسعة في حولا وكفرتبنيت وبيت ليف. وهذا التفجير الميداني الواسع، الذي رفع الحصيلة التراكمية للعدوان الإسرائيلي إلى 8921 شهيداً و30559 جريحاً وفق وزارة الصحة العامة، كان الجيش الإسرائيلي قد ربطه برواية استهداف قواته بمسيّرتين مفخختين في مرتفعات علي الطاهر، معلناً ضرب ما وصفه بـ "التهديدات المباشرة".
غير أن اتساع رقعة الضربات وحجمها يتجاوزان الرواية الميدانية المباشرة، ليرتبطا بالتوتر الإقليمي المتصاعد والتراشق بين واشنطن وطهران. فقد جاء التفجير بالتزامن مع تصريحات لوزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أكد فيها الجاهزية للرد الهجومي "بتنسيق كامل مع أميركا" في حال تعرض إسرائيل لأي هجوم إيراني. وهذا الربط المباشر يكرس جنوب لبنان كصندوق رسائل مبكر وخط مواجهة أمامي في الحسابات الإقليمية الشاملة، فيما تحاول إسرائيل استخدام الميدان لرفع سقف الشروط وانتزاع المكاسب قبل أي استحقاق تفاوضي.
واشنطن ولقاء عيسى- نتنياهو
ووسط هذه السخونة جنوباً، جاءت زيارة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى لإسرائيل، ولقاؤه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بحضور السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي. وفي معلومات "المدن" أن هذا التحرك جاء ضمن مسعى أميركي جدي لإعادة إحياء المسار التفاوضي المتعثر. وحمل عيسى إلى نتنياهو مطالب لبنانية محددة تمسك بها لبنان لدعم موقفه وتوفير الغطاء لاستكمال التفاوض. وعلى الرغم من أن عيسى أبلغ المسؤولين اللبنانيين بزيارته مسبقاً دون الكشف عن تفاصيل طروحاته بانتظار لقائه المرتقب مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلا أن التحرك يعكس إصراراً أميركياً على إبقاء القناة الدبلوماسية مفتوحة ومنع انهيار الترتيبات الأمنية.
غير أن هذا الحراك الدبلوماسي يصطدم بشرط إسرائيلي يُربط فيه انعقاد الجولة الثامنة من محادثات روما المرتقبة منتصف أيلول بتحقيق "خطوات عملية على الأرض"، وهي الصياغة التي تفتح الباب أمام التأجيل.
وأعلنت واشنطن أنّ لقاء عيسى وهاكابي مع نتنياهو، يهدف إلى "البحث في سبل المضي قدمًا في تنفيذ "الإطار الثلاثي" المتعلّق بلبنان. وأكدت "التزامها العمل على إنجاح هذا الإطار، والدفع نحو التوصّل إلى اتفاقية شاملة للسلام والأمن بين لبنان وإسرائيل". ويأتي الموقف الأميركي في ظلّ استمرار الجهود لإعادة تفعيل مسار المفاوضات اللبنانية، الإسرائيلية، بالتوازي مع تصعيد ميداني متواصل في الجنوب واتصالات دبلوماسية مكثّفة لتحريك الجولة المقبلة من المحادثات.
وفي مقابل الشروط الإسرائيلية، برز موقف حاسم أبلغه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى المعنيين، مؤكداً رفضه توسيع انتشار القوات المسلحة ضمن "المناطق التجريبية" ما لم تقدم إسرائيل التزامات متقابلة وانسحابات واضحة، منعاً لتحويل دور الجيش إلى التزام أحادي الجانب يغطي الخروقات والاحتلال القائم.
استنفار رسمي ومحطة واشنطن
وأمام هذا الانكشاف، تسعى السلطة الرسمية إلى تحصين الموقف اللبناني عبر استكمال التغطية السياسية والدولية. ويشدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على مرجعية الدولة وحصريتها في حماية المواطنين وإنهاء حالة الحروب، مستنداً إلى حراك خارجي يشمل مشاركته في المؤتمر التحضيري لدعم الجيش في باريس، بالتوازي مع توجه أوروبي لبحث ترتيبات ما بعد "اليونيفيل".
وستكون المحطة الأبرز في تقويم مدى قدرة المظلة الأميركية على فرض التوازن هي اللقاء المقرر في واشنطن يوم 28 أيلول بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وفي تلك المحطة، سيتضح ما إذا كانت الدبلوماسية الأميركية قادرة على إلزام تل أبيب بتقديم تنازلات عملية تفتح باب الحل في روما، أم أن الساحة اللبنانية ستظل رهن السباق المحموم بين أوراق التفاوض وشظايا المواجهة الإقليمية.
عون وسقف المقاربة اللبنانية
وأعاد عون تحديد سقف المقاربة اللبنانيّة لأيّ مسار تفاوضيّ مقبل، واضعًا في مقدّمة أهدافه "تجنيب لبنان ويلات الحرب، وحماية سيادته واستقراره ومصالحه الوطنيّة". وأشار إلى أن الاتصالات الرسميّة تهدف إلى حشد الدعم الدولي للجيش والقوى الأمنيّة وتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها. وقال: "أنا منفتح على كلّ خيار ومسار يمكن أن يساهم في تحقيق هذه الأهداف، لأنّ الأولويّة هي حماية لبنان وشعبه"، في موقف يعكس استمرار الرئاسة في الدفع نحو المسار الدبلوماسي باعتباره مدخلًا لتجنيب البلاد مواجهة عسكريّة جديدة، من دون فصل ذلك عن التمسّك بالسيادة ومصالح الدولة.
وتوقّف رئيس الجمهوريّة عند كلمة رئيس مجلس النواب نبيه برّي في ذكرى تغييب الإمام السيّد موسى الصدر، مثنيًا على ما تضمّنته من تأكيد على مرتكزات السلم الأهلي والتمسّك بالمؤسّسة العسكريّة واتفاق الطائف. وقال عون: "أُثني على ما ورد في كلمة دولة الرئيس نبيه برّي، ولا سيّما تأكيده على المسلّمات الأساسيّة للسلم الأهلي، والتمسّك بالجيش واتفاق الطائف، واعتبارها خطوطًا حمراء، وهي رسالة إلى الداخل قبل أن تكون إلى الخارج".
وفي رسالة إلى القوى السياسيّة، دعا عون إلى عدم إهدار الفرص المتاحة أمام لبنان في صراعات الداخل وحساباته. وقال: "أمام لبنان فرص كثيرة، والمهمّ ألّا نضيّعها في الحسابات الضيّقة، وأن نتعلّم من الماضي ونستخلص عِبره لبناء مستقبل أفضل".
ويعكس هذا الموقف محاولة رئاسيّة للجمع بين مسارين، الأول سياسي وأمني يرتبط بالتفاوض والاستقرار وحصر القرار بالدولة، والثاني داخلي يهدف إلى منع تحويل الاستحقاقات المقبلة إلى ساحة جديدة للصراع السياسي.
من علي الطاهر إلى السيبراني
في هذه الاثناء، يواصل الإسرائيليون تسريباتهم في ما يتعلق بمسار المواجهة مع حزب الله. ووفق صحيفة "معاريف"، تواصل القوات الإسرائيليّة تحرّكها بحذر في منطقة علي الطاهر خشية وجود عبوات ناسفة أو وسائل هجوميّة داخل شبكة الأنفاق والمنشآت الموجودة فيها، وسط حرص على عدم تعريض الجنود لمخاطر إضافيّة خلال عمليات التفتيش والتقدّم. ويشير هذا الحذر إلى أنّ التعامل الإسرائيلي مع المنطقة لا يقتصر على استهداف عناصر حزب الله المفترض وجودهم داخلها، بل يمتدّ إلى تفكيك البنية العسكريّة والتحقّق من المنشآت والأنفاق والوسائل القتاليّة التي ما زالت موجودة. ويصرّ الجيش الإسرائيلي، وفق الصحيفة، على استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر، واضعًا إيّاها ضمن سياق عمليات أخرى نفّذها في القنيطرة ومجدل زون ومنطقة قلعة الشقيف.
والرواية الإسرائيليّة للمواجهة مع حزب الله لا تتوقّف عند الحدود الجنوبيّة أو الأنفاق. فبالتوازي، كشفت القناة "12" الإسرائيليّة عن تقديرات للجيش الإسرائيلي تفيد بأنّ حزب الله يعمل، بالتعاون مع إيران، على تطوير منظومة هجوميّة في الفضاء السيبراني، تتيح له مواصلة استهداف إسرائيل حتّى في الفترات التي ينخفض فيها مستوى المواجهة العسكريّة المباشرة.
وبحسب القناة، ينظر حزب الله وإيران إلى المجال السيبراني بوصفه "حملة هادئة"، يمكن من خلالها استمرار الضغط ومحاولات الاختراق من دون الحاجة إلى إطلاق النار أو الدخول في مواجهة عسكريّة مباشرة. وتدّعي المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة أنّ حزب الله نفّذ خلال الحرب أكثر من 600 محاولة هجوم سيبراني ضدّ أهداف إسرائيليّة، لكنّها تقول إنّ الحزب لم يتمكّن، حتّى الآن، من تحقيق اختراقات كبيرة أو نتائج ذات تأثير واسع. وتتولّى شعبة الدفاع السيبراني التابعة لشعبة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الجيش الإسرائيلي مواجهة هذه المحاولات، بالتنسيق مع أجهزة أمنيّة أخرى.