لبنان في حسابات إسرائيل: الجنوب ورقة نتنياهو الانتخابية

زينب زعيترالخميس 2026/09/03
Image-1788430107.Webp
بحسب الاستطلاعات تبدو أسهم آيزنكوت والمعارضة أعلى من أسهم نتنياهو لغاية الآن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن فصل الملف اللبناني عن السياق الانتخابي الذي تتجه إليه إسرائيل، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 27 تشرين الأول المقبل، في أول استحقاق انتخابي منذ طوفان 2023، وبعد حربين على لبنان واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. ولبنان الذي يُوصف بأنّه أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تُستخدم في صناديق الاقتراع، لا يمكن عزله عن شبكة أوسع من الملفات والساحات التي تتداخل في رسم خيارات الناخب. 

يدخل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المعركة، محاولاً استعادة صورة الرجل القادر على إدارة أمن إسرائيل، بعدما تلقى رصيده السياسي ضربة كبيرة إثر أحداث العام 2023. وفي المقابل، يبرز غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق، كأحد أبرز منافسيه، فيما تعكس استطلاعات الرأي الأخيرة تقدماً واضحاً له وللمعارضة. فقد أظهر استطلاع "معاريف" الأخير حصول حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت على 26 مقعداً مقابل 20 مقعداً لـِ "الليكود"، فيما نالت كتلة المعارضة 60 مقعداً مقابل 49 لكتلة نتنياهو. وفي استطلاع "القناة 12"، حصل "يشار" على 24 مقعداً مقابل 22 لـِ "الليكود"، بينما نالت المعارضة 59 مقعداً مقابل 50 لكتلة نتنياهو. ولم يقتصر التقدم على حجم الكتل، إذ تقدم آيزنكوت على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، بنسبة 48% مقابل 37%.

 

تصعيد في الجنوب 

هذه الاستطلاعات، ورغم أهميتها، لا تعكس في الحقيقة التوجه النهائي للناخبين. ولا يتوقف السؤال عند احتمال خسارة نتنياهو، بل يتجاوزها إلى ما إذا كان رحيله سيؤدي فعلاً إلى تغيير جوهري في مسار الحرب على لبنان، أم أن ما سيتغير هو الوجه والإيقاع فقط. فحتى في حال خسارة نتنياهو، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، وتقدّم خصوم نتنياهو لا يعني بالضرورة أن الشارع الإسرائيلي يتجه نحو سياسة أقل تشدداً تجاه لبنان. 

وهنا تبرز الأسئلة: كيف يُستخدم الملف اللبناني في صناديق الاقتراع الإسرائيلية، وإلى أي مدى يمكن أن يتحول التصعيد في الجنوب إلى ورقة انتخابية بيد نتنياهو؟ وهل يمكن ربط التصعيد الأخير بمعركة علي الطاهر تحديداً، أم أن الحسابات الانتخابية قد تدفع إسرائيل إلى توسيع التصعيد ليشمل الضاحية أو مناطق أخرى في لبنان؟ والسؤال الأهم: ماذا يمكن أن يتغير في لبنان في حال ربح نتنياهو أو خسر؟ 

 

معركة علي الطاهر أولوية؟ 

يقرأ المتخصص في الشأن الإسرائيلي علي حيدر في حديث مع "المدن" في كيفية استثمار الملف اللبناني في صناديق الاقتراع الإسرائيلية، مشيراً إلى أنّ لا يمكن فصل مسألة موقع لبنان في الانتخابات الإسرائيلية عن مجمل الساحات الأخرى وتأثيرها.  ويرى أنّ "من المسلّم به إسرائيلياً أن استمرار الوضع الأمني المتدهور، وربما التصعيد، يمكن أن يخدم نتنياهو في الانتخابات، شرط أن يبدو مسيطراً على الوضع وأن يمارس أداءً عملياتياً يعزز من خلاله أمن إسرائيل. لذلك، للبنان مكانه في هذا الإطار، لكنه ليس الساحة المتقدمة على بقية الساحات. إذ تبقى غزة والضفة الغربية أكثر تأثيراً. وعليه، يمكن القول إن الموضوع اللبناني له حيّزه، لكن ما سيساهم في تحريك أي ساحة، هو التطورات السياسية والميدانية من الآن وحتى موعد الانتخابات".

ووفق حيدر: " قد توجد قيود سياسية في الساحة اللبنانية غير موجودة بالدرجة نفسها في الضفة الغربية وغزة، بمعنى أن هامش الحركة الإسرائيلي في غزة والضفة أكبر بكثير. فتوسيع الاستيطان، وتجريف المخيمات، والمضايقات، وإطلاق العنان للمستوطنين، كلها عوامل وقرارات عملية تحاكي اليمين الإسرائيلي بصورة أكثر تأثيراً من أي ساحة أخرى". 

وبالنسبة إلى حيدر، "فليس أي مستوى من التصعيد يمكن أن يُصرف انتخابياً في الداخل الإسرائيلي". وهنا يُفتح النقاش حول احتمالية المعركة الكبرى في علي الطاهر. يقول حيدر: "نعم، هناك مستوى من التصعيد يمكن أن يفرض نفسه على مجمل الساحة الإسرائيلية، كحرب أو تغيير جذري في الوضع الميداني في لبنان أو تحقيق إنجازات كبيرة. حينها يمكن القول إن ذلك قد يترك أثراً في الانتخابات. أما مقولة إن سقوط علي الطاهر سيعزز انتخابياً موقع نتنياهو أو لا، فأعتبرها غير دقيقة وغير موضوعية". 

ويتابع: "ولنفترض أن علي الطاهر سقطت قبل أن ينخفض مستوى التصعيد، فما الذي كان سيتغير؟ صحيح أن لها مزايا تكتيكية مهمة، لكن هذا هو صداها. وهناك تضخيم، حتى في الداخل الإسرائيلي، لموضوع علي الطاهر أساساً، فضلاً عن أن شهرين قد يشهدان متغيرات كبيرة من الآن وحتى أواخر تشرين الأول".

ويؤكد: "قد يحدث ما هو أبعد من علي الطاهر، كأن تقع حرب، وقد يؤدي ذلك إلى التفاف الجمهور الإسرائيلي حول نتنياهو، كما يمكن، في حال حصول إخفاق، أن تكون النتيجة مختلفة".

ولتحديد تأثير أي ساحة، يجب أولاً معرفة  أسباب ابتعاد شرائح من الناخبين عن نتنياهو، سواء بسبب تجنيد الحريديم أو الوضع الاقتصادي، إذ قد لا يكون التصعيد في لبنان أولوية لهذه الشرائح. وفي المقابل، فإن التزام نتنياهو بالقيد الأميركي قد ينعكس سلباً عليه لدى جزء من جمهور اليمين، الذي قد يرى أنه لم يتمكن، عند الاستحقاقات الجدية، من رفض الموقف الأميركي.

 

محطات إسرائيلية سابقة 

ولفهم موقع لبنان في هذه المعركة الانتخابية، لا بد من العودة أيضاً إلى الانتخابات الإسرائيلية السابقة، واستحضار المحطات التي حضر فيها الملف اللبناني بقوة، ومتى كان عاملاً مؤثراً في صناديق الاقتراع، ومتى تراجع أمام ملفات وساحات أخرى.

ففي الثمانينيات، حضر لبنان بقوة عندما كانت إسرائيل تحتل أجزاء كبيرة من الأراضي اللبنانية، وكان له تأثير في تراجع حزب الليكود أو سقوطه في مراحل معينة. وفي انتخابات أخرى كان للملف اللبناني أثر واضح. ففي العام 1996، ساهمت "عناقيد الغضب" في إسقاط شمعون بيريز، الرئيس الإسرائيلي السابق.

كذلك، في انتخابات العام 1999 التي فاز فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك على نتنياهو، وحينها رفع شعاره "الانسحاب من لبنان".

ولكن وفق حيدر، يجب الالتفات إلى أن هذه الأمور متغيرة من حملة انتخابية إلى أخرى. فالعوامل التي تؤثر في توجيه الرأي العام الإسرائيلي متعددة، ويأتي الأمن في مقدمتها. كما يحضر الاقتصاد، ثم موضوع تجنيد الحريديم، إضافة إلى الأداء في القطاعات الحياتية. وهذا هو التدرج الطبيعي للأولويات التي تؤثر في الناخب الإسرائيلي.

وكان لبنان في بعض المراحل جزءاً من العوامل المؤثرة، وأحياناً عاملاً مؤثراً بدرجة يمكن أن يغيّر المعادلات كجزء من المشهد، لكنه لم يكن بالضرورة الأولوية. وفي أحيان أخرى يحدث العكس. ففي انتخابات العام 2003، تعزز موقع رئيس وزراء الاحتلال السابق أرييل شارون في ظل الانتفاضة، وحقق إنجازاً لحزب الليكود، رغم أن فلسطين كانت مشتعلة. وهذا يعني أن اتجاهات التصويت ليست مضمونة في اتجاه واحد، فتارة يخدم التصعيد الأمني المرشح، وتارة أخرى يؤدي إلى سقوطه، بحسب حيدر. 

وفي انتخابات العام 2022، لم يكن لبنان عاملاً مؤثراً في الانتخابات. كان العامل الداخلي والعامل الفلسطيني أكثر تأثيراً، كما كانت شعارات نتنياهو المتعلقة بإيران والملف النووي من العوامل المؤثرة. وبعد تلك الانتخابات، اندلعت أزمة التظاهرات داخل إسرائيل إلى أن جاء طوفان الأقصى.

 

ماذا لو خسر نتنياهو؟

ورداً على سؤال "ماذا لو خسر نتنياهو" وما هي حظوظ إيزنكوت، يقول حيدر: "سواء ربح نتنياهو أو خسر، فإن تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان يتطلب وجود تباين فعلي في الرؤية والموقف، وهو ما لا يبدو متوافراً حتى الآن. فأولوية مواجهة حزب الله والقضاء على المقاومة، إلى جانب مفهوم المناطق الأمنية، باتت جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهي لا تقتصر على نتنياهو. وحتى آيزنكوت، المتقدم في الاستطلاعات، سبق أن اعتبر الحرب فرصة لتفكيك سلاح المقاومة، وهذا ما يطرح سؤالاً حول حجم التغيير الممكن فعلياً في حال وصوله إلى السلطة".

ويتابع: "أما الناخب الإسرائيلي، فتتصدر أولوياته مسألة الأمن وإزالة التهديدات، إلى جانب الاقتصاد والتجنيد والعلاقات مع الولايات المتحدة. ووفق الاستطلاعات الحالية، تبدو أسهم آيزنكوت والمعارضة أعلى من نتنياهو، لكن هذه النتائج تبقى مرتبطة بلحظة إجرائها، فيما تبقى الأسابيع الفاصلة عن الانتخابات كفيلة بتغيير المشهد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث